أيقونة إسلامية

تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار

صلاح أبو الحاج
تحفة الأخيار على الاختيار لتعليل المختار - صلاح أبو الحاج

كتاب القسمة

قال: (ولا يترك القُسَّام يشتركون)؛ لأنّ عند الاشتراك لا يخافون الفَوت فيتغالون في الأَجر، وعند عدم الاشتراك يخاف الفوت بسبق غيره، فيبادر إلى العمل، فيُرَخِّص الأجر.
قال: (جماعةٌ في أيديهم عقارٌ طلبوا من القاضي قسمته، وادَّعوا أنّه
ميراثٌ لم يَقْسِمْهُ حتى يقيموا البيّنة على الوَفاة وعددِ الوَرَثة).
وقالا: يقسمُه باعترافهم، ويذكر في كتاب القسمة أنّه قَسَمَه بقولهم، ولا يحتاج إلى بيّنةٍ؛ لأنّ اليدَ دليلُ الملك، والظَّاهرُ صدقُهم، ولا مُنازع لهم كما في غير العَقار، وكما إذا ادَّعوا في العَقار الشِّراء أو مطلق الملك، فإنّه يَقْسِمُه في هذه الصُّور بالإجماع.
وكذا لو كان في الورثةِ كبيرٌ غائبٌ أو صغيرٌ، والدَّارُ في أيدي الكبار الحضور يَقْسِمُها بقولهم، ويَعْزِلُ نَصَيب الصّغير والغائب إلا أن يكون العَقارُ في يدِ الغائب أو الصَّبيِّ، فلا بُدّ من حضورهما؛ لئلا يكون قضاءٌ على الغائب والصَبيِّ، وإنّما يذكر أنّه قسمها بقولهم؛ لئلا يتعدّاهم الحكم.
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنّ التَّركةَ قبلَ القِسْمَة مبقاةٌ على حكم ملكِ الميت؛ لأنّ الزَّوائدَ المتولِّدة منها تَحْدُثُ على ملكِه حتى يُقْضَى منه ديوُنه وتَنْفُذُ وَصاياه، فلا يجوز للقاضي قَطْعُ حُكْم ملكِهِ إلا ببِيِّنة، بخلافِ المَنْقول؛ لأنّه يحتاجُ إلى الحفظ، فكانت قِسْمَتُه للحفظ، والعَقار مَحفوظ بنفسه.
وبِخلاف المُشترى (¬1)؛ لأنّ ملكَ البائع انقطعَ عن المَبْيع، فلم تكن
¬__________
(¬1) أخذت المسألة من الهداية 11: 410، وعبارتها: «وبخلاف المشتري؛ لأن المبيع لا
يبقى على ملك البائع وإن لم يقسم، فلم تكن القسمةُ قضاء على الغير، قال: وإن ادعوا الملك ولم يذكر كيف انتقل إليهم قسمه بينهم؛ لأنّه ليس في القسمة قضاء على الغير، فإنّهم ما أقروا بالملك لغيرهم، وهذه رواية كتاب القسمة. وفي «الجامع الصغير»: أرضٌ ادَّعاها رجلان، وأقاما البَيِّنة أنها في أيديهما وأرادا القِسمة لم يقسمها، حتى يُقيما البيِّنة أنّها لهما؛ لاحتمال أن يكون لغيرهما، ثم قيل: هو قول أبي حنيفة خاصة، وقيل: هو قول الكلّ، وهو الأصحّ؛ لأنَ قسمةَ الحفظ في العقار غيرُ محتاج إليه، وقسمة الملك تفتقرُ إلى قيامه، ولا ملك فامتنع الجواز».
وقال تاج الشريعة: قيل إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضع، فموضع كتاب القسمة فيما إذا ادعيا الملك ابتداء، وموضع «الجامع الصغير» فيما إذا ادعيا لليد ابتداء، وبيانه: أنهما لم ادعيا الملك ابتداءً واليد ثابتةٌ، ومَن في يدِه شيءٌ يقبل قوله: إنه ملكه ما لم ينازعه غيره؛ إذ الأصل أنّ الأملاك في يد المالك، فيعتبر هذا الظاهر، وإن احتمل أن يكون ملك الغير؛ لأنّه احتمال بلا دليل، فيقسم بينهما بناء على الظاهر، أما إذا ادّعيا اليد، وأعرضا عن ذكر الملك مع حاجتهما إلى بيانه؛ لأنهما طلبا القسمة من القاضي، والقسمة في العقار لا تكون إلا لمالك، فلما سكتا عنه دَلَّ على أنّ الملك ليس لهما فيتأكد ذلك لاحتمال السابق، فلا يقبل قولهما بعد ذلك إلا بإقامة البينة ليزول هذا الاحتمال، وهذا معنى قوله لاحتمال أن يكون لغيرهما، كما في البناية 11: 211.
المجلد
العرض
35%
تسللي / 2817