أيقونة إسلامية

تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار

صلاح أبو الحاج
تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار - صلاح أبو الحاج

كتاب الصُّلح

لو ادَّعى حَقّاً في دارٍ لرجلٍ ولم يُسمه، وادَّعى المُدَّعى عليه حَقّاً في أرضِه، فاصطلحا على أن يدفعَ أحدُهما مالاً إلى الآخر لا يجوز، وإن اصطلحا على أن يَتركَ كلُّ واحدٍ منهما دَعواه جاز؛ لأنّه لا يحتاج إلى التَّسليم (¬1)، وفي الأَوَّل يَحتاج إليه.
ولو ادَّعى داراً، فصالحَه على قَدَرٍ مَعْلومٍ منها جاز، ويَصير كأنّه أَخَذَ بعضَ حقِّه وأبرأه عن دعوى الباقي، والبراءةُ عن العَين وإن لم تَصِحّ لكن البَراءة عن الدَّعوى تَصِحُّ، فصحَّحناه على هذا الوجه قَطْعاً للمُنازعة.
قال: (ويجوز) الصُّلح (عن جِناية العَمْد والخَطأ) في النَّفس وما دونها؛ لإطلاق النُّصوص، ولقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178]، نَزَلَت عَقِيب ذكر القِصاص، ومعناه: فمَن عُفِي له من دم أَخيه شيءٌ: أي تُرك القِصاص ورضي بالمال، يدلُّ عليه قوله تعالى: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178]: أي يتبع الطَّالبُ المَطلوبَ بما صالحه عليه أو بالدِّية، ولا يَطْلُبُ أكثرَ من حَقِّه، ويُؤدِّي المُطلوبُ إلى الطالبِ ما وَجَبَ عليه من المال من غير مماطلةٍ، مَرْويٌّ ذلك عن ابنِ عَبَّاس - رضي الله عنهم - (¬2) وغيره، وهذا في العَمْد.
¬__________
(¬1) لو ادعى حقاً في دار إنسان ولم يُسمه وادَّعى المدعى عليه حقّاً في أرضه فاصطلحا على أن يدفع أحدهما مالاً إلى الآخر ليترك دعواه لا يجوز، وإن اصطلحا على أن يترك كل واحد منهما جاز، كما في مجمع الضمانات1: 388.
(¬2) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «كان في بني إسرائيل القِصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله
تعالى لهذه الأمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178]، فالعفو أن يقبل الدية في العمد، {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 178] مما كتب على من كان قبلكم، {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم} [البقرة: 178]، قتل بعد قبول الدية» في صحيح البخاري6: 23.
المجلد
العرض
45%
تسللي / 2817