شرح مجمع البحرين وملتقى النيرين - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
كتاب الجنايات
المالية، وإذا تفاوتت العصمة أنتفى التساوي، فلا يُشرع القصاص، ولأنَّ الكفر مبيح للقتل في الجملة؛ لكونه من أعظم الجنايات، وإنَّما سقط القتل في الذمي بعارض عقد الذمة، فكانت العلة مورثة شبهة مؤثرة في سقوط القصاص عن المسلم بقتله. ولنا في الأول قوله تعالى: {النَّفْسَ بِالنَّفْس} [المائدة: 45]، وهي ناسخة لآية البقرة في قول جمع من السلف، والمائدة محكمة كلها، وعلى أنَّها غير منسوخة فلا دلالة فيها على التخصيص؛ لأنَّ العبد يُقتل بالحرِّ، والذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، فلم تَبْقَ حجةٌ في تَبْقَ حجةٌ في التخصيص على أنَّ سبب نزولها يظهر المراد بها وهو ما كان أوس وبنو النضير يتفاضلون بني قريظة وخزرجا ويقتلون الحر من أحدهم بالعبد من الآخر، والذكر بالأنثى، والعشرة بالواحد وأرادوا مثل ذلك في الإسلام، فنهوا عنه؛ ولأن العصمة بينهما ثابتةٌ على السواء؛ لاستوائهما في التكليف أو الدار، والمالية لا تَحلُّ بالعصمة، وإذا أستويًا في العصمة جرى القصاص بينهما، وإنما لم يجرِ في الأطراف؛ لما يأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
ولنا: في الثانية قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما قبلوا عقد الذمة لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا.، ومن المشهور أنه - صلى الله عليه وسلم - قتل مسلما بذمي وقال: "أنا أحقُّ مَن وفَّى بذمته"؛ ولأنَّ القصاص يعتمد المساواة، وهي ثابتة نظرًا إلى التكليف أو الدار والكفرُ إِنَّما يكونُ مبيحًا في حق المحارب دون المسالم، والذمي محقون الدم على التأبيد كالمسلم وهذه العصمة المؤبدة مما تنفي قيام شبهة الإباحة؛ لأنها لو ثبتت بوجه ما أنتفت شرعية القصاص بقتله مطلقًا، إذ المعنى القائم بالمحل لا يختلف باختلاف القاتل، ولهذا لو قتله ذمي وجب القصاص، وإنَّما كان الكفرُ مبيحًا للقتل لا بذاته ولكن بواسطة كونه باعثًا على الحراب؛ لأنَّ الأصل في تجزئة الأفعال تأجيلها إلى دار الجزاء،
وما قُدَّمَ منها ما قُدَّمَ إِلَّا لدفع الضرر اللاحقِ بالعباد، (والضرر اللاحق) بالكفر ليس إلا أنه باعث على الحراب، فإذا أنتفى ذلك بعقدِ الذمة لم يبقَ مبيحًا، ألا ترى أن كفر المرأة لا يبيح قتلها؛ لأنَّها لا تستعد للمحاربة بأصل الخلقة، وإذا ارتفعت الإباحةُ ثبتت العصمة على الإطلاق، وإذا أستويا فيه ترتب القصاص عليه، وتبين بما قرَّرْنَا أن المراد بقوله: «لا يُقتل مسلم بكافر،، أي حربي مستأمن؛ ولهذا عطف على المسلم قوله: «ولا ذو عهد في عهده، أنه لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر حربي، وإِنَّما لا يُقتل المسلم والذمِّي بالمستأمن؛ لأنَّ كفره باعث على الحراب، فإنَّه على عزم العودِ والمحاربة، فلم يكن محقونَ الدَّم على التأبيد، وشرط القصاص العصمة المؤبدة فقامت الشبهة المانعة
ولنا: في الثانية قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما قبلوا عقد الذمة لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا.، ومن المشهور أنه - صلى الله عليه وسلم - قتل مسلما بذمي وقال: "أنا أحقُّ مَن وفَّى بذمته"؛ ولأنَّ القصاص يعتمد المساواة، وهي ثابتة نظرًا إلى التكليف أو الدار والكفرُ إِنَّما يكونُ مبيحًا في حق المحارب دون المسالم، والذمي محقون الدم على التأبيد كالمسلم وهذه العصمة المؤبدة مما تنفي قيام شبهة الإباحة؛ لأنها لو ثبتت بوجه ما أنتفت شرعية القصاص بقتله مطلقًا، إذ المعنى القائم بالمحل لا يختلف باختلاف القاتل، ولهذا لو قتله ذمي وجب القصاص، وإنَّما كان الكفرُ مبيحًا للقتل لا بذاته ولكن بواسطة كونه باعثًا على الحراب؛ لأنَّ الأصل في تجزئة الأفعال تأجيلها إلى دار الجزاء،
وما قُدَّمَ منها ما قُدَّمَ إِلَّا لدفع الضرر اللاحقِ بالعباد، (والضرر اللاحق) بالكفر ليس إلا أنه باعث على الحراب، فإذا أنتفى ذلك بعقدِ الذمة لم يبقَ مبيحًا، ألا ترى أن كفر المرأة لا يبيح قتلها؛ لأنَّها لا تستعد للمحاربة بأصل الخلقة، وإذا ارتفعت الإباحةُ ثبتت العصمة على الإطلاق، وإذا أستويا فيه ترتب القصاص عليه، وتبين بما قرَّرْنَا أن المراد بقوله: «لا يُقتل مسلم بكافر،، أي حربي مستأمن؛ ولهذا عطف على المسلم قوله: «ولا ذو عهد في عهده، أنه لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر حربي، وإِنَّما لا يُقتل المسلم والذمِّي بالمستأمن؛ لأنَّ كفره باعث على الحراب، فإنَّه على عزم العودِ والمحاربة، فلم يكن محقونَ الدَّم على التأبيد، وشرط القصاص العصمة المؤبدة فقامت الشبهة المانعة