تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار - صلاح أبو الحاج
كتاب الصَّوم
قال: (وصوم العيدين وأيّام التَّشريق (¬1) حرامٌ) (¬2)؛ لرواية عُقبة بن عامر
¬__________
(¬1) وهي ثلاثة أيّامٍ بعد يوم النّحر، وسمّيت بذلك؛ لأنَّ لحوم الأضاحيّ تشرق فيها: أي تقدّد في الشّمس، فإنَّه يكره تحريماً صيامها؛ فعن عائشة وابن عمر - رضي الله عنهم -، قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي» في صحيح البخاري 2: 703.
(¬2) هذا ما يعبر عنه بالصيام المكروه كراهة تحريم، وأما المكروه كراه تنزيه، فمنه:
1. صوم عاشوراء مفرداً عن التاسع أو عن الحادي عشر، فإفرادُ عشوراء سنّة مؤكّدة، وهي من أقوى سنن الصِّيام وخلاف الأولى عدم صوم التاسع معه؛ فعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم -، قال: «حين صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنَّه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» في صحيح مسلم 2: 797.
2.صوم يوم السبت وحده، فإنَّه يكره تنزيهاً؛ لأنَّه تشبه باليهود؛ فعن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا عود عنبة أو لحاء شجرة فليمضغه» في صحيح ابن خزيمة 3: 317، وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: «أكثر ما كان يصوم - صلى الله عليه وسلم - من الأيام يوم السبت والأحد، وكان يقول: إنَّهما عيدان للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم» في صحيح ابن حبان 8: 381، 407، وصحيح ابن خزيمة 3: 318، فنحن نقول بالكراهة التنزيهية، لا بالحرمة، لتعارض الأدلة، ولأن هذا الحديث تكلم الحفاظ فيه فأنكره ابن شهاب وكذبه مالك وقال أبو داود والحاكم بنسخه بحديث جويرية بنت الحارث: «أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: صمت أمس قالت: لا، قال: فتريدين أن تصومي غداً ... » في صحيح البخاري3: 42، وأول الترمذي على معنى خاص وهو التشبه باليهود، فقال في سنن الترمذي 3: 120: «ومعنى كراهته في هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام لأن اليهود تعظم يوم السبت».
3.صوم يوم عرفة للحاج إن أضعفه عن الوقوف والدعاء، فإنَّه يكره له؛ لأنَّ فضيلة صوم هذا اليوم مما يمكن استدراكها في غير هذه السنة ويستدرك عادة، فأما فضيلة الوقوف والدعاء فيه لا يستدرك في حق عامة الناس عادة إلا في العمر مرة واحدة فكان إحرازها أولى، فعن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها: «إنَّ ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه» في صحيح مسلم 2: 791.
4. صوم يوم التروية للحاج: وهو الثامن من ذي الحجة، فيكره له؛ لأنَّه يعجزه عن أداء أفعال الحج.
5.صوم الدَّهر، وإن أفطر الأيام المنهية ـ العيدين الفطر والأضحى، وأيام التشريق الثلاثة، ويوم الشكّ ـ؛ فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -، قال: «أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنت الذي تقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت، قلت: قد قلته، قال: إنَّك لا تستطيع ذلك فصم وأفطر وقم ونم وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإنَّ الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر، فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك يا رسول الله، قال: فصم يوماً وأفطر يومين، قال قلت: إني أطيق أفضل من ذلك قال: فصم يوماً وأفطر يوماً وذلك صيام داود، وهو عدل الصيام، قلت: إني أطيق أفضل منه يا رسول الله قال: لا أفضل من ذلك» في صحيح البخاري 3: 1256، ولأنَّ هذا الصيام يضعف الإنسان، ولأنَّ الصيام يصير طبعاً له، ومعنى العبادة على مخالفة العادة، وحملت الكراهة على التنزيه؛ لما روي عن أبي موسى - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد تسعين» في صحيح ابن خزيمة 3: 313، وللأحاديث الواردة في فضل الصيام.
6.صوم الوصال ولو يومين، وقد فسَّره أبو يوسف ومحمد: بصوم يومين لا فطر بينهما؛ لأنَّ الفطر بينهما يحصل بوجود زمان الفطر وهو الليل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم أكل أو لم يأكل». وقيل في تفسير الوصال: أن يصوم كل يوم من السنة دون ليلته؛ فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تواصلوا، قالوا: إنَّك تواصل، قال: لست كأحد منكم إني أطعم وأسقى» في صحيح البخاري 2: 693.
7. صوم الصمت: وهو أن يمسك عن الطعام والكلام جميعاً، ولأنَّ «النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الوصال وعن صوم الصمت» في مسند الإمام أبي حنيفة ص192، ولأنَّ الصيام عن الكلام ليس بقربة في شريعتنا، بل هو تشبه بالمجوس، وإنَّما يتجنب الكلام الذي فيه إثم.
ح. الصوم في أعياد غير المسلمين؛ لأنَّ فيه تشبه بغير المسلمين، ونحن منهين عن التشبه
بهم؛ ولأنَّ فيه تعظيم أيام نهينا عن تعظيمها، أما إن وافق يوماً كان يصومه فلا بأس، كما في بدائع الصنائع 2: 79، وحاشية التبيين 1: 332، ومجمع الأنهر 1: 254.
¬__________
(¬1) وهي ثلاثة أيّامٍ بعد يوم النّحر، وسمّيت بذلك؛ لأنَّ لحوم الأضاحيّ تشرق فيها: أي تقدّد في الشّمس، فإنَّه يكره تحريماً صيامها؛ فعن عائشة وابن عمر - رضي الله عنهم -، قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي» في صحيح البخاري 2: 703.
(¬2) هذا ما يعبر عنه بالصيام المكروه كراهة تحريم، وأما المكروه كراه تنزيه، فمنه:
1. صوم عاشوراء مفرداً عن التاسع أو عن الحادي عشر، فإفرادُ عشوراء سنّة مؤكّدة، وهي من أقوى سنن الصِّيام وخلاف الأولى عدم صوم التاسع معه؛ فعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم -، قال: «حين صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنَّه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» في صحيح مسلم 2: 797.
2.صوم يوم السبت وحده، فإنَّه يكره تنزيهاً؛ لأنَّه تشبه باليهود؛ فعن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا عود عنبة أو لحاء شجرة فليمضغه» في صحيح ابن خزيمة 3: 317، وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: «أكثر ما كان يصوم - صلى الله عليه وسلم - من الأيام يوم السبت والأحد، وكان يقول: إنَّهما عيدان للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم» في صحيح ابن حبان 8: 381، 407، وصحيح ابن خزيمة 3: 318، فنحن نقول بالكراهة التنزيهية، لا بالحرمة، لتعارض الأدلة، ولأن هذا الحديث تكلم الحفاظ فيه فأنكره ابن شهاب وكذبه مالك وقال أبو داود والحاكم بنسخه بحديث جويرية بنت الحارث: «أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: صمت أمس قالت: لا، قال: فتريدين أن تصومي غداً ... » في صحيح البخاري3: 42، وأول الترمذي على معنى خاص وهو التشبه باليهود، فقال في سنن الترمذي 3: 120: «ومعنى كراهته في هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام لأن اليهود تعظم يوم السبت».
3.صوم يوم عرفة للحاج إن أضعفه عن الوقوف والدعاء، فإنَّه يكره له؛ لأنَّ فضيلة صوم هذا اليوم مما يمكن استدراكها في غير هذه السنة ويستدرك عادة، فأما فضيلة الوقوف والدعاء فيه لا يستدرك في حق عامة الناس عادة إلا في العمر مرة واحدة فكان إحرازها أولى، فعن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها: «إنَّ ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه» في صحيح مسلم 2: 791.
4. صوم يوم التروية للحاج: وهو الثامن من ذي الحجة، فيكره له؛ لأنَّه يعجزه عن أداء أفعال الحج.
5.صوم الدَّهر، وإن أفطر الأيام المنهية ـ العيدين الفطر والأضحى، وأيام التشريق الثلاثة، ويوم الشكّ ـ؛ فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -، قال: «أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنت الذي تقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت، قلت: قد قلته، قال: إنَّك لا تستطيع ذلك فصم وأفطر وقم ونم وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإنَّ الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر، فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك يا رسول الله، قال: فصم يوماً وأفطر يومين، قال قلت: إني أطيق أفضل من ذلك قال: فصم يوماً وأفطر يوماً وذلك صيام داود، وهو عدل الصيام، قلت: إني أطيق أفضل منه يا رسول الله قال: لا أفضل من ذلك» في صحيح البخاري 3: 1256، ولأنَّ هذا الصيام يضعف الإنسان، ولأنَّ الصيام يصير طبعاً له، ومعنى العبادة على مخالفة العادة، وحملت الكراهة على التنزيه؛ لما روي عن أبي موسى - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد تسعين» في صحيح ابن خزيمة 3: 313، وللأحاديث الواردة في فضل الصيام.
6.صوم الوصال ولو يومين، وقد فسَّره أبو يوسف ومحمد: بصوم يومين لا فطر بينهما؛ لأنَّ الفطر بينهما يحصل بوجود زمان الفطر وهو الليل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم أكل أو لم يأكل». وقيل في تفسير الوصال: أن يصوم كل يوم من السنة دون ليلته؛ فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تواصلوا، قالوا: إنَّك تواصل، قال: لست كأحد منكم إني أطعم وأسقى» في صحيح البخاري 2: 693.
7. صوم الصمت: وهو أن يمسك عن الطعام والكلام جميعاً، ولأنَّ «النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الوصال وعن صوم الصمت» في مسند الإمام أبي حنيفة ص192، ولأنَّ الصيام عن الكلام ليس بقربة في شريعتنا، بل هو تشبه بالمجوس، وإنَّما يتجنب الكلام الذي فيه إثم.
ح. الصوم في أعياد غير المسلمين؛ لأنَّ فيه تشبه بغير المسلمين، ونحن منهين عن التشبه
بهم؛ ولأنَّ فيه تعظيم أيام نهينا عن تعظيمها، أما إن وافق يوماً كان يصومه فلا بأس، كما في بدائع الصنائع 2: 79، وحاشية التبيين 1: 332، ومجمع الأنهر 1: 254.