تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار - صلاح أبو الحاج
كتاب الصَّلاة
سفر»، هكذا نُقِل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1).
قال: (والعاصي والمطيع في الرُّخص سواء)؛ لإطلاق النُّصوص، منها قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة: 184]، وقوله تعالى: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239]. وقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ} [النساء: 43، والمائدة: 6]. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها» (¬2) من غير فصل، فصار كما إذا أنشأ السَّفر في مباح ثمّ نَوَى المعصية بعده.
وأمّا قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} [البقرة: 173]: أي غير متلذِّذٍ في أكلِها، ولا متجاوزٍ قدر الضَّرورة، ونحن لا نجعل المعصيةَ سبباً للرُّخصة، وإنّما السَّببُ لحوق المشقّة النَّاشئةِ من نقلِ الأَقدامِ والحَرِّ والبَرْدِ وغيرِ ذلك، والمحظورُ ما يُجاوره من المعصية، فكان السَّفر من حيث إفادته الرُّخصة مباحاً؛ لأنّ ذلك مما يقبل الانفصال.
واعلم أنّ الأوطانَ ثلاثة:
1.أصليٌّ (¬3)، ويُسمّى أَهلياً، وهو الذي يَستقرُّ الإنسانُ فيه مع أهلِه،
¬__________
(¬1) فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «كان إذا قدم مكّة صلّى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر» في الموطأ 1: 149.
(¬2) سبق تخريجه من حديث خزيمة في المعجم الكبير4: 96.
(¬3) الملاحظ من الفقهاء اعتبار العرف في الدلالة على كون الوطن وطناً أصلياً؛ إذ ذكروا علامات تدلّ عليه، مدارها على العرف، مسترشدة بالنّصوص الشّرعية المفيدة
لذلك عموماً، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (مَن تأهّل في بلد فليصلّ صلاة المقيم) في مسند أحمد1: 62، وضعّفه الأرنؤوط، ومشكل الآثار9: 214، والآثار الدالّة ذلك كقول مجاهد - رضي الله عنه -: إنّ ابنَ عمر - رضي الله عنهم - كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يوماً أتمّ الصلاة في مصنف عبد الرزاق2: 529، ورواته ثقات، كما في إعلاء السنن7: 296.
فيطلق الوطن الأصلي على المكان الذي يستقرّ فيه الإنسان، ويحصل له به القرار؛ لذلك سمي بوطن القرار، ومن العلامات العرف الدالّة على هذا الاستقرار أنه يولد فيه أو ينشأ فيه أو يتزوج فيه أو يتعيّش فيه، والتعَيُّشُ: تكلُّف أَسباب المَعِيشة، سواء أكانت بالعمل أو الدراسة.
فهذه العلامات تدلّ على الاستقرار لعزم فاعلها على التوطن، وعدم الارتحال الذي يكون عليه المسافر أو المقيم مدّة قصيرة لأداء أمر؛ لذلك لم يضبط الفقهاء هذا التوطن بمدّة وإنما ترك للعرف الدال على القرار، قال ابنُ الهُمام في فتح القدير3: 147 - 148 بأن التوطّن غير مجرّد نيّة الإقامة خمسة عشر يوماً، والظاهر أنّ معناه أن يتّخذها وطناً، ولا يُحدّ في ذلك حدّاً.
وأبرز العلامات السابقة في الدلالة على القرار هو الزوجة، وهي المقصودة بالأهل، فالمكان الذي ينقلها الزوج له هو مكان الاستقرار في عرف الفقهاء، قال عبد الحليم في حاشية الدرر1: 92: والوطن وطن بالأهل سواء كان فيه عقار أو لا.
قال: (والعاصي والمطيع في الرُّخص سواء)؛ لإطلاق النُّصوص، منها قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة: 184]، وقوله تعالى: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239]. وقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ} [النساء: 43، والمائدة: 6]. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها» (¬2) من غير فصل، فصار كما إذا أنشأ السَّفر في مباح ثمّ نَوَى المعصية بعده.
وأمّا قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} [البقرة: 173]: أي غير متلذِّذٍ في أكلِها، ولا متجاوزٍ قدر الضَّرورة، ونحن لا نجعل المعصيةَ سبباً للرُّخصة، وإنّما السَّببُ لحوق المشقّة النَّاشئةِ من نقلِ الأَقدامِ والحَرِّ والبَرْدِ وغيرِ ذلك، والمحظورُ ما يُجاوره من المعصية، فكان السَّفر من حيث إفادته الرُّخصة مباحاً؛ لأنّ ذلك مما يقبل الانفصال.
واعلم أنّ الأوطانَ ثلاثة:
1.أصليٌّ (¬3)، ويُسمّى أَهلياً، وهو الذي يَستقرُّ الإنسانُ فيه مع أهلِه،
¬__________
(¬1) فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «كان إذا قدم مكّة صلّى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر» في الموطأ 1: 149.
(¬2) سبق تخريجه من حديث خزيمة في المعجم الكبير4: 96.
(¬3) الملاحظ من الفقهاء اعتبار العرف في الدلالة على كون الوطن وطناً أصلياً؛ إذ ذكروا علامات تدلّ عليه، مدارها على العرف، مسترشدة بالنّصوص الشّرعية المفيدة
لذلك عموماً، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (مَن تأهّل في بلد فليصلّ صلاة المقيم) في مسند أحمد1: 62، وضعّفه الأرنؤوط، ومشكل الآثار9: 214، والآثار الدالّة ذلك كقول مجاهد - رضي الله عنه -: إنّ ابنَ عمر - رضي الله عنهم - كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يوماً أتمّ الصلاة في مصنف عبد الرزاق2: 529، ورواته ثقات، كما في إعلاء السنن7: 296.
فيطلق الوطن الأصلي على المكان الذي يستقرّ فيه الإنسان، ويحصل له به القرار؛ لذلك سمي بوطن القرار، ومن العلامات العرف الدالّة على هذا الاستقرار أنه يولد فيه أو ينشأ فيه أو يتزوج فيه أو يتعيّش فيه، والتعَيُّشُ: تكلُّف أَسباب المَعِيشة، سواء أكانت بالعمل أو الدراسة.
فهذه العلامات تدلّ على الاستقرار لعزم فاعلها على التوطن، وعدم الارتحال الذي يكون عليه المسافر أو المقيم مدّة قصيرة لأداء أمر؛ لذلك لم يضبط الفقهاء هذا التوطن بمدّة وإنما ترك للعرف الدال على القرار، قال ابنُ الهُمام في فتح القدير3: 147 - 148 بأن التوطّن غير مجرّد نيّة الإقامة خمسة عشر يوماً، والظاهر أنّ معناه أن يتّخذها وطناً، ولا يُحدّ في ذلك حدّاً.
وأبرز العلامات السابقة في الدلالة على القرار هو الزوجة، وهي المقصودة بالأهل، فالمكان الذي ينقلها الزوج له هو مكان الاستقرار في عرف الفقهاء، قال عبد الحليم في حاشية الدرر1: 92: والوطن وطن بالأهل سواء كان فيه عقار أو لا.