شرح مختصر القدوري - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
كتاب الطلاق
ولم يَكُنْ له نيَّةٌ وقَعَتْ واحدةٌ؛ لأنَّ المصدر يُفيد التأكيد؛ تقول: قمتُ قيامًا. والتأكيد لا يفيد إلا ما يفيده المؤكَّد، فإن قال: أردتُ ثلاثا. كان ثلاثا في رواية «الأصل»؛ لأنَّ المصدر يفيد معنى الكثرة؛ بدليل قوله تعالى: {وَادْعُوا تُبُورًا كَثِيرًا} [الفرقان:] وإذا كان فيه معنى الكثرة جاز أن ينوي به العدد.
وروى بشر، عن أبي حنيفة: أنَّه لا يكون إلا واحدةٌ؛ لِما بَيَّنَّا أَنَّ المصدر يفيد التأكيد، والتأكيد لا يفيد إلا ما يفيده المؤكدُ.
قال: والضرب الثاني " من الطلاقِ الكِنايات: ولا يقعُ بها الطلاق إلا بالنِّيَّة أو دلالة الحال.
والأصل في هذا أنَّ ألفاظ الكِناياتِ مُحتملةٌ للطلاق ولغيره، فلا يَنْصَرِفُ اللفظ إلى أحد المحتملين إلا بدليل، فإنْ نَوَى الطلاق وقع؛ لأنَّ النِّيَّةَ تصرِفُ الكلامَ مِن وجه إلى وجه إذا كان اللفظ محتملا لهما.
الدليل عليه: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حلف ركانةً أنَّه ما أراد إلا واحدةً، وكان قد طلق امرأته البتَّةَ»، فدل على أنه لو نوى الثلاثَ لوقع، فرجع إلى نِيَّته لما احتمل اللفظ الثلاثَ، والواحدة، كذلك إذا احتمل اللفظ الطلاق وغيره وقف على نِيَّته، أمَّا دلالةُ الحالِ فتقوم مقامَ النِّيَّةِ فِي وُقُوع الطلاق بالكناية.
وقال الشافعي: دلالة الحال لا تُؤثر.
دليلنا: أنَّ الكلامَ إذا خرج جوابًا للسؤال فالظاهرُ أَنَّه محمولٌ على مُقْتَضَى السؤال؛ بدليل قوله تعالى: فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} [الأعراف:].
معناه: نعم وجَدْنا ما وعَدَنا ربُّنا حقا.
فإذا ثبت هذا، وقالت له زوجتُه طَلَّقْني. فقال: أنتِ بائن. فالظاهرُ أَنَّه أجابها إلى ما سألتْ، وقال لها: أنتِ بائن بالطلاقِ. ولأنَّ دلالة الحالِ تُؤثر في حكم الكلام؛ ألا ترى أنَّ اللفظ الواحد يُحمل على المدح تارةً وعلى الذَّمّ أخرى؛ لِما يُقارِنُه مِن دلالةِ الحال؛ تقول: يا فاضل. لمَن يَسْتَحِقُّ المدح، فيكونُ مدحا، وتقولُ لمَن لا يَسْتحِقُّ المدح: يا فاضل. وأنت تريد وصفَه بِضِد ذلك؛ لما قارنه من دلالة الحال. فإن قيل: «إنَّ ركانة طلق امرأته البته، فجاء إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: طَلَّقت امرأتي البَتَّةَ. فقال له: «ما أردتَ بها؟». فقال: والله ما أردتُ إلا واحدةً. فَرَدَّها إليه»، ولم يَسْأله عن دلالةِ الحال، ورجع إلى نيته.
قيل له: إنَّ ركانة قال: طَلَّقتُ. وهذا لا يحتاج إلى دلالة الحال مع تصريحه بإرادة الطلاق، وإنما اعتبر النبيُّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِيَّتَه في العددِ، فلا دلالة في ذلك.
قال: وهي على ضربين؛ منها ثلاثة ألفاظ يقعُ بها الطلاق الرجعي ولا يقع بها إلا واحدةً وهي
وروى بشر، عن أبي حنيفة: أنَّه لا يكون إلا واحدةٌ؛ لِما بَيَّنَّا أَنَّ المصدر يفيد التأكيد، والتأكيد لا يفيد إلا ما يفيده المؤكدُ.
قال: والضرب الثاني " من الطلاقِ الكِنايات: ولا يقعُ بها الطلاق إلا بالنِّيَّة أو دلالة الحال.
والأصل في هذا أنَّ ألفاظ الكِناياتِ مُحتملةٌ للطلاق ولغيره، فلا يَنْصَرِفُ اللفظ إلى أحد المحتملين إلا بدليل، فإنْ نَوَى الطلاق وقع؛ لأنَّ النِّيَّةَ تصرِفُ الكلامَ مِن وجه إلى وجه إذا كان اللفظ محتملا لهما.
الدليل عليه: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حلف ركانةً أنَّه ما أراد إلا واحدةً، وكان قد طلق امرأته البتَّةَ»، فدل على أنه لو نوى الثلاثَ لوقع، فرجع إلى نِيَّته لما احتمل اللفظ الثلاثَ، والواحدة، كذلك إذا احتمل اللفظ الطلاق وغيره وقف على نِيَّته، أمَّا دلالةُ الحالِ فتقوم مقامَ النِّيَّةِ فِي وُقُوع الطلاق بالكناية.
وقال الشافعي: دلالة الحال لا تُؤثر.
دليلنا: أنَّ الكلامَ إذا خرج جوابًا للسؤال فالظاهرُ أَنَّه محمولٌ على مُقْتَضَى السؤال؛ بدليل قوله تعالى: فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} [الأعراف:].
معناه: نعم وجَدْنا ما وعَدَنا ربُّنا حقا.
فإذا ثبت هذا، وقالت له زوجتُه طَلَّقْني. فقال: أنتِ بائن. فالظاهرُ أَنَّه أجابها إلى ما سألتْ، وقال لها: أنتِ بائن بالطلاقِ. ولأنَّ دلالة الحالِ تُؤثر في حكم الكلام؛ ألا ترى أنَّ اللفظ الواحد يُحمل على المدح تارةً وعلى الذَّمّ أخرى؛ لِما يُقارِنُه مِن دلالةِ الحال؛ تقول: يا فاضل. لمَن يَسْتَحِقُّ المدح، فيكونُ مدحا، وتقولُ لمَن لا يَسْتحِقُّ المدح: يا فاضل. وأنت تريد وصفَه بِضِد ذلك؛ لما قارنه من دلالة الحال. فإن قيل: «إنَّ ركانة طلق امرأته البته، فجاء إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: طَلَّقت امرأتي البَتَّةَ. فقال له: «ما أردتَ بها؟». فقال: والله ما أردتُ إلا واحدةً. فَرَدَّها إليه»، ولم يَسْأله عن دلالةِ الحال، ورجع إلى نيته.
قيل له: إنَّ ركانة قال: طَلَّقتُ. وهذا لا يحتاج إلى دلالة الحال مع تصريحه بإرادة الطلاق، وإنما اعتبر النبيُّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِيَّتَه في العددِ، فلا دلالة في ذلك.
قال: وهي على ضربين؛ منها ثلاثة ألفاظ يقعُ بها الطلاق الرجعي ولا يقع بها إلا واحدةً وهي