أيقونة إسلامية

تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار

صلاح أبو الحاج
تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار - صلاح أبو الحاج

كتاب الوقف

كتاب الوقف
الوَقفُ في اللُّغة (¬1): الحبس، يُقال: وَقَفْتُ الدَابّة إذا حبستُها على مكانها، ومنه الموقف؛ لأنّ النَّاس يوقفون فيه: أي يحبسون للحساب.
وفي الشَّرع (¬2): حبسُ شيءٍ معلومٍ بصِفةٍ معلومةٍ على ما نُبيِّنُه إن شاء الله تعالى.
¬__________
(¬1) لغةً: وقفَهُ: حبسهِ، وقَفَ دارَه أو أرضه على ولدهِ؛ لأنَّه حَبْسُ المِلْك عليه. وقيل للموقوف: وَقْفٌ تسميةً بالمصدر؛ ولذا جُمع على أوقاف، قالوا: ولا يُقال: أوقفه إلا في لغة رديّة. وقيل: يُقال: وقفَه فيما يُحْبَس باليدِ، وأوقفه فيما لا يُحبس بها، كما في المغرب 2: 366.
(¬2) اصطلاحاً: حبس العين على حكم ملك الله - جل جلاله -، أو حبسُ العين عن التمليك والتصدُّق بالمنفعة عند أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -.
وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه -: حبسُ العين على ملك الواقف والتصدّقُ بالمنفعة، كما في التبيين 1: 325.
وشروط الوقف:
وهي نوعان: شروط صحة، وشروط نفاذ:
أولاً: شروط الصحة:
وهي ما يتوقف عليه انعقاد الوقف من الاعتبارات بعد وجود أركانه المتقدمة؛ إذ لا فرق في باب الوقف بين الانعقاد والصحة، أو بين البطلان والفساد؛ لأنَّ باطل الوقف وفاسدّه واحد، وتفصيلها كالآتي:
1.أن تكون صيغة الوقف جازمة بالعقد، فلا ينعقد بالوعد، ولا يكون الوعد فيه ملزماً، ولا يصح الوقف مع خيار الشرط عند محمد؛ لعدم التنجيز.
2. أن تكون الصيغة منجزة، فلا تكون معلقة أو مضافة للمستقبل؛ لأنَّ الوقف من التمليكات.
3.أن لا يكون في صيغة الوقف شرطٌ يؤثر في أصل الوقف، ويُنافي مقتضاه، بأن يقول: أرضي هذه صدقةٌ موقوفةٌ على أنَّ لي أصلُها، فيبطل الوقف، وهذا في القياس، واستحساناً: يصح الوقف ويلزم وتبطل الشُّروط المنافية له.
4.أن تكون الصِّيغة مفيدةً التأبيد للوقف، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه -: لا يشترط ذلك؛ لأنَّ دلالة الوقف تدل على التأبيد، وعليه الفتوى.
5. أن يكون الواقف عاقلاً، فلا يصحُّ وقف المجنون والمعتوه والصغير غير المميز.
6. أن يكون الواقف بالغاً، فلا يصحُّ وقف الصغير المميز، ولو مأذوناً من وليه؛ لأنَّه لا يملك أن يتبرع من ماله بشيء.
7.أن يكون غير محجور لسفه، فلا يصحّ وقف المحجور لسفه، ولو أجازه وصيه؛ لأنَّه ليس أهلاً للتبرع.
8.أن لا يرتد عن الإسلام بعد الوقف، فلو ارتد بطل وقفه، ولو عاد إلى الإسلام لا يعود الوقف إلا بعقد جديد؛ لأنَّ الوقف في معنى القربة الدائمة لله تعالى.
9. أن يكون الموقوف مالاً متقوماً: بأن يكون منتفعٌ به شرعاً.
10.أن يكون الموقوف مملوكاً في ذاته، فلا يصحّ وقف المباحات قبل إحرازها، وأما
كونه مملوكاً للواقف فمن شرائط النفاذ، وإن وقف ما لا يملك ثم ملكه لا يصح.
11.أن يكون الموقوف معلوماً حين الوقف، فلا يصح وقف الشيء المجهول، كقوله: وقفت شيئاً من مالي.
12.أن يكون الموقوف عقاراً أو منقولاً تعارف الناس وقفه.
13.أن يكون الموقوف متميّزاً غير مشاع إذا كان مسجداً أو مقبرةً، فأبو يوسف يرى صحة وقف الحصة الشائعة إلا في المسجد، فيتفق مع أبي حنيفة ومحمد في صحّة
وقف المشاع؛ لأنَّ المسجد يجب أن يكون خالصاً لله تعالى.
14.أن يكون الموقوف عليه قربةً في نظر الشرع ونظر الواقف، فلا يصح الوقف بالمنكرات والمحرمات: كالميسر ونوادي الفحش والنواح والغناء وفنون اللهو والمبتدعين والحربيين.
15. أن تكون جهة البر في الموقوف عليه دائمة الوجود: كالفقراء، وإن وقف على قوم محصورين لا يصح الوقف؛ لأنَّهم ينقطعون، وعلى قول أبي يوسف - رضي الله عنه -: يصحّ ويجعل بعدهم للفقراء.
ثانياً: شرائط النفاذ:
وهو ما يتوقف عليه اعتبار الوقف مُبْرَماً ماضياً غير محتاج إلى إجازة أحد ورضاه، وهما يرجعان إلى الواقف والمال الموقوف، وتفصيلها كالآتي:
1.أن لا يكون الواقف محجوراً عليه لِدَين، فلا يصح أن يتصرف في ماله أيّ تصرّف يضرّ بغرمائه، ومن ذلك التبرعات: كالوقف.
أما المَدين الذي لم يَحجر عليه قضاء، ففي أصل المذهب وقفه صحيح، لكن أفتى أبو السعود بأنَّه لا يصح ولا يلزم، والقضاة ممنوعون من الحكم وتسجيل الوقف بمقدار ما شغل بالدين، ومعنى هذا: أنَّ المَدين يعتبر محجوراً عن الوقف من نفسه بالأمر السلطاني، دون حاجة إلى حجر قضائي فيما يعادل الدَّين من أمواله غير ما وقفه منها وَفْرٌ يفي بالدَّين، نفذَ الوقف، وإلا توقف على إجازة الدائنين، وهذا ما استقرت عليه فتاوي المتأخرين من الفقهاء.
2.أن يكون الواقف غير مريض مرض الموت، فالمريض المَدين ينفذ الوقف فيما يزيد عن ماله من الدين، والمريض غير المَدين وقفه مقيد نفاذه بثلث ماله، وفيما زاد على ذلك يتوقف على إجازة الورثة كالوصية، وإن وقف المريض على وارث لا يجوز، ولو كان يخرج من ثلث المال إلا بإجازة باقي الورثة.
3.أن يكون الواقف غير مرتد عن الإسلام، فإنَّه متوقف، فإذا عاد إلى الإسلام نفذ وقفه.
4.أن يكون الموقوف مملوكاً للواقف حين الوقف، فوقف الفضولي صحيح موقوف.
ويشترط لصحة الوقف أن يكون الواقف مالكاً للموقوف عند الوقف، فإن مَلَكَ الواقف الموقوف بعد أن وقفه، فإنَّه وقفه عندئد لا يكون صحيحاً، ومَن اشترى أرضاً بخيار شرط للبائع ووقفها المشتري ثم أمضى البائع البيع كان الوقف باطلاً.
5.أن لا يكون الموقوف مرهوناً لا فكاك له، فإنَّ الراهن إذا كان له مال آخر يمكن وفاء الدين منه، ينفذ وقفه في المرهون، ويجبر قضاءً على وفاء الدين، ويفك المرهون الموقوف.
6.أن لا يكون الموقوف محجوزاً قضاءً لوفاء حقّ، فلا ينفذ فيه الوقف، ولو كان للمالك المحجوز عليه مال آخر؛ لأنَّ الحجر عمل إداري لسلطة قضائية انصبت على المال، فعزلته عن سلطة ماله لوفاء الحق الذي عليه، كما في أحكام الأوقاف للزرقا ص 72 - 103.
المجلد
العرض
49%
تسللي / 2817