تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار - صلاح أبو الحاج
كتاب الكراهية
(تجوزُ المُسابقةُ على الأقدامِ والخَيلِ والبِغالِ والحَميرِ والإبلِ وبالرَّمي) (¬1)؛ والأصلُ فيه حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا سَبْقَ إلاّ
¬__________
(¬1) الأصل في المسابقات المنع؛ لأنَّها من أنواع اللهو، وهو محرم؛ لذلك كان جوازها محدوداً بصورة مخصوصة؛ لما فيها من الرياضة والاستعداد لأسباب الجهاد في الجملة، فكان لعباً صورة، ورياضة وتعلم أسباب الجهاد حقيقة، فيكون جائزاً إذا استجمع شرائط الجواز، ولئن كان لعباً، لكن اللعب إذا تعلقت به عاقبة حميدة لا يكون حراماً، ولهذا استثني ملاعبة الأهل؛ لتعلّق عاقبة حميدة بها، وهو انبعاث الشهوة الداعية إلى الوطء الذي هو سبب التوالد والتناسل والسكنى وغير ذلك من العواقب الحميدة، وهذا المعنى لا يوجد في غير هذه الصور المنصوصة، فلم يأخذ حكمه وبقي على الحرمة.
وشرائط جوازها:
1.أن يكون في الأنواع الأربعة: الحافر، والخف، والنصل، والقدم؛ لأنَّ اللعب حرام في الأصل، إلا أنَّ اللعب بهذه الأشياء صار مستثنى من التحريم شرعاً؛ فحرَّم - صلى الله عليه وسلم - كل لعب واستثنى الملاعبة بهذه الأشياء المخصوصة، فبقيت الملاعبة بما وراءها على أصل التحريم.
2. أن يكون الخَطر ـ أي المال ـ فيه من أحد الجانبين، إلا إذا وجد فيه محللاً، حتى لو كان الخطر من الجانبين جميعاً ولم يُدخلا فيه محللاً، لا يجوز؛ لأنَّه في معنى القمار، نحو أن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك عليَّ كذا، وإن سبقتك فليّ عليك كذا، فقبل الآخر؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنه -: «أنَّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - سابق بين الخيل وجعل بينهما سبقاً، وجعل بينهما محلِّلاً، وقال: لا سَبَق إلا في حافر أو نصل» في صحيح ابن حبان 10: 543، وجامع الترمذي 4: 205، وقال: وفي الباب عن أبي هريرة وجابر وعائشة وأنس - رضي الله عنهم -، وهذا حديث صحيح حسن غريب، والمعجم الأوسط 6: 51.
وصور الجواز هي:
أ. أن يكون الخَطر من أحد الجانبين فقط، فلو قال أحدهما لصاحبه: إن سبقتني
فلك عليَّ كذا، وإن سبقتك فلا شيء عليك، فهو جائز؛ لأنَّ الخطر إذا كان من أحد الجانبين لا يحتمل القمار.
ب. إن كان الخَطرُ من الجانبين ولكن أدخلا فيه محلِّلاً، بأن كانوا ثلاثة لكن الخطر من الاثنين منهم ولا خطر من الثالث, بل إن سبق أخذ الخطر، وإن لم يسبق لا يغرم شيئاً, فهذا مما لا بأس به أيضاً.
ج. أن يكون الخَطر من ثالث، بأن يقول رجل لرجلين: مَن سبق منكما فله كذا، فهو جائز؛ لأنَّه من باب التحريض على استعداد أسباب الجهاد، خصوصاً من السلطان، فكانت ملحقةً بأسباب الجهاد؛ لأنَّ الإمام إذا حرّض واحداً من الغزاة على الجهاد، بأن قال: مَن دخل هذا الحصن أوّلاً فله من النّفل كذا ونحوه، جاز، كذا هذا، بل أولى.
ولم توجد القدم في الأحاديث السابقة، إلا أنَّه المعنى الموجود في الحافر والخفّ والنصل في القدم، وهو التقوي والاستعداد موجود فيها فأدخلت معها، وممكن أن يشهد له حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: «سابقني النبي - صلى الله عليه وسلم - فسبقته، فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني، فسبقني، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه بتلك» في صحيح ابن حبان 10: 545 تحت ترجمة: ذكر إباحة المسابقة بالأقدام إذا لم يكن بين المتسابقين رهان، وسنن البيهقي الكبير 10: 18، وموارد الظمآن 1: 318.
وكذلك حديث سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه -، قال: «غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... فأقبلت إلى المدينة، فبينما نحن نسوق وكان رجل من الأنصار لا يُسبق شَداً، فجعل يقول: ألا من مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يقول ذلك مراراً، فلما سمعت كلامه، قلت له: أما تكرم كريماً ولا تهاب شريفاً، قال: لا إلا أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ائذن لي فلأسابق الرَّجل، قال: إن شئت، قال: فظفرت ثم عدوت شرفاً أو شرفين، ثم أني ترفعت حين لحقته، فاصطكه بين كتفيه، فقلت: سبقت والله، قال: إن أظنّ، قال: فسبقته إلى المدينة» في صحيح مسلم 3: 1439، إلا أنَّ هذين الحديثين ليس فيهما الجعل في المال، فكان القياس أقوى منهما في إلحاق القدم، وهما يدلان على أصل جواز الفعل من المسابقة بالقدم، وتمامه في المنهاج الوجير في الأيمان والنذور والحظر والإباحة.
¬__________
(¬1) الأصل في المسابقات المنع؛ لأنَّها من أنواع اللهو، وهو محرم؛ لذلك كان جوازها محدوداً بصورة مخصوصة؛ لما فيها من الرياضة والاستعداد لأسباب الجهاد في الجملة، فكان لعباً صورة، ورياضة وتعلم أسباب الجهاد حقيقة، فيكون جائزاً إذا استجمع شرائط الجواز، ولئن كان لعباً، لكن اللعب إذا تعلقت به عاقبة حميدة لا يكون حراماً، ولهذا استثني ملاعبة الأهل؛ لتعلّق عاقبة حميدة بها، وهو انبعاث الشهوة الداعية إلى الوطء الذي هو سبب التوالد والتناسل والسكنى وغير ذلك من العواقب الحميدة، وهذا المعنى لا يوجد في غير هذه الصور المنصوصة، فلم يأخذ حكمه وبقي على الحرمة.
وشرائط جوازها:
1.أن يكون في الأنواع الأربعة: الحافر، والخف، والنصل، والقدم؛ لأنَّ اللعب حرام في الأصل، إلا أنَّ اللعب بهذه الأشياء صار مستثنى من التحريم شرعاً؛ فحرَّم - صلى الله عليه وسلم - كل لعب واستثنى الملاعبة بهذه الأشياء المخصوصة، فبقيت الملاعبة بما وراءها على أصل التحريم.
2. أن يكون الخَطر ـ أي المال ـ فيه من أحد الجانبين، إلا إذا وجد فيه محللاً، حتى لو كان الخطر من الجانبين جميعاً ولم يُدخلا فيه محللاً، لا يجوز؛ لأنَّه في معنى القمار، نحو أن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك عليَّ كذا، وإن سبقتك فليّ عليك كذا، فقبل الآخر؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنه -: «أنَّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - سابق بين الخيل وجعل بينهما سبقاً، وجعل بينهما محلِّلاً، وقال: لا سَبَق إلا في حافر أو نصل» في صحيح ابن حبان 10: 543، وجامع الترمذي 4: 205، وقال: وفي الباب عن أبي هريرة وجابر وعائشة وأنس - رضي الله عنهم -، وهذا حديث صحيح حسن غريب، والمعجم الأوسط 6: 51.
وصور الجواز هي:
أ. أن يكون الخَطر من أحد الجانبين فقط، فلو قال أحدهما لصاحبه: إن سبقتني
فلك عليَّ كذا، وإن سبقتك فلا شيء عليك، فهو جائز؛ لأنَّ الخطر إذا كان من أحد الجانبين لا يحتمل القمار.
ب. إن كان الخَطرُ من الجانبين ولكن أدخلا فيه محلِّلاً، بأن كانوا ثلاثة لكن الخطر من الاثنين منهم ولا خطر من الثالث, بل إن سبق أخذ الخطر، وإن لم يسبق لا يغرم شيئاً, فهذا مما لا بأس به أيضاً.
ج. أن يكون الخَطر من ثالث، بأن يقول رجل لرجلين: مَن سبق منكما فله كذا، فهو جائز؛ لأنَّه من باب التحريض على استعداد أسباب الجهاد، خصوصاً من السلطان، فكانت ملحقةً بأسباب الجهاد؛ لأنَّ الإمام إذا حرّض واحداً من الغزاة على الجهاد، بأن قال: مَن دخل هذا الحصن أوّلاً فله من النّفل كذا ونحوه، جاز، كذا هذا، بل أولى.
ولم توجد القدم في الأحاديث السابقة، إلا أنَّه المعنى الموجود في الحافر والخفّ والنصل في القدم، وهو التقوي والاستعداد موجود فيها فأدخلت معها، وممكن أن يشهد له حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: «سابقني النبي - صلى الله عليه وسلم - فسبقته، فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني، فسبقني، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه بتلك» في صحيح ابن حبان 10: 545 تحت ترجمة: ذكر إباحة المسابقة بالأقدام إذا لم يكن بين المتسابقين رهان، وسنن البيهقي الكبير 10: 18، وموارد الظمآن 1: 318.
وكذلك حديث سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه -، قال: «غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... فأقبلت إلى المدينة، فبينما نحن نسوق وكان رجل من الأنصار لا يُسبق شَداً، فجعل يقول: ألا من مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يقول ذلك مراراً، فلما سمعت كلامه، قلت له: أما تكرم كريماً ولا تهاب شريفاً، قال: لا إلا أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ائذن لي فلأسابق الرَّجل، قال: إن شئت، قال: فظفرت ثم عدوت شرفاً أو شرفين، ثم أني ترفعت حين لحقته، فاصطكه بين كتفيه، فقلت: سبقت والله، قال: إن أظنّ، قال: فسبقته إلى المدينة» في صحيح مسلم 3: 1439، إلا أنَّ هذين الحديثين ليس فيهما الجعل في المال، فكان القياس أقوى منهما في إلحاق القدم، وهما يدلان على أصل جواز الفعل من المسابقة بالقدم، وتمامه في المنهاج الوجير في الأيمان والنذور والحظر والإباحة.