شرح مجمع البحرين وملتقى النيرين - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
كتاب العارية
تمليك المنافع ولا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك عينها اقتضى ذلك تمليك العين وذلك بوجهين (الهبة) والقرض إلَّا أنَّ القرضَ أدناهما فيثبت أو نقول من قضية الإعارة الانتفاع بالمنفعة ورد العين، فأقيم هاهنا المثل مقام، العين وهذا فيما إذا أطلق العارية، فإن قيد إعارة الدراهم بنوع مثل أن يزِّينَ (بها) موضعا أو يعير بها ميزانا تقيد بما قيده به وصار كما إذا أستعار آنيةً للتجمل أو سيفًا محلى يتقلد به.
قال: (ويجعلها أمانة).
العارية أمانة إذا هلكت من غير تعدٍ لم يضمن المستعير.
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يضمن لأنه قابض مال غيره قبضًا غير مستحق فيضمن، والإذن بالقبض ثابت ضرورةً ثبوت الإذن في الانتفاع، وما يثبت بالضرورة لا يتعدى محلَّ الضرورةِ فيثبت موجبه في المقبوض من حيث إطلاق الانتفاع منه خاصةً، ويبقى الإذن فيما يرجع إلى العين عدما، وهذا لأنَّ عقد الإعارة وارد على المنفعة لا العين، فكان الإذن في حق قبض العين ضروريًا للتمكن من الانتفاع به فلا يظهر فيما وراء إطلاق الانتفاع وصار كالمقبوض على سوم الشراء.
ولنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ليس على المستعير غير المغل ضمان " أي: غير المتعدِّي عما أطلق له ولأن الضمان هاهنا إما بالعقد أو بالتعدي، والعقد لا ينبئ عن الضمان؛ لأنه موضوع للتبرع بالمنافع ملكًا أو إباحة، والقبضُ لم يقع تعديا؛ لأنه مأذون فيه من قبل المالك؛ لأنه لا يمكنه الانتفاعُ إلَّا بعد القبض فيكون الإذن بالانتفاع إذنا بما يتوقف عليه بالضرورة، فلا يكون فيه متعديًا مع أنه مأذون فيه قصدًا، وضرورة الإذن الانتفاع الذي لا يمكن إلا به ولم يتجاوز ما حد له فلا يكون متعديًا بخلاف المقبوض على سوم الشراء؛ لأنه مضمون بالعقد لأن الأخذ في العقد له حكم العقد.
قال: (وتصحُ بأعرتك، ومنحتك هذه (الدابة)، (وحملتك عليها إذا لم يُرد بهما، هبةً، وأخدمتك هذا العبد، وداري لك سكنى أو وسكنى عمري وأما أعرتك فحقيقة في الباب).
وأمَّا منحتك هذا الثوبَ وحملتك على هذه الدابة إذا لم يرد بهما الهبة؛ لأن اللفظ موضوع لهبة العين، فإذا لم يرد بهما ما وضع اللفظ له حمل على هبة المنافع مجازًا، وأما أخدمتك هذا العبد فلأنه إذن صريح في الأستخدام وهو معنى الإعارة، وأما داري لك سكنى فمعناه: أي سكنى داري لك، وكذلك قوله: سكنى عمري أي: سكناها لك عمرك.
قال: (ونجيز للمستعير أن يعير ما لا يختلفُ بالاستعمال).
قال: (ويجعلها أمانة).
العارية أمانة إذا هلكت من غير تعدٍ لم يضمن المستعير.
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يضمن لأنه قابض مال غيره قبضًا غير مستحق فيضمن، والإذن بالقبض ثابت ضرورةً ثبوت الإذن في الانتفاع، وما يثبت بالضرورة لا يتعدى محلَّ الضرورةِ فيثبت موجبه في المقبوض من حيث إطلاق الانتفاع منه خاصةً، ويبقى الإذن فيما يرجع إلى العين عدما، وهذا لأنَّ عقد الإعارة وارد على المنفعة لا العين، فكان الإذن في حق قبض العين ضروريًا للتمكن من الانتفاع به فلا يظهر فيما وراء إطلاق الانتفاع وصار كالمقبوض على سوم الشراء.
ولنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ليس على المستعير غير المغل ضمان " أي: غير المتعدِّي عما أطلق له ولأن الضمان هاهنا إما بالعقد أو بالتعدي، والعقد لا ينبئ عن الضمان؛ لأنه موضوع للتبرع بالمنافع ملكًا أو إباحة، والقبضُ لم يقع تعديا؛ لأنه مأذون فيه من قبل المالك؛ لأنه لا يمكنه الانتفاعُ إلَّا بعد القبض فيكون الإذن بالانتفاع إذنا بما يتوقف عليه بالضرورة، فلا يكون فيه متعديًا مع أنه مأذون فيه قصدًا، وضرورة الإذن الانتفاع الذي لا يمكن إلا به ولم يتجاوز ما حد له فلا يكون متعديًا بخلاف المقبوض على سوم الشراء؛ لأنه مضمون بالعقد لأن الأخذ في العقد له حكم العقد.
قال: (وتصحُ بأعرتك، ومنحتك هذه (الدابة)، (وحملتك عليها إذا لم يُرد بهما، هبةً، وأخدمتك هذا العبد، وداري لك سكنى أو وسكنى عمري وأما أعرتك فحقيقة في الباب).
وأمَّا منحتك هذا الثوبَ وحملتك على هذه الدابة إذا لم يرد بهما الهبة؛ لأن اللفظ موضوع لهبة العين، فإذا لم يرد بهما ما وضع اللفظ له حمل على هبة المنافع مجازًا، وأما أخدمتك هذا العبد فلأنه إذن صريح في الأستخدام وهو معنى الإعارة، وأما داري لك سكنى فمعناه: أي سكنى داري لك، وكذلك قوله: سكنى عمري أي: سكناها لك عمرك.
قال: (ونجيز للمستعير أن يعير ما لا يختلفُ بالاستعمال).