أيقونة إسلامية

تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار

صلاح أبو الحاج
تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار - صلاح أبو الحاج

كتاب الحدود

يؤدِّي إلى انخرامِه، وفيه من الفَساد ما لا يَخْفى، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179].
ومن كلام حُكماء العَرب: القَتْلُ أَنْفَى للقَتْل (¬1).
¬__________
(¬1) هذا الحدود تمثل نزراً يسيراً من العقوبات، فهي لا تزيد عن أصابع الكف الواحدة، ولكنها تُعالج القضايا التي تمسُّ أمن المجتمع وتحفظُه من الانحراف والزَّيغ؛ لذلك كانت محقِّقةً للمصلحة العامّة، ففي وجود تشريع للحدود في الدولة حفظ للدولة والمجتمع والفرد، على النحو الآتي:
1.حدّ الردّة يحفظ للدَّولة والمجتمع دينه، ومعلوم أن الدين أكبر دعائم تثبيت نظام الدولة، وأقوم الوسائل لحفظ المجتمع من الانحراف، فلا شكّ أنه يعتبر من قضايا أمن الدولة والمجتمع؛ لأنه يمثل أمناً للأمة قاطبة وليس لدولة بعينها، فيستحقّ مَن يُهدد الدولة وأمنها والقتل على سلوكه المنحرف؛ لذلك شرع حد الردة؛ ليحفظ دين المجتمع من العبث واللعب من ترك المسلم لدينه وتغييره، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن بدّل دينه فاقتلوه» في صحيح البخاري 6: 2537.
2.حدّ السَّرقة يحفظ للفرد ماله، من عبث واعتداء الآخرين، فلا يتجرّأ أحدٌ في التَّعدِّي على مال غيره؛ لأنه يعلم بوجودِ عقوبةٍ رادعةٍ لهذا الفعل الشنيع، وحفظ مال كلّ مواطن من السلب، يحقق مصلحة عامة في تحقيق الأمن على أموال الناس.
وهذا التَّعدِّي على أموال النَّاس له صورتان:
أ. السَّرقة الصُّغرى، وتكون في داخل المصر، وعقوبته بقطع اليد اليمنى في المرة الأولى، فإن سرق مرةً ثانيةً قُطعت رجلُه اليسرى.
ب. السَّرقة الكبرى، وتكون بقطع الطَّريق وأخذ المال خارج المصر والقتل أحياناً، فإن كان اقتصر فعله على التخويف ولم يأخذ مالاً ولم يقتل يسجن إلى أن يتوب، وإن أخذ المال قطعت يده اليُمنى ورجلُه اليسرى من خلاف، وإن أخذ المال وقتل كان القاضي بالخيار بين قتله فقط أو إضافة عقوبة أخرى لها من قطع بخلاف أو صلب.
3.حَدّ الزِّنا يحفظ نسل المجتمع، بحيث يضمن طريقة سوية سليمة لتعايش الذكر والأنثى في المجتمع واستمرار الجنس البشري بلا ظلم.
4.حد السكر يحفظ عقل الإنسان، فيحمل الفرد مسؤولياته ويقوم بواجباته، ويعيش حياته سوياً.
5.حدّ القذف يحفظ عرض المسلمين، فيمنع من نشر الفاحشة في المجتمع.
وهذه الحدود تشريعها أهم من تطبيقها؛ لأنّ المقصودَ منها التَّخويف لا التَّطبيق، فلا يحرص الإسلام كلّ الحرص على التطبيق فعلياً، ويرغب في عدم إقامتها كثيراً، ومما يدل على ذلك:
1. أنّ مبنى الحدود على الدرء لا الفعل، فالقاعدة التي تحكمها جميعاً: «ادرءوا الحدود بالشُّبهات»، وهي واردة بعدة ألفاظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:: «ادرؤوا الحدود بالشُّبهات» في جامع مسانيد أبي حنيفة 2: 182.
2. أنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يسقط هذه الحدود بالشبهات، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لماعز - رضي الله عنه - بعد إقراره مرَّات: «أبك جنون، قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم» في صحيح البخاري 6: 2499، وصحيح مسلم 3: 1318.
3. أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُرغب مرتكب الحدّ بالتَّوبة بدلاً عن إقامة الحد، «قال بريدة: كنا نتحدث بيننا ـ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ ماعز بن مالك لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات ـ أي بالزنا ـ لم يطلبه» في شرح معاني الآثار 3: 143.
4.اشتراط شروط عديدة في الحدِّ حتى يُقام، فمثلاً يُشترط لشهادة الزِّنا لفظ الشهادة واتحاد مجلس الشُّهود، واشترط في إقرار الزنا أربعة مجالس، فعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: «أتى ماعز ابن مالك النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فاعترفَ وأنا عنده مرّة فردّه، ثمّ جاءَ فاعترفَ عنده الثانية فردّه، ثمّ جاءَ فاعترفَ عنده الثالثة فردّه، قال: فقلت له: إن اعترفتَ الرابعةَ رجمك» في مسند أحمد 1: 8، وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره، ومسند الحارث 2: 563.
5.اشتراط القرآن أربعة شهود في إقامة حَدِّ الزِّنا، قال - عز وجل -: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء} [النور:4] يدلّ على عدم رغبةِ الشَّارع الحكيم بإقامة الحدّ؛ لأنّ رؤية فعل الزّنا بتمامه من أربع شهود يكاد أن يكون مستحيلاً، فلما اشترطه عرفنا أن الشارع لم يرغب بإقامة الحكم، وإنّما أراد التَّخويف والتَّرهيب.
6.استحباب تلقين المقرّ بالحدّ أن يرجع عن إقراره، حتى لو رجع بعد إقراره لا نطلبه لإقامة الحدّ عليه، ولو رجع أثناء إقامة الحدّ تُرك، فعن يزيد بن نعيم عن أبيه - رضي الله عنه - قال: «جاء ماعز بن مالك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إنّي زنيت فأقم عليّ كتاب الله - عز وجل - فأعرض عنه، ثم قال له: إنّي زنيت فأقم في كتاب الله - عز وجل - حتى جاء أربع مرات، فقال: اذهبوا به فارجموه، فلما مسته الحجارة جزع فاشتدّ فخرج عبد الله من باديته فرماه بوظيف حمار فصرعه، فرماه الناس حتى قتلوه فذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: هلا تركتموه لعلّه يتوب فيتوب الله عليه» في سنن النسائي الكبرى 4: 291، وسنن أبي داود 2: 550.
ويُمكن الإتيانُ باستدلالات كثيرة على عدم رغبة الشَّارع في إقامة الحدود، لكن لا بُدّ من وجودها كتشريع لترهيب النَّاس من هذه الأفعال المنكرة، وكتب الفقه شاهدة على ذلك بطريقةٍ واضحةٍ، فمسائلُ كتب الحدود في كيف ندرأ الحدّ وليست في كيف نقيمه؛ ولذلك يستغرب القارئ لها في ذكرها شبهات ووجوه عديدة يسقط بها الحد.
وإنّما أطلت الكلام ههنا؛ لأنّ أهلَ زماننا يرددون أنّ الشَّريعة لو طُبقت لقطعت الأيدي وقُتل النَّاس ورجموا، فكأننا نقضي على المجتمع، ونَجعلهم أصحاب عاهات مستمرة، فلو تفطنوا لما ذُكِر هنا لما قالوا ما قالوا، وتمامه في السياسة الشرعية ص 187، وما قبلها.
المجلد
العرض
73%
تسللي / 2817