شرح مختصر القدوري - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
كتاب الإكراه
وصفاتُ ما أُكره على إيقاعه: فتارة يكون لحقِّ الله تعالى، وتارة يكون لحق المكره، وتارة يكون لحقِّ آدمي آخر.
قال: إذا أكره الرجل على بيع ماله، أو على شراء سلعةٍ، أو على أن يُقر لرجل بألف، أو يؤاجر داره، فأكره على ذلك بالقتل، أو بالضرب الشديد، أو بالحبس، فباع أوِ اشْتَرى فهو بالخيارِ؛ إنْ شاءَ أمضَى البيع، وإنْ شاءَ - فسخه ورجع بالمبيع.
وذلك لأنَّ هذه العُقُودَ تختلفُ بالجد والهزل، ويُؤثر فيها عدم الرضا، وكذلك الإقرار بالمال، ألا ترى أنَّ المُقِرَّ والمُقَرَّ له لو اتَّفَقا أَنَّهما كانا هازِلَيْن لم يلزم الإقرار، والإكراه بجميع ما ذكره ينفي الرضا، فَصَحَّ الإكراه ولم يَنفُذُ شيء من ذلك، ويكون موقوفا على إجازته؛ إِنْ شَاءَ أمضاه، وإِنْ شاءَ فَسَخه ويسترجع ما وقع، وعلى هذا كل تمليك يلحقه الفسخُ كالهبة والعارية والإجارة وغير ذلك.
ولو قال له: لأَضْرِبَنَّكَ سَوْطًا، أو: لأَحْبِسَنَّكَ يوما. أو: لأُقَيْدَنَّك يوما.
وهو لا يخافُ أكثر من ذلك، فليس ذلك بإكراه، وهو بمنزلة قولهم: لَنَشْتُمَنَّك.
قال محمد: وليس في هذا وقت، ولكن ما يحصل به الضَّرَرُ البَيِّنُ والاعتمامُ البين هو إكراه، ولا يُعرَفُ مِن ذلك شيءٌ لا يُمكِنُ أَن يُزادَ عليه ولا يَنقُصَ منه، بل هو على ما يراه الحاكم إذا رفع إليه، والأصل في ذلك اعتبارُ ما يَنْفِي الرّضا، وذلك يختلف باختلافِ الناسِ، فيُرجعُ في تقديره إلى الاجتهاد. ولهذا قالوا: إِنَّ السَّوْطَ الواحد والقَيْدَ في اليوم الواحد إكراه في حق بعض الناسِ؛ لأنَّ مِن الناسِ مَن يَسْتَضِرُّ بِه ويَقدَحُ فِي مُروءتِه وجاهه.
فإن قيل: الإكراه عندكم بمنزلة شرط الخيار، وشرط الخيارِ لا يُؤثر في الإقرار بالمال.
قيل له: الخيارُ يَصِحُ دُخُولُه في الإقرار، ألا ترى أنَّه إذا اشترط الخيار في البيع فقد لزمه الثمنُ وله فيه الخيار، وإنما لا يُؤثر الخيارُ إذا أطلق الإقرار؛ لأنَّه لا يُصَدِّقُ على إثباتِ الخيار فيه. قال: فإن كان قبض الثمنَ طَوْعًا فقد أجاز البيع، وإنْ قبضه مُكْرَها فليس بإجازة، وعليه رَدُّه إنْ كان قائما في يده.
وذلك لأنَّ البيع يتعلَّق به الاستحقاق بعقده، وغرضُ المُكرِهِ فعلُ ما يَتعلَّقُ به الاستحقاق، فإذا حصل غرضُه بالعقدِ خرج القبضُ مِن أن يكونَ مُكْرَها علي فإذا دفع ذلك من غير إكراه دلَّ على الرضا فجاز العقد.
ولا يُشْبِهُ هذا إذا أُكرِه على الهبة دونَ القبض فوهَب وأقبَضَ أَنَّه لا يكونُ ذلك رضًا منه بالهبة، وذلك لما بَيَّنَّا أَنَّ عَرَضَ المُكرِهِ حُصُولُ ما يَتَعَلَّقُ به الاستحقاق، وعقد الهبة لا يتعلَّق به الاستحقاق، فصار
قال: إذا أكره الرجل على بيع ماله، أو على شراء سلعةٍ، أو على أن يُقر لرجل بألف، أو يؤاجر داره، فأكره على ذلك بالقتل، أو بالضرب الشديد، أو بالحبس، فباع أوِ اشْتَرى فهو بالخيارِ؛ إنْ شاءَ أمضَى البيع، وإنْ شاءَ - فسخه ورجع بالمبيع.
وذلك لأنَّ هذه العُقُودَ تختلفُ بالجد والهزل، ويُؤثر فيها عدم الرضا، وكذلك الإقرار بالمال، ألا ترى أنَّ المُقِرَّ والمُقَرَّ له لو اتَّفَقا أَنَّهما كانا هازِلَيْن لم يلزم الإقرار، والإكراه بجميع ما ذكره ينفي الرضا، فَصَحَّ الإكراه ولم يَنفُذُ شيء من ذلك، ويكون موقوفا على إجازته؛ إِنْ شَاءَ أمضاه، وإِنْ شاءَ فَسَخه ويسترجع ما وقع، وعلى هذا كل تمليك يلحقه الفسخُ كالهبة والعارية والإجارة وغير ذلك.
ولو قال له: لأَضْرِبَنَّكَ سَوْطًا، أو: لأَحْبِسَنَّكَ يوما. أو: لأُقَيْدَنَّك يوما.
وهو لا يخافُ أكثر من ذلك، فليس ذلك بإكراه، وهو بمنزلة قولهم: لَنَشْتُمَنَّك.
قال محمد: وليس في هذا وقت، ولكن ما يحصل به الضَّرَرُ البَيِّنُ والاعتمامُ البين هو إكراه، ولا يُعرَفُ مِن ذلك شيءٌ لا يُمكِنُ أَن يُزادَ عليه ولا يَنقُصَ منه، بل هو على ما يراه الحاكم إذا رفع إليه، والأصل في ذلك اعتبارُ ما يَنْفِي الرّضا، وذلك يختلف باختلافِ الناسِ، فيُرجعُ في تقديره إلى الاجتهاد. ولهذا قالوا: إِنَّ السَّوْطَ الواحد والقَيْدَ في اليوم الواحد إكراه في حق بعض الناسِ؛ لأنَّ مِن الناسِ مَن يَسْتَضِرُّ بِه ويَقدَحُ فِي مُروءتِه وجاهه.
فإن قيل: الإكراه عندكم بمنزلة شرط الخيار، وشرط الخيارِ لا يُؤثر في الإقرار بالمال.
قيل له: الخيارُ يَصِحُ دُخُولُه في الإقرار، ألا ترى أنَّه إذا اشترط الخيار في البيع فقد لزمه الثمنُ وله فيه الخيار، وإنما لا يُؤثر الخيارُ إذا أطلق الإقرار؛ لأنَّه لا يُصَدِّقُ على إثباتِ الخيار فيه. قال: فإن كان قبض الثمنَ طَوْعًا فقد أجاز البيع، وإنْ قبضه مُكْرَها فليس بإجازة، وعليه رَدُّه إنْ كان قائما في يده.
وذلك لأنَّ البيع يتعلَّق به الاستحقاق بعقده، وغرضُ المُكرِهِ فعلُ ما يَتعلَّقُ به الاستحقاق، فإذا حصل غرضُه بالعقدِ خرج القبضُ مِن أن يكونَ مُكْرَها علي فإذا دفع ذلك من غير إكراه دلَّ على الرضا فجاز العقد.
ولا يُشْبِهُ هذا إذا أُكرِه على الهبة دونَ القبض فوهَب وأقبَضَ أَنَّه لا يكونُ ذلك رضًا منه بالهبة، وذلك لما بَيَّنَّا أَنَّ عَرَضَ المُكرِهِ حُصُولُ ما يَتَعَلَّقُ به الاستحقاق، وعقد الهبة لا يتعلَّق به الاستحقاق، فصار