الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه - المؤلف
إخوته، فإنما ذلك أمر أمره الله تعالى به ليبلغ الكتاب أجله، ويتم البلاء الذي استحق به يوسف ويعقوب ﵉ كمال الجزاء وعلو المنزلة، وتبلغ حكمة الله تعالى التي قدرها وقضاها نهايتها.
ولو فرض أن يوسف ﵇ قصد الاقتصاص منهم بما فعل= فليس هذا بموضع خلاف بين العلماء، فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف: هل له أن يخونه كما خانه، أو يسرقه كما سرقه؟ ولم تكن قصة يوسف ﵇ من هذا النوع.
نعم لو كان يوسف ﵇ أخذ أخاه بغير أمره= لكان لهذا المحتج شبهة، مع أنه لا شبهة له أيضًا على هذا التقدير، فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق، ولو كان يوسف قد أخذ أخاه واعتقله بغير رضاه: كان في هذا ابتلاء من الله تعالى لذلك المعتقل، كأمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه، فيكون المبيح له على هذا التقدير وحيا خاصا، كالوحي إلى إبراهيم ﵇ بذبح ابنه، وتكون حكمته في حق الأخ امتحانه وابتلاءه لينال درجة الصبر على حكم الله، والرضا بقضائه، ويكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب ﵇ في احتباس يوسف ﵇ عنه.
وقد دل على هذا: نسبة الله سبحانه ذلك الكيد إلى نفسه بقوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦] وهو سبحانه ينسب إلى نفسه أحسن هذه المعاني، وما هو منها حكمة وحق وصواب، وجزاء للمسيء، وذلك غاية العدل والحق، كقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وقوله:
ولو فرض أن يوسف ﵇ قصد الاقتصاص منهم بما فعل= فليس هذا بموضع خلاف بين العلماء، فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف: هل له أن يخونه كما خانه، أو يسرقه كما سرقه؟ ولم تكن قصة يوسف ﵇ من هذا النوع.
نعم لو كان يوسف ﵇ أخذ أخاه بغير أمره= لكان لهذا المحتج شبهة، مع أنه لا شبهة له أيضًا على هذا التقدير، فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق، ولو كان يوسف قد أخذ أخاه واعتقله بغير رضاه: كان في هذا ابتلاء من الله تعالى لذلك المعتقل، كأمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه، فيكون المبيح له على هذا التقدير وحيا خاصا، كالوحي إلى إبراهيم ﵇ بذبح ابنه، وتكون حكمته في حق الأخ امتحانه وابتلاءه لينال درجة الصبر على حكم الله، والرضا بقضائه، ويكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب ﵇ في احتباس يوسف ﵇ عنه.
وقد دل على هذا: نسبة الله سبحانه ذلك الكيد إلى نفسه بقوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦] وهو سبحانه ينسب إلى نفسه أحسن هذه المعاني، وما هو منها حكمة وحق وصواب، وجزاء للمسيء، وذلك غاية العدل والحق، كقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وقوله:
602