تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار - صلاح أبو الحاج
كتاب النكاح
ولو زَوَّجَها وَلِيُّها فَبَلَغَها فرَدَّتْ، ثمّ قال لها: إنّ جماعةً يَخْطِبونَك، فقالت: أنا راضيةٌ بما تَفْعَلُ، فَزَوَّجَها الأَوَّل لا يجوز؛ لأنَّ قولَها أنا راضيةٌ بما تَفْعَلُ يَنْصَرِفُ إلى غيرِه دلالةً.
ومثلُه لو قال لرَجُلٍ: كَرِهْتُ صُحْبةَ فلانةٍ فطَلَّقْتُها، فزَوِّجني امرأةً، فزَوَّجَه تلك المرأةَ لا يجوز.
وكذلك لو باعَ عبدَه ثمّ أَمَرَ إنساناً أن يشتري له عَبْداً، فاشترى ذلك العَبْد لا يجوز.
قال: (ويجوزُ للوَليِّ (¬1) إنكاحُ الصَّغيرِ والصَّغيرةِ ...................
¬__________
(¬1) الولاية نوعان:
الأولى: ولاية إجبار: وهي الوَلاية على الصَّغير والصَّغيرة والمجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة، فإنَّ زواجَهم لا يصحّ بلا ولي، وأقسام الأولياء في ولاية الإجبار:
1.الأصل وإن علا، والفرع وإن نزل إن كان مذكراً عاصباً؛ كالأب والجد والابن وابن الابن:
فإن كان كلٌّ منهم غير معروف قبل العقد بسوء الاختيار مَجانةً وفسقاً، فيصحّ زواجه وينفذ ويلزم؛ بأن لا يثبت خيار فسخ هذا العقد عند البلوغ في حالة الصِّغر، والإفاقة في حالة الجنون والعته، حتى في حالة عدم الكفاءة ونقصان مهر المثل؛ لأنَّ الأصل والفرع العصبيين يَجِدّان جدّاً بليغاً وينظران نظراً صائباً بما عندهما من وفور الشَّفقة في اختيار الأهم وتقديمه على المهم، لاسيما وهما لم يعرفا بسوء الاختيار، بل بحسن النَّظر في العواقب لخوفه من اللوم في المستقبل، فهذا كله يدلّ على أنَّهما لو زوَّجَا لغير كفء أو أقلّ من مهر المثل لا يكون إلا لترجيح المصالح الأخرى: كحسن الخلق ولطافة العشرة وكرم الصحبة وتوسيع النَّفقة على الكفاءة والمهر.
وإن كان يُعرفُ بسوء الاختيار، سواء كان آتياً من جهة المجانة أو الفسق، فيصحّ وينفذ ويلزم إن كان الزَّوج كفؤاً والمهر مهر المثل؛ لأنَّ المصلحةَ ظاهرةٌ، بخلاف ما إذا كان الزَّوج غير كفء، أو كفؤاً والمهر أقلَّ من مهر المثل، فإنَّه لا يصح؛ لأنَّه لم يعرف بحسن الاختيار.
2.غيرُ الأصل والفرع المذكّر العاصب: كالأم والأخ والقاضي فيصحّ وينفذ غير لازم إن كان الزَّوج كفؤاً والمهر مهر المثل؛ لأنَّ العقد صدر ممَّن هو قاصر الشَّفقة؛ لأنَّ أصل الشَّفقة موجود، لكنَّها قاصرة عند المقابلة بشفقة الأب والجد، فيتطرّق الخلل إلى المقاصد، فيثبت لهما الخيار، فلوجود أصل الشَّفقة نفذناه في الحال، ولقصورها أثبتنا لهما الخيار في المآل؛ ليزال الضرر لو كان فيه ضرر، ويضاف اختيارهما إلى نفسهما، إذ الشَّخص ينظر في شؤون نفسه أكثر من غيره، فيبرأ الأولياء عن عهدة اليتامى.
الثاني: ولاية ندب «استحباب»: وهي الولاية على البالغ العاقل الحرّ، ولو كان سفيهاً، ولها حالتان:
1.إن كان مذكّراً يصحّ تزوجه وينفذ لازماً بلا وليّ، ولا حقّ لأحدٍ من الأقارب في الاعتراض عليه، ولو كانت الزَّوجة أقلّ منه شرفاً، ودفع لها أكثر من مهر مثلها؛ لأنَّ العارَ لا يلحقُهم بهذا العمل.
2.إن كانت مؤنَّثاً، فينعقد النِّكاح بعبارتها؛ لأنَّها تصرَّفت فيما يصير حقّها، وهي من أهله؛ لكونها عاقلةً بالغةً، ويصح تزوُّجها ونفاذه لازماً إذا لم يكن لها ولي عاصب؛ لأنَّه لا يلحقه عار بنقصان المهر وبعدم الكفاءة مثل ما يلحق العاصب.
وإن كان لها وليٌّ عاصبٌ يصحّ تزويجها وينفذ لازماً بشرطين:
ـ أن يكون الزَّوج كفؤاً؛ إذ للولي حقّ الاعتراض إن لم يكن كفؤاً، فلا يصحّ الزَّواج أصلاً على المفتى به، وإن رضي بعده؛ لأنَّ العقد وقع باطلاً، والباطل لا تلحقُه الإجازة، وإنَّما تلحق الصَّحيح الموقوف. أما إن رضي قبل العقد بتزويجها بغير الكفء صحّ؛ لأنَّ الكفاءة حقهما وقد أسقط كلٌّ منهما حقّه فيسقط.
وحقّ الولي بالاعتراض مقيّد بما لم يسكت حتى تلد من زوجها؛ لئلا يضيع الولد بالتَّفريق بين أبويه، فإنَّ بقاءهما مجتمعين على تربيته أحفظ له بلا شبهة، ويلحق بها الحبل الظاهر.
ـ أن يكون المهر مهر المثل؛ إذ له الاعتراض على الزوج إن كان أقلّ من مهر المثل قائلاً له: إمّا أن تتم لها مهر المثل، وإمّا أن أرفع الأمر إلى القاضي؛ ليفسخ العقد، فإن تمَّمَ الزَّوج المهرَ فبها وإلا فللوليّ العصبة الأمر الثّاني، وهو رفع الأمر إلى القاضي؛ ليفسخ العقد؛ لأنَّ الأولياء يفتخرون بغلاء المهور، ويعيَّرون بنقصها، فأشبه الكفاءة، أما إن رضي الولي العاصب بأقل من مهر المثل فينفذ لازماً؛ لأنَّ المهرَ في الابتداء حقّ الوليّ والمرأة، وقد أسقط كلٌّ منهما حقَّه فلا اعتراض عليه، وهذا الحقّ في الاعتراض للأولياء مراعى وقت الثبوت فقط فلا حقّ لهما حالة البقاء، كما في الدر المختار 2: 297، ورد المحتار 2: 297، وشرح الوقاية ص290،
ومثلُه لو قال لرَجُلٍ: كَرِهْتُ صُحْبةَ فلانةٍ فطَلَّقْتُها، فزَوِّجني امرأةً، فزَوَّجَه تلك المرأةَ لا يجوز.
وكذلك لو باعَ عبدَه ثمّ أَمَرَ إنساناً أن يشتري له عَبْداً، فاشترى ذلك العَبْد لا يجوز.
قال: (ويجوزُ للوَليِّ (¬1) إنكاحُ الصَّغيرِ والصَّغيرةِ ...................
¬__________
(¬1) الولاية نوعان:
الأولى: ولاية إجبار: وهي الوَلاية على الصَّغير والصَّغيرة والمجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة، فإنَّ زواجَهم لا يصحّ بلا ولي، وأقسام الأولياء في ولاية الإجبار:
1.الأصل وإن علا، والفرع وإن نزل إن كان مذكراً عاصباً؛ كالأب والجد والابن وابن الابن:
فإن كان كلٌّ منهم غير معروف قبل العقد بسوء الاختيار مَجانةً وفسقاً، فيصحّ زواجه وينفذ ويلزم؛ بأن لا يثبت خيار فسخ هذا العقد عند البلوغ في حالة الصِّغر، والإفاقة في حالة الجنون والعته، حتى في حالة عدم الكفاءة ونقصان مهر المثل؛ لأنَّ الأصل والفرع العصبيين يَجِدّان جدّاً بليغاً وينظران نظراً صائباً بما عندهما من وفور الشَّفقة في اختيار الأهم وتقديمه على المهم، لاسيما وهما لم يعرفا بسوء الاختيار، بل بحسن النَّظر في العواقب لخوفه من اللوم في المستقبل، فهذا كله يدلّ على أنَّهما لو زوَّجَا لغير كفء أو أقلّ من مهر المثل لا يكون إلا لترجيح المصالح الأخرى: كحسن الخلق ولطافة العشرة وكرم الصحبة وتوسيع النَّفقة على الكفاءة والمهر.
وإن كان يُعرفُ بسوء الاختيار، سواء كان آتياً من جهة المجانة أو الفسق، فيصحّ وينفذ ويلزم إن كان الزَّوج كفؤاً والمهر مهر المثل؛ لأنَّ المصلحةَ ظاهرةٌ، بخلاف ما إذا كان الزَّوج غير كفء، أو كفؤاً والمهر أقلَّ من مهر المثل، فإنَّه لا يصح؛ لأنَّه لم يعرف بحسن الاختيار.
2.غيرُ الأصل والفرع المذكّر العاصب: كالأم والأخ والقاضي فيصحّ وينفذ غير لازم إن كان الزَّوج كفؤاً والمهر مهر المثل؛ لأنَّ العقد صدر ممَّن هو قاصر الشَّفقة؛ لأنَّ أصل الشَّفقة موجود، لكنَّها قاصرة عند المقابلة بشفقة الأب والجد، فيتطرّق الخلل إلى المقاصد، فيثبت لهما الخيار، فلوجود أصل الشَّفقة نفذناه في الحال، ولقصورها أثبتنا لهما الخيار في المآل؛ ليزال الضرر لو كان فيه ضرر، ويضاف اختيارهما إلى نفسهما، إذ الشَّخص ينظر في شؤون نفسه أكثر من غيره، فيبرأ الأولياء عن عهدة اليتامى.
الثاني: ولاية ندب «استحباب»: وهي الولاية على البالغ العاقل الحرّ، ولو كان سفيهاً، ولها حالتان:
1.إن كان مذكّراً يصحّ تزوجه وينفذ لازماً بلا وليّ، ولا حقّ لأحدٍ من الأقارب في الاعتراض عليه، ولو كانت الزَّوجة أقلّ منه شرفاً، ودفع لها أكثر من مهر مثلها؛ لأنَّ العارَ لا يلحقُهم بهذا العمل.
2.إن كانت مؤنَّثاً، فينعقد النِّكاح بعبارتها؛ لأنَّها تصرَّفت فيما يصير حقّها، وهي من أهله؛ لكونها عاقلةً بالغةً، ويصح تزوُّجها ونفاذه لازماً إذا لم يكن لها ولي عاصب؛ لأنَّه لا يلحقه عار بنقصان المهر وبعدم الكفاءة مثل ما يلحق العاصب.
وإن كان لها وليٌّ عاصبٌ يصحّ تزويجها وينفذ لازماً بشرطين:
ـ أن يكون الزَّوج كفؤاً؛ إذ للولي حقّ الاعتراض إن لم يكن كفؤاً، فلا يصحّ الزَّواج أصلاً على المفتى به، وإن رضي بعده؛ لأنَّ العقد وقع باطلاً، والباطل لا تلحقُه الإجازة، وإنَّما تلحق الصَّحيح الموقوف. أما إن رضي قبل العقد بتزويجها بغير الكفء صحّ؛ لأنَّ الكفاءة حقهما وقد أسقط كلٌّ منهما حقّه فيسقط.
وحقّ الولي بالاعتراض مقيّد بما لم يسكت حتى تلد من زوجها؛ لئلا يضيع الولد بالتَّفريق بين أبويه، فإنَّ بقاءهما مجتمعين على تربيته أحفظ له بلا شبهة، ويلحق بها الحبل الظاهر.
ـ أن يكون المهر مهر المثل؛ إذ له الاعتراض على الزوج إن كان أقلّ من مهر المثل قائلاً له: إمّا أن تتم لها مهر المثل، وإمّا أن أرفع الأمر إلى القاضي؛ ليفسخ العقد، فإن تمَّمَ الزَّوج المهرَ فبها وإلا فللوليّ العصبة الأمر الثّاني، وهو رفع الأمر إلى القاضي؛ ليفسخ العقد؛ لأنَّ الأولياء يفتخرون بغلاء المهور، ويعيَّرون بنقصها، فأشبه الكفاءة، أما إن رضي الولي العاصب بأقل من مهر المثل فينفذ لازماً؛ لأنَّ المهرَ في الابتداء حقّ الوليّ والمرأة، وقد أسقط كلٌّ منهما حقَّه فلا اعتراض عليه، وهذا الحقّ في الاعتراض للأولياء مراعى وقت الثبوت فقط فلا حقّ لهما حالة البقاء، كما في الدر المختار 2: 297، ورد المحتار 2: 297، وشرح الوقاية ص290،