شرح مختصر القدوري - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
كتاب الكفالة
فإذا لم يُوَافِ به فقد وُجِد شرط ضمان المال، فلزمه وصَحتِ الكَفالتان، فإذا أَدَّى المالَ برِئ مِن أحدِ الضَّمَانَيْنِ، ولم يَبْرَأُ مِنَ الآخِرِ لجواز أن يَدَّعِي عليه دَيْنًا آخرَ فَيَلْزَمَه إحضاره.
قال: ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدودِ والقصاص عند أبي حنيفة.
وكان الشيخ أبو الحسن يقولُ: المشهور من قولهم أنَّ الكفالة بالنفس في الحدودِ والقصاص جائزةٌ إِذا بَذَلَها المطلوب.
وإنما قال أبو حنيفة: لا يطلبها القاضي منه ابتداء. وقال أبو يوسف، ومحمد: يُؤخَذُ منه كفيل ابتداء.
وجه قول أبي حنيفة: أنَّ الكفالة المقصود منها التَّوَثُقُ، والقاضي مأمورٌ بدَرْءِ الحدودِ وتركِ التَّوَثُقِ منها، فلهذا لم يبتدئ بمطالبة الكفيل بها، فإن بذلها المطلوب جاز.
فإن قيل: فقد قال أبو حنيفة: إنَّه يُحبَسُ، وَالتَّوَثُقُ بالحبسِ أَعظمُ مِن التَّوَتُّقِ بالكفيله.
قيل له: ليس الحبس للتَّوَتُّقِ؛ وإنما هو للتهمةِ؛ لأنَّ الشُّهودَ قد أخبروا أنه يُفسد في الأرض بقتل الناس وانتهاكِ الأعراض، والحبس في التهمة واجب.
وجه قولهما: أنَّ الحضور مُستحَقِّ لسماع البينة، فجازت الكفالة به كالخصومة في الأموال. فأما الكفالة بنفس الحد والقصاص، فلا تجوز في قولهم؛ لأنَّ ذلك لا يُمكن استيفاؤُه من الكفيل، فلا تصح الكفالة به.
قال: وأما الكفالة بالمالِ فجائزة؛ معلوما كان المال المكفول به أو مجهولا، إذا كان دَيْنًا صحيحًا، مثل أن يقول: تَكَفَّلتُ عنه بألف درهم. أو:
بمالك عليه. أو: بما يُدرِكُك في هذا البيع.
والكلام في هذا الموضع يقعُ في مسألتين: إحداهما: جواز الكفالة بالمجهول. وقال الشافعي: لا يصح ضمان المجهول، ولا ضمانُ ما لم يَجِبْ.
ونص الشافعي على جواز ضمانِ الدَّرَكِ. دليلنا: قوله تعالى: {وَلِمَن جَاءَ بِهِ، حَمَلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمُ} [يوسف: 72].
وحمل البعير مجهولٌ يَزِيدُ ويَنقُصُ، ولأنَّ العلماءَ اتَّفَقُوا على جواز ضمانِ الدَّرَكِ وهو مجهول، ولأنه مال مضمون فجازتِ الكفالة به، أصله المعلوم.
قال: ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدودِ والقصاص عند أبي حنيفة.
وكان الشيخ أبو الحسن يقولُ: المشهور من قولهم أنَّ الكفالة بالنفس في الحدودِ والقصاص جائزةٌ إِذا بَذَلَها المطلوب.
وإنما قال أبو حنيفة: لا يطلبها القاضي منه ابتداء. وقال أبو يوسف، ومحمد: يُؤخَذُ منه كفيل ابتداء.
وجه قول أبي حنيفة: أنَّ الكفالة المقصود منها التَّوَثُقُ، والقاضي مأمورٌ بدَرْءِ الحدودِ وتركِ التَّوَثُقِ منها، فلهذا لم يبتدئ بمطالبة الكفيل بها، فإن بذلها المطلوب جاز.
فإن قيل: فقد قال أبو حنيفة: إنَّه يُحبَسُ، وَالتَّوَثُقُ بالحبسِ أَعظمُ مِن التَّوَتُّقِ بالكفيله.
قيل له: ليس الحبس للتَّوَتُّقِ؛ وإنما هو للتهمةِ؛ لأنَّ الشُّهودَ قد أخبروا أنه يُفسد في الأرض بقتل الناس وانتهاكِ الأعراض، والحبس في التهمة واجب.
وجه قولهما: أنَّ الحضور مُستحَقِّ لسماع البينة، فجازت الكفالة به كالخصومة في الأموال. فأما الكفالة بنفس الحد والقصاص، فلا تجوز في قولهم؛ لأنَّ ذلك لا يُمكن استيفاؤُه من الكفيل، فلا تصح الكفالة به.
قال: وأما الكفالة بالمالِ فجائزة؛ معلوما كان المال المكفول به أو مجهولا، إذا كان دَيْنًا صحيحًا، مثل أن يقول: تَكَفَّلتُ عنه بألف درهم. أو:
بمالك عليه. أو: بما يُدرِكُك في هذا البيع.
والكلام في هذا الموضع يقعُ في مسألتين: إحداهما: جواز الكفالة بالمجهول. وقال الشافعي: لا يصح ضمان المجهول، ولا ضمانُ ما لم يَجِبْ.
ونص الشافعي على جواز ضمانِ الدَّرَكِ. دليلنا: قوله تعالى: {وَلِمَن جَاءَ بِهِ، حَمَلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمُ} [يوسف: 72].
وحمل البعير مجهولٌ يَزِيدُ ويَنقُصُ، ولأنَّ العلماءَ اتَّفَقُوا على جواز ضمانِ الدَّرَكِ وهو مجهول، ولأنه مال مضمون فجازتِ الكفالة به، أصله المعلوم.