اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

عمدة الرعاية على شرح الوقاية

صلاح أبو الحاج
عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج

0010تراجم الأعيان

كما لا يخفى على مَن طالع تراجمهم في «تذكرة الحفاظ» و «مرآة الجنان»، وكتاب «الأنساب»، و «حلية الأولياء»، و «سير النبلاء»، فإن كان الإكثار في العبادة مطلقاً بدعة، لزم كون هؤلاء الأكابر من أهل البدعة، ومَن يلتزم ذلك فهو أضلّ الجاهلين وأكبر الفاسقين.
وأمَّا تصانيف أبي حنيفة - رضي الله عنه -:
فذكروا منها: «الفقه الأكبر»، و «كتاب الوصية»، و «كتاب العالم والمتعلم» (¬1)،
¬__________
(¬1) وهنا بحث لطيف في صحة نسبة هذه الكتب للإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -:
قال شيخنا العلامة وهبي سليمان غاوجي في كتابه النافع «أبو حنيفة النعمان» (ص289 - 290): «لقد ثبت أنه - رضي الله عنه - ألف في علم الكلام: «الفقه الأكبر»، و «الفقه الأوسط»، و «كتاب العالم والمتعلم»، و «كتاب الرسالة» إلى مقاتل بن سليمان صاحب التفسير، و «كتاب الرسالة على عثمان البَتّي»، و «كتاب الوصية»، وهي وصايا عدّة من أصحابه - رضي الله عنهم - ... ».
قال العلامة المحقق الكوثري - رضي الله عنه - في مقدمة «العالم والمتعلم» (ص3): «تلك الرسائل هي العمدة عند أصحابنا في معرفة العقيدة الصحيحة التي كان عليها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه الغُرُّ الميامينُ ومَن بعدهم من أهل السنة على توالي السنين، وإمام الهدى أبو منصور الماتريدي - رضي الله عنه - وعن سائر الأئمة بنى توضيح الدلائل، على مسائل تلك الرسائل، كما جرى على ذلك الإمام المجتهد أبو جعفر الطحاوي في كتابه «بيان عقائد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن» - رضي الله عنهم - المعروف بـ «عقيدة الطحاوي» فيتبيَّن من ذلك مبلغ أهمية تلك الرسائل عند الباحثين».

وقال العلامة السيِّد محمد مرتضى الزَّبيدي في «إتحاف السادة المتقين» (2: 13 - 14): «اختلفَ في ذلك كثيراً، فمنهم مَن يُنكِرُ عَزوَها إلى الإمام مطلقاً وأنها ليست مِن عَمَلِه. ومنهم مَن يَنسِبُها إلى محمد بن يوسف البخاري المكنى بأبي حنيفة، وهذا قولُ المعتزلة لِمَا فيها من إبطال نصوصهم الزائغة، وادِّعائهم كونَ الإمام منهم، كما في «لمناقب الكردرية». وهذا كذبٌ منهم على الإمام، فإنه - رضي الله عنه - وصاحباه أوَّلُ مَن تكلَّم في أصول الدِّين وأتقنَها بقواطع البراهين على رأس المئة الأولى.
ففي «التبصرة البغدادية»: أول متكلِّمي أهل السنَّة من الفقهاء أبو حنيفة - رضي الله عنه -، ألَّف فيه «الفقه الأكبر»، و «الرسالة» في نصرة أهل السنة، وقد ناظَرَ فرقةَ الخوارج والشيعة والقدرية والدهرية، وكانت دُعَاتُهم بالبصرة، فسافر إليها نيِّفاً وعشرين مرة، وفضَّهم بالأدلة الباهرة، وبلغ في الكلام إلى أنه كان المُشارَ إليه بين الأنام، واقتفى به تلامذته الأعلام. اهـ.
وفي «مناقب الكردري» عن خالد بن زيد العمري: أنه كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وحماد بن أبي حنيفة قد خصموا بالكلام الناسَ، أي: ألزموا المخالفين، وهم أئمة العلم.
وعن الإمام أبي عبد الله الصيمري: أن الإمام أبا حنيفة كان مُتكلِّمَ هذه الأمة في زمانه وفقيههم في الحلال والحرام.
وقد عُلِمَ مما تقدَّم أن هذه الكتب من تأليف الإمام نفسه، والصحيح أن هذه المسائل المذكورة في هذه الكتب من أمالي الإمام التي أملاها على أصحابه، كحماد، وأبي يوسف، وأبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وأبي مقاتل حفص بن مسلم السمرقندي، فهم الذين قاموا بجمعها، وتلقَّاها عنهم جماعةٌ من الأئمة، كإسماعيل بن حماد، ومحمد بن مقاتل الرازي، ومحمد بن سماعة، ونُصير ابن يحيى البلخي، وشداد بن الحكم، وغيرهم، إلى أن وصلت بالإسناد الصحيح إلى الإمام أبي منصور الماتريدي.
فمَن عزاهنَّ إلى الإمام صحَّ لكون تلك المسائل من إملائه، ومَن عزاهنَّ إلى أبي مطيع البلخي أو غيره ممن هو في طبقته أو ممن هو بعدهم صحَّ لكونها مِن جَمعِه، ونظيرُ ذلك «المسندُ» المنسوبُ للإمام الشافعي، فإنه من تخريج أبي عمرو محمد بن جعفر بن محمد ابن مطر النيسابوري لأبي العباس الأصم من أصول الشافعي.
ونحن نذكر لك مَن نقل مِن هذه الكتب واعتمد عليها، فمِن ذلك فخرُ الإسلام علي بن محمد البزدوي قد ذكر في أول (أصوله» جملة من «الفقه الأكبر» وكتاب «العالم» و «الرسالة»، وذكرَ بعضَ مسائلِ الكتب المذكورة في كُلّ من شروح «الكافي» لحسام الدين السِّغناقي، و «الشامل» للقوام الإتقاني، و «الشافي» لجلال الدين الكولاني، و «بيان الأصول» للقوام الكاكي، و «البرهان» للبخاري، و «الكشف» لعلاء الدين البخاري، و «التقرير» لأكمل الدين البابرتي.
وذُكِرَت «الرسالة» بتمامها في أواخر «خزانة الأكمل» للهمداني، وذكرها الإمام الناطفي في «الأجناس».
وذُكر كثيرٌ من مسائل كتاب «العالم» في «المناقب» للإمام نجم الدين النسفي وللخوارزمي، و «الكشف» لأبي محمد الحارثي الحافظ، وبعضها في نكاح أهل الكتاب في «المحيط البرهاني».
وذكر بعضَ مسائل «الفقه الأكبر» شيخُ الإسلام محمدُ بن إلياس في «فتاويه)، وابنُ الهمام في «المسايرة».
وذكر بعضَ مسائل «الفقه الأبسط» الإمامُ أبو المعين النسفي في «التبصرة» في فصل التقليد وغيره، ونور الدين البخاري في «الكفاية» في فصل التنزيه، وحافظ الدين النسفي في «الاعتماد شرح العمدة» و «كشف المنار»، والناطفي في «الأجناس»، والقاضي أبو العلاء الصاعدي في كتاب «الاعتقاد»، وأبو شجاع الناصري في «البرهان الساطع شرح عقائد الطحاوي»، وأبو المحاسن محمود القونوي في شرحها أيضاً، وشرحه الفقيه عطاء بن علي الجوزجاني شرحاً نفيساً.
وذكر «الوصية» بتمامها الإمام صارم المصري في «نظم الجمان»، ومن المتأخرين القاضي تقي الدين التميمي في «الطبقات السنية»، والقاضي أبو الفضل محمد بن الشحنة الحلبي في أوائل «شرح الهداية»، وذكر بعضَ مسائلها ابن الهمام في «المسايرة»، وشرحها الشيخ أكمل الدين البابرتي.
فقد ذكر جملاً من مسائل الكتب الخمسة منقولاً عنها في نحو ثلاثين كتاباً من كتب الأئمة، وهذا القدرُ كافٍ في تلقِّي الأمة لها بالقبول. والله أعلم».
قال الأستاذان الفاضلان حمزة البكري ومحمد العايدي محققا «شرح وصية أبي حنيفة» (ص19): «وتلقِّي الحنفيَّة لهذه الرسائل بالقبول يغني عن البحث في الأسانيد، فقد صرَّح غيرُ واحدٍ من أهل العلم من المحدِّثين والأصوليين بأن الحديث النبوي إذا تلقَّته الأمةُ بالقبول وعملت به كان ذلك تصحيحاً له، وإن كان لا يصح من جهة الإسناد، منهم ابن عبد البر وأبو إسحاق الإسفراييني وابن القيم وابن حجر وابن الهمام والسخاوي والسيوطي.
فإذا كان هذا في الحديث النبوي، والأمر فيه شديد، فكيف بالكتب والرسائل التي لا يُعتنى بنقلها كما يُعتنى بنقل الأحاديث، بل إن بعض الكتب المشهورة التي تتوفّر الدواعي على نقلها من طرق لم تصل إلينا إلا من طرق غريبة وروايات آحاد، كـ «مسند أحمد» و «مصنف عبد الرزاق». والله تعالى أعلم».
المجلد
العرض
9%
تسللي / 2520