أيقونة إسلامية

تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار

صلاح أبو الحاج
تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار - صلاح أبو الحاج

كتاب الحدود

وعندهما (¬1): مُقدَّرٌ بزوال الرَّائحة؛ لأنَّ حَدَّ الشُّرب إنّما ثَبَتَ بإجماع الصَّحابةِ - رضي الله عنهم -، ولا إجماع بدون رأي ابن مَسعود - رضي الله عنه -، فإنّه شَرَطَ وُجودَ الرَّائحة، لما رُوي أنّ رجلاً جاء بابن أخ له إلى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - فاعترف عنده بشُرب الَخمر، فقال له ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: «بئس وليّ اليتيم أنت، لا أَدَّبتَه صَغيراً، ولا سَتَرْتَ عليه كبيرا! تَلْتِلُوه ومَزْمِزُوهُ (¬2) ثمّ اسَتْنْكِهُوه، فإن وَجَدْتُم
رائحةَ الخَمر فاجلدوه» (¬3)، شرط وجودَ الرَّائحة، فيكون شرطاً.
¬__________
(¬1) والصحيح قولُهما، واعتمده المحبوبيّ والنسفيّ، تصحيح، كما في اللباب 2: 170، ورجَّحَ في غاية البيان قول محمد - رضي الله عنه -، فقال: والمذهب عندي في الإقرار ما قاله محمد - رضي الله عنه - ; لأنَّ حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أنكره بعض أهل العلم، قال أبو عبيد: لأنَّ الأصلَ في الحدود إذا جاء صاحبها مقرّاً بها الردّ والإعراض وعدم الاستماع؛ احتيالاً للدرء كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أقرّ ماعز - رضي الله عنه -، فكيف يأمر ابن مسعود - رضي الله عنه - بالتلتلة والمزمزة والاستنكاه حتى يظهر سكره، فلو صحّ فتأويله: أنَّه جاء في رجل أنَّه مولع بالشراب مدمن فاستجازه لذلك، اهـ، وفي فتح القدير: وقول محمد - رضي الله عنه - هو الصحيح، اهـ، والحاصل: أنَّ المذهب قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، إلا أنَّ قول محمد - رضي الله عنه - أرجح من جهة المعنى، كما في البحر5: 29.
(¬2) المزمزة: التحريك بعنف، والترترة والتلتلة: التحريك، فتح، كما في رد المحتار5: 29، وفي الجوهرة2: 157: «الترترة: أن يحرك ويستنكه، وهذا يدل على أن بقاء الرائحة شرط في إقامة الحدّ، وقوله: مزمزوه: أي حركوه وأقبلوا به وأدبروا».
(¬3) فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «أنَّه جاءه رجل من المسلمين بابن أخ له، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إنَّ ابن أخي وجدته سكراناً، فقال عبد الله: ترتروه ومزمزوه واستنكهوه، فترتروه واستنكهوه فوجد سكراناً، فرفع إلى السجن، فلمَّا كان الغد جئت وجيء به» في مصنف ابن أبي شيبة5: 524، ومصنف عبد الرزاق7: 371.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «كنت بحمص، فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا، فقرأت عليهم سورة يوسف، قال فقال رجل من القوم: والله ما هكذا أُنْزلت، قال: قلت: ويحك والله لقد قرأتها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: أحسنت، فبينما أنا أكلِّمه إذ وجدت منه ريح الخمر، قال فقلت: أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب؟ لا تبرح حتى أجلدك، قال: فجلدته الحدّ» في صحيح مسلم1: 551، وصحيح البُخاري4: 1912.
المجلد
العرض
75%
تسللي / 2817