شرح مجمع البحرين وملتقى النيرين - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
كتاب السير
قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: إذا أبقَ (عبد المسلم) فدخل إلى دار الحربِ فأخذوه لم يملكوه.
وقالا: يملكونه؛ لأنَّ العصمة فيه لحق المالك لقيام يده عليه وقد زالت يده؛ ولهذا لو أخذوه من دار الإسلام ملكوه. وله أنه بالإباق إليهم ظهرت يده على نفسِهِ، وهذا لأن سقوط اعتبار يد نفسه إنما كان لحق المولى لتتحقق يده، تمكينا له من الانتفاع به، ولما زالت يد المولى ظهرت يده على نفسه فصار معصوما بنفسِهِ فلم يبق محلا للملك بخلاف المتمرد؛ لأنَّ يد المولى باقيةٌ؛ لقيام يدِ أهل الدار المانعة من ظهور يده، وإذا لم يثبت الملك لهم عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - يأخذه مالكه القديم بغير شيءٍ موهوباً كان أو مشترًا أو مغنومًا قبل القسمة، وأما بعد القسمة فيؤدى عوضُه من بيتِ المالِ؛ لأنَّه لا يمكن إعادة القسمة لتفرق الغانمين وتعذرِ، اجتماعهم، وليس له على المالكِ جعلُ الإباقِ؛ لأنَّه عامل لنفسه حيث يزعم أنه ملكه، وإذا ندَّ البعيرُ إليهم فأخذوه ملكوه اتفاقا؛ لتحقق الاستيلاء إذ لا يد للبعير تظهرُ عند الخروج من الدار بخلافِ العبدِ على ما قررناه.
فصل في المستأمن
قال: (وإذا دخل مسلم دارَهم تاجرًا لا يتعرضُ بدمِ ولا بمال وإن تعرض بغدر وخرج به ملکه حراما فيتصدق به).
المسلم إذا دخل دار الحرب تاجرًا بأمان لم يحل (له) أن يتعرض لشيء من أموالهم ولا دمائهم؛ لأنه ضمن بالاستثمانِ أن لا يتعرض لهم، فيكون التعرضُ بعد الاستثمانِ غدرًا والغدر حرام إلَّا إذا تقدَّم الغدر من ملكهم فأخذ مالا أو أمر بحبس أو فعل ذلك غيره على علم من المَلِكِ ولم يمنعه منه؛ لأنهم سبقوا بنقض العهد، وهذا بخلافِ الأسير؛ لأنه غيرُ مستأمن فيباحُ له التعرضُ، وإن غدر التاجر بهم فأخذ مالا وخرج به ملكه ملكًا حرامًا يؤمر بالتصدق، أما الملك فلورود الأستيلاء على المال المباح، وأما الحرمة فلأنه حاصل بسبب الغدر فأوجب ذلك خبنًا في الملكِ فيؤمر بالتصدقِ به؛ وهذا لأن الخطر لغيره فلا يكون مانعا من انعقاد السبب على ما مر.
وقالا: يملكونه؛ لأنَّ العصمة فيه لحق المالك لقيام يده عليه وقد زالت يده؛ ولهذا لو أخذوه من دار الإسلام ملكوه. وله أنه بالإباق إليهم ظهرت يده على نفسِهِ، وهذا لأن سقوط اعتبار يد نفسه إنما كان لحق المولى لتتحقق يده، تمكينا له من الانتفاع به، ولما زالت يد المولى ظهرت يده على نفسه فصار معصوما بنفسِهِ فلم يبق محلا للملك بخلاف المتمرد؛ لأنَّ يد المولى باقيةٌ؛ لقيام يدِ أهل الدار المانعة من ظهور يده، وإذا لم يثبت الملك لهم عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - يأخذه مالكه القديم بغير شيءٍ موهوباً كان أو مشترًا أو مغنومًا قبل القسمة، وأما بعد القسمة فيؤدى عوضُه من بيتِ المالِ؛ لأنَّه لا يمكن إعادة القسمة لتفرق الغانمين وتعذرِ، اجتماعهم، وليس له على المالكِ جعلُ الإباقِ؛ لأنَّه عامل لنفسه حيث يزعم أنه ملكه، وإذا ندَّ البعيرُ إليهم فأخذوه ملكوه اتفاقا؛ لتحقق الاستيلاء إذ لا يد للبعير تظهرُ عند الخروج من الدار بخلافِ العبدِ على ما قررناه.
فصل في المستأمن
قال: (وإذا دخل مسلم دارَهم تاجرًا لا يتعرضُ بدمِ ولا بمال وإن تعرض بغدر وخرج به ملکه حراما فيتصدق به).
المسلم إذا دخل دار الحرب تاجرًا بأمان لم يحل (له) أن يتعرض لشيء من أموالهم ولا دمائهم؛ لأنه ضمن بالاستثمانِ أن لا يتعرض لهم، فيكون التعرضُ بعد الاستثمانِ غدرًا والغدر حرام إلَّا إذا تقدَّم الغدر من ملكهم فأخذ مالا أو أمر بحبس أو فعل ذلك غيره على علم من المَلِكِ ولم يمنعه منه؛ لأنهم سبقوا بنقض العهد، وهذا بخلافِ الأسير؛ لأنه غيرُ مستأمن فيباحُ له التعرضُ، وإن غدر التاجر بهم فأخذ مالا وخرج به ملكه ملكًا حرامًا يؤمر بالتصدق، أما الملك فلورود الأستيلاء على المال المباح، وأما الحرمة فلأنه حاصل بسبب الغدر فأوجب ذلك خبنًا في الملكِ فيؤمر بالتصدقِ به؛ وهذا لأن الخطر لغيره فلا يكون مانعا من انعقاد السبب على ما مر.