أيقونة إسلامية

عمدة الرعاية على شرح الوقاية

صلاح أبو الحاج
عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج

0047باب المصارف

باب المصارف
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب المصارف [1]
===
[1] قوله: باب المصارف؛ أي مصارف الزكاة والعشر، وهي مصارف أيضاً لصدقة الفطر، والكفارة، والنذر، وغير ذلك من الصدقاتِ الواجبة، والأصلُ فيه قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل} (¬1).
فهذه ثمانيةُ أصناف، وقد سقطَ منها صنفٌ واحد، وهو المؤلَّفة قلوبهم، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيهم ليسلموا أو يسلم قومهم لإسلامهم، ومنهم مَن كان أسلمَ وفيه ضعف، فيعطيه ليتقرَّر الإسلامُ في قلبه، ومنهم مَن كان يعطيهِ خوفاً من شرّهم وأذاهم.
فلمَّا قبضَ رسول الله جاؤوا إلى أبي بكرٍ - رضي الله عنه - لأخذ سهمهم، وإلى عمر - رضي الله عنه -، فقالَ عمر - رضي الله عنه -: إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعطيكم ليؤلّفكم على الإسلام، فأمّا اليوم فقد أعزَّ الله دينه، فليس بيننا وبينكم إلا السيف أو الإسلام، فانصرفوا إلى أبي بكر - رضي الله عنه - وقالوا: أنتَ الخليفة أم عمر، فأقرّ أبو بكرٍ - رضي الله عنه - رأي عمر - رضي الله عنه -، وأبطلَ سهمهم (¬2)، وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة - رضي الله عنهم -، فصار إجماعاً منهم على سقوطه. كذا في «البناية» (¬3)، وغيره.
فإن قلت: كيف ينسخُ إجماعُ الصحابةِ - رضي الله عنهم - وآراءَ الرجالِ السهمَ المذكور في القرآن والسنَّة.
قلت: لا نسخَ هاهنا، بل هو من قبيلِ انتهاءِ الشيء بانتهاء سببه، وتحقيقه في كتب الأصول (¬4).

¬__________
(¬1) التوبة: من الآية60.
(¬2) فعن عبيدة قال: «جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فقالا: يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن عندنا أرضاً سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعناها لعلنا نزرعها ونحرثها فذكر الحديث في الإقطاع وإشهاد عمر - رضي الله عنه - ومحوه إياه قال فقال عمر - رضي الله عنه -: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتألفكما والإسلام يومئذ ذليل وإن الله قد أعز الإسلام، فاذهبا فاجهدا جهدكما لا أرعى الله عليكما إن رعيتما» في «سنن البيهقي الكبير» (7: 20)، وغيره.
(¬3) «البناية» (3: 187).
(¬4) بينت ذلك في كتابي «المدخل» (ص59 - 60)، فذكرت: «إن اللهَ أناط الزكاة بثماني فئات من الناس منهم الذي تتألف قلوبهم من الداخلين حديثاً في الإسلام؛ لما فيه من استجلاب لقلوبهم، فمعنى: {والمؤلفة قلوبهم}: أي الذين تستجلبون قلوبهم بالألفة والمودّة، فاستجلاب قلوبهم ليس حكماً ثابتاً بالشرع، وإنما هو مناط لحكم علقه الله - جل جلاله - عليه، فكلما تحقق هذا المناط تحقق الحكم المتعلق به، وهو اعطاؤهم من الزكاة، وكلما فقد سقط ما علّق عليه، فوصف التعليق للقلب شأنه كوصف الفقر والعمل على جمع الزكاة والجهاد في سبيل الله في أنها هي مناط استحقاق الزكاة في تلك الأصناف لا أعيانهم المجردة.
فكان اجتهاد عمر - رضي الله عنه - معلقاً بتحقيق المناط، فقد رأى أن الإسلام وصل شأنه إلى القمة في القوة والمنعة في جميع مناحيه حتى صار فخراً لمن ينتسب إليه، فعزّته بالإسلام الذي خيم على الأرض فيه استجلاب لقلبه أكثر ممّا سيقدّم له من مال، فلم يعد لدفع المال لهم من الزكاة حاجة.
إذ انعدام الحكم لعدم المعنى الداعي إليه لا بالناسخ؛ فانتهاء شرعية إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيباً من الزكاة بانتهاء سببه، وهو ضعف المسلمين وحصول إعزاز الدين به، فإن تأليفهم على الإسلام بإعطاء المال ودفع أذاهم عن المسلمين به كان إعزازاً للدين في ذلك الزمان فلمّا قوي أمر الإسلام كان إعطاؤهم دنية في الدين لا إعزازاً له فانتهى بانتهاء سببه، وتمامه في «ضوابط المصلحة» (ص143 - 144)، و «كشف الأسرار» (3: 167).
المجلد
العرض
42%
تسللي / 2520