اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار

صلاح أبو الحاج
تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار - صلاح أبو الحاج

كتاب الحدود

والأصلُ أن يُعزِّره بما يَنْزَجرُ به في أَكبرِ رأَيه لاختلاف طِباع النَّاس في ذلك (¬1)، وإن رأى الإمامُ أن يَضُمَّ الحَبْسَ إلى التَّعزير فَعَلَ؛ لأنّه يصلحُ زاجراً
¬__________
(¬1) إن باب التعزير واسع جداً، ولا يُمكن حصر عقوباته، والأولى تفويض هذا للدولة بما يحقق العدل ويوصل الحقوق ويرفع الظلم ويكفي في الزجر والردع عن الفساد، ونذكر ههنا أبرز ما يُعزَّر به عادةً على النحو الآتي:
1.التَّعزير بالضرب: فجاز التَّعزير بالضَّرب محلُّ اتفاق كما عليه عامّة متون المذهب، ولكنه محدّدٌ بأن لا يزيد عن الحدود المقدَّرة في الشَّريعة، وهذا المنع من الزِّيادة في غير الحدّ مبلغ الحدّ إنّما هو خاصٌّ بالضَّرب، وإلا فيجوز للقاضي أن يُضيف له عقوبةً أُخرى من حبس وغيره إن رأى أنّ عقوبةَ الضَّرب لا تكفي في الزَّجر، وهذا يُظهر اعتدال الشَّريعة، فلم تمنع من الضَّرب مطلقاً، ولم تبح مطلقاً، وإنّما أجازته بقدر محدود في الحدود لا يزيد عن مائة، وفي السياسة بما لا يزيد عن ما في الحدود، فعن الجعد بن ذكوان قال: «شهدت شريحاً - رضي الله عنه - ضربَ شاهد الزُّور خفقات ونزع عمامته عن رأسه» في مصنف ابن أبي شيبة4: 550.
2.التعزير بالكلام:
إن أصحاب الهيئات من الأشراف والفضلاء ممكن أن يقتصر في التعزير مع أحدهم على مخالفة قام بها بالكلام؛ لأن له تأثيراً كبيراً على نفوسهم، وهو رادع لهم عن تكرار الخطأ مرة آخرى، كما سبق عن «الفتاوى الظهيرية»: «وقد يكون بالكلام العنيف»، كما في العناية5: 345.
3. التعزير بالقتل:
إذا كان الجرم الذي قام به المجرم كبيراً تكون عقوبته هي القتل سياسةً، فكلّ مَن يثبت أنه يسعى في الأرض فساداً يعاقب بالقتل تعزيراً. وقد نصوا على القتل سياسة في مواضع عديدة منها: قال في «الجامع الصغير»: «إن خنق في المصر غير مرة قتل به»، وعلَّقَ اللَّكْنَويُّ في شرح الجامع الصغير ص294: «هذا قتل سياسة بالإجماع؛ لسعيه في الأرض بالفساد».
4. التعزير بالنفي:
يجوز للقاضي اختيار عقوبة التعزير بالنفي على فعل ما إن رأى أن مثله ناجع في منع تكرار هذا الفعل السيء، فعن الزهري: «أتي مروان بقوم يختفون القبور ـ أي ينبشون ـ فضربهم ونفاهم والصحابة - رضي الله عنهم - متوافرون» في مصنف ابن أبي شيبة14: 485 ..
5. التعزير بالحبس:
من أشهر العقوبات التعزيرية هي الحبس مدّة من الزمان يظهر فيها توبة المجرم عما اقترفه، وذكر فقهاؤنا في القانون العثماني: «مَن قبل ولداً صغيراً بشهوة، أو تحرش به، فعليه عقوبة تعزيراً شديداً، ولكلِّ جلدة أقجة، وإن اقتضت المصلحة يحبسه القاضي»، كما في قوانين الدولة العثمانية ص216.
6. التعزير بأخذ مال:
أجاز أبو يوسف التعزير بأخذ المال إن كان صالحاً من منع ارتكاب الجرم المنشود، وصرّحوا في «الخلاصة» و «الظهيرية»: بجواز التعزير بأخذ المال.
7. التَّعزير بالتَّشهير:
ويكون التعزير بالتشهير بأن يفضح أمر هذا المجرم على رؤوس الخلق ويعرف بفعله حتى يحذره الناس، ويكون عبرة لغيره، فعن مكحول: «أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ضرب شاهد الزور أربعين سوطاً وسخم وجهه وطاف به بالمدينة» في سنن البيهقي الكبير10: 141، ومصنف عبد الرزاق8: 237.
8. التَّعزير بالأشغال الشاقة:
من المعلوم أن قوانين الدولة العثمانية وضعها فقهاء الحنفية، ووجد في بعضها عقوبة بالأشغال الشاقة، ومثالها: العمل كمجدف في السفن في أسطول الدولة العثمانية، كما في قوانين الدولة العثمانية ص223.
9.التعزير بالفصل من وظيفته:
إن العقوبة بفصل الموظف من وظيفته إن ثبت عليه جرم معين، له أثر كبير في استقامته على عمله والقيام بواجبه، وكان التعزير بالفصل من الوظيفة متبعاً في الدولة العثمانية، كما في قوانين الدولة العثمانية ص71.
10.التعزير بالقطع:
يمكن للقاضي أن يعزر بالقطع إن رأى أنها عقوبة رادعة عن الجرم الذي ارتكب بحيث لا يعود له مرة أخرى، ويكون فيه عبرة لغيره.
ومعلوم أنه لا قطع على مَن ينبش القبور عند فقهائنا؛ لعدم توفر شروط السرقة من الإسرار والإخفاء، وكان معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن نبش قطعناه» في السنن الصغير7: 201، ومعرفة السنن14: 79، قال الغزنوي في الغرة المنيفة المسألة 141: «لئن سُلِّمت صحته فهو محمولٌ على السياسة بدليل أن فيه «مَن غرق غرقناه، ومن حرق حرقناه، ومن نبش دفناه حياً، ومَن نقب نقبنا عن كبده» في السنن الكبرى للبيهقي8: 79، والسنن الصغرى للبيهقي3: 215، ومعلومٌ أنّ هذه الأحكام غير مشروعة إلا سياسة، ثم إنّه متروك الظّاهر؛ لأنه علّق فيه بالقطع بمجرد النَّبش، وبالإجماع ليس كذلك، فإن نبش ولم يأخذ لا يقطع».
المجلد
العرض
75%
تسللي / 2817