أيقونة إسلامية

تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار

صلاح أبو الحاج
تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار - صلاح أبو الحاج

كتابُ الأيمان

قال: (استحلفَ الوالي رجلاً لِيُعْلِمَنَّهُ بكلِّ مُفْسدٍ، فهو على حالِ ولايتِهِ خاصّة)؛ لأنّ المقصودَ من ذلك رَفْعُ الفَساد ودَفْع الشّرِّ بالمَنْع والزَّجر، وذلك في حالةِ سلطنتِهِ وولايتِهِ فيَتَقَيَّدُ بها، وزَوالها بالموتِ والعَزْل.
(حَلَفَ لَيَهَبَنَّهُ ففعل ولم يَقبل بَرَّ.
وكذلك القرضُ والعاريةُ والصَّدقةُ)، وقد مَرَّ الوجه فيه.



فصل
النَّذرُ (¬1) قُرْبةٌ مَشروعةٌ.
¬__________
(¬1) لغةً: النُّذُور جمع النذر، وجذره النون والذال والراء، كلمة تدل على تخويف أو تخوَّف، ونَذَرَ على نفسه، ويَنْذِرُ ويَنْذُرُ نَذْراً: أوجبه: أي توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر، يقال: نذرت لله أمراً، قال - جل جلاله -: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} مريم: 26، كما في الكليات للكفوي ص912، والقاموس 2: 145، ومفردات القرآن ص508.
واصطلاحاً: ما يوجبه المكلَّف بقوله على نفسه من قُربات مقصودة.
حكم النذر:
وهو يختلف بحسب نوع النذر، وهو قسمان معلّقٌ ومنجزٌ، وتفصيله كالتالي:
1.النَّذرُ المعلّق؛ كإن شفى اللهُ مريضي فلله عليَّ كذا، وهو مكروهٌ تحريماً، وعليه يحمل النَّهي في الأحاديث: فعن ابن عمر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «النذر لا يُقدِّم شيئاً ولا يؤخره، وإنَّما يستخرج به من البخيل» في صحيح مسلم 3: 1261، وصحيح البخاري 6: 2437.
ووجه النهي: أنَّه لم يخلص من شائبة العوض، حيث جعل القربةَ في مقابلةِ الشِّفاء، ولم تسمح نفسُه بها بدون المعلّق عليه، مع ما فيه من إيهام اعتقاد التأثير للنذر في حصول الشفاء؛ فلذا قال في الحديث: «إنَّه لا يرد شيئاً ... »، فإنَّ هذا الكلام قد وقع موقع التعليل للنهي.
2.النَّذر المنجز؛ كإن قال: لله عليَّ أن أُصلي ركعتين، فهو مستحبٌّ؛ لأنَّه غير المعلّق على شيء أصلاً، فإنَّه تبرّع محض بالقُربة لله - جل جلاله -، وإلزام للنَّفس بما عساها لا تفعله بدونه، فيكون قُربة، فلا وجه لجعله داخلاً تحت النهي، كما صرّح ابن عابدين، فقال: ((على أنَّ بعض شراح البخاري حمل النهي في الحديث على مَن يعتقد أنَّ النذر مؤثّر في تحصيل غرضه المعلّق عليه، والظَّاهر أنَّه أعم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وإنَّما يستخرج به من البخيل»))، كما في رد المحتار 2: 21، ومنحة الخالق2: 62.
وشروط النذر:
1.العقل؛ فلا يصح نذر المجنون.
2.البلوغ؛ فلا يصح نذر الصبي الذي لا يعقل؛ لأنَّ حكم النذر هو وجوب المنذور به, والصغير والمجنون ليسا من أهل الوجوب.
3. الإسلام؛ فلا يصحّ نذر الكافر حتى لو نذر ثُمَّ أسلم لا يلزمه الوفاء به؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما النذر ما ابتُغِي به وجه الله» في شرح معاني الآثار 3: 133، وسنن الدارقطني 4: 162، والمعجم الأوسط 2: 109، ومسند أحمد 2: 211، وتاريخ بغداد 6: 48، فكون المنذور به قُربة شرط صحة النذر، وفعل الكافر لا يوصف بكونه قُربة.
وليس من شروط النذر: عدم الإكراه، فينعقد في الجِدِّ والهزل.
4.أن يكون متصوَّر الوجود في نفسه شرعاً؛ فلا يصحّ النذر بما لا يتصوّر وجوده شرعاً، كمن قال: لله عليَّ أن أصوم ليلاً، أو نهاراً أَكَلَ فيه, وكالمرأة إذا قالت: لله عليَّ أن أصوم أيام حيضي; لأنَّ الليل ليس محلّ الصوم, والأكل مناف للصوم حقيقة، والحيض مناف له شرعاً; إذ الطهارة عن الحيض والنفاس شرط وجود الصوم الشرعي.
5.أن يكون قُربة؛ فلا يصحّ النذر بما ليس بقربة رأساً، فلا يصح النذر بالمباحات من الأكل والشرب واللباس والجماع والطلاق ونحو ذلك؛ لعدم وصف القُربة، لاستوائهما فعلاً وتركاً؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنه -، قال: «بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: مُره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه» في صحيح البخاري 6: 2465.
6.أن يكون قُربةً مقصودةً ومن جنسها واجب, فلا يصحُّ النذر بعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، والوضوء لكل صلاة، والاغتسال، ودخول المسجد، ومسّ المصحف، والأذان، وبناء الرباطات والمساجد، وسجدة التلاوة، وغير ذلك وإن كانت قُرباً; لأنَّها ليست بقُرَب مقصودة، والناذر لا يجعل ما ليس بعبادة عبادة، وإنَّما يجعل العبادة المشروعة نفلاً واجبةً بنذره.
ويصحّ النذر بالصلاة، والصوم، والحج، والعمرة، والإحرام، والعتق، والبدنة، والهدي، والاعتكاف، ونحو ذلك؛ لأنَّها قُرب مقصودة، ولأنَّ النذر إيجاب العبد، فيعتبر بإيجاب الله - جل جلاله -.
ووضع الفقهاء قاعدة فيما يصح النذر به، وهي: ما له أصل في الفروض يصح النذر به، وما لا أصل له في الفروض لا يصح النذر به.
ومثال ما له أصل في الفروض: الصلاة والصوم وغيرهما، وكذا الاعتكاف له أصل أيضاً في الفروض، وهو الوقوف بعرفة.
ومثال ما لا أصل له في الفروض: عيادة المرضى، وتشييع الجنازة، ودخول المسجد، ونحوها، كما في بدائع الصنائع 5: 82 83، وينظر: المبسوط 3: 128، والبحر الرائق 2: 62.
7. أن يكون المنذورُ به إن كان مالاً مملوكاً للنّاذر وقت النذر، أو كان النذر مضافاً إلى الملك، أو إلى سبب الملك، حتى لو نذر بهدي ما لا يملكه، أو بصدقةٍ ما لا يملكه للحال، لا يصحّ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس على العبد نذر فيما لا يملك» في سنن الترمذي 4: 105، وقال: حديث حسن صحيح.
ومثال ما لا يملك الناذر: لله علي أن أتصدق بسيارة صديقي، فلا يصح؛ لأنه لا يملك.
ومثال ما أضاف إلى الملك، كإن قال: كل مال أملكه فيما أستقبل فهو هدي، أو قال: فهو صدقة.
ومثال ما أضافه إلى سبب الملك، كإن قال: كلُّ ما اشتريته أو أرثه فهو هدي, أو قال: فهو صدقة.
8.أن لا يكون مفروضاً ولا واجباً؛ فلا يصحّ النذر بشيء من الفرائض، سواء كان فرض عين: كالصلوات الخمس، وصوم رمضان, أو فرض كفاية: كالجهاد، وصلاة الجنازة, ولا بشيء من الواجبات، سواء كان عيناً: كالوتر، وصدقة الفطر والعمرة، والأضحية, أو على سبيل الكفاية: كتجهيز الموتى، وغسلهم، ورد السلام، ونحو ذلك; لأنَّ إيجاب الواجب لا يتصور، كما في بدائع الصنائع 5: 90.
المجلد
العرض
73%
تسللي / 2817