عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج
0010تراجم الأعيان
له مناقبُ جمّة، مبسوطةٌ في «تذكرة الحفّاظ» (¬1) و «سير النبلاء» (¬2)، وغيرهما، ويكفيه اعتمادُ المحدَّثين عليه، ورجوعهم إليه، وحكمهم بأنّ «صحيحه» أصحّ الكتبِ بعد كتاب الله - عز وجل - (¬3)،
¬__________
(¬1) «تذكرة الحفاظ» (2: 555 - 556).
(¬2) «سير أعلام النبلاء» (12: 391 - 400).
(¬3) وهنا بحث لطيف يكثر الكلام حوله بخصوص تلقي الأمة للصحيحين، والإجماع على صحتهما، قد توسع في الحديث فيه محدث العصر العلامة شبير العثماني في مقدمة شرحه على صحيح مسلم المسمى «فتح الملهم» (1: 296 - 300) أذكر بعضه إذ قال: «ولا يلزم من إجماع الأمة على كونها صحيحة حسب مصطلح المحدثين الإجماع على العمل بمضمونها، كما قال الترمذي في حديث ابن عباس - رضي الله عنهم - في الجمع بين الصلاتين بالمدينة، الذي أخرجه مسلم في «صحيحه» أنه غير معمول به، ولا على كونها مقطوعاً بأنها من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - في الواقع، فإن الأمة مأمورة بالعمل بالظن حيث لا يطلب القطع، والظن قد يخطئ، وذلك كالقاضي، فإنه مأمور بالحكم بشهادة من كان عدلاً في الظاهر، وكونه مأموراً بذلك لا يدل على أن شهادة العدل لا بد أن تكون مطابقة للواقع، وثابتة في نفس الأمر؛ لاحتمال أن يكون قد شهد بخلاف الواقع، إما لوهمٍ وقع له إذا كان عدلاً في نفس الأمر، أو للكذب، لم يتحرج منه إذا كان عدلاً فيما يبدو للناس فقط، والقاضي على كل حال قد قام بما وجب عليه.
نعم إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضى خبر بعينه، أو تلقى الأمة لمضمونه بالقبول تعاملاً وتصديقاً، فحينئذٍ يفيد العلم بصحة مضمونه في الواقع، وكونه معمولاً به في نفس الأمر، ولو لم يكن الإسناد صحيحاً ... وهذا فرق دقيق لم يتنبه له ابن تيمية وغيره من أنصار ابن الصلاح - رضي الله عنهم -.
وأيضاً فوقوع الإجماع على أصحية الكتابين وعظم شأنهما وتقدمهما على غيرهما ليس معناه أصحية كل حديث فيهما بالنسبة إلى ما سواهما، بل أصحية الجملة من الجملة، وتقدمها عليها ... وعلى هذا فلا يستدل بمجرد هذا الإجماع الجملي على كون حديث معين من أحاديثهما أصح من صحاح سائر الكتب، إلا بعد تبين وجوه الأصحية في ذلك الحديث بعينه ...
وإن كل حديث حكم بصحتها المحدثون إنما حكمهم فيما يتعلق بالإسناد حسب ما يقتضيه فنهم ووظيفتهم، وهذا القدر لا يمنع الفقهاء وعلماء الأصول من عدم تصحيحه أحياناً من حيث المتن بحسب موضوعهم ووظيفتهم ...
فإجماع أهل العلم بالحديث على أصحية ما في الصحيحين غاية ما في الباب أنه يوجب القطع بالأصحية المعتبرة عند المحدثين، دون الأصحية المعتبرة عند الفقهاء، فيقال: إن أحاديث الصحيحين مقطوع بصحتها الإسنادية وثبوتها الحديثي عند جميع العلماء وسائر الأمة، دون صحتها الفقهية وثبوتها الأصولي ....
وليس غرضنا مما كتبنا في هذا المبحث تهوين أمر الصحيحين، أو غيرهما من كتب الحديث، معاذ الله، بل المقصود نفي التعمق والغلو، ووضع كل شيء في موضعه، وتنويه شأنه بما يستحقه ... ».
¬__________
(¬1) «تذكرة الحفاظ» (2: 555 - 556).
(¬2) «سير أعلام النبلاء» (12: 391 - 400).
(¬3) وهنا بحث لطيف يكثر الكلام حوله بخصوص تلقي الأمة للصحيحين، والإجماع على صحتهما، قد توسع في الحديث فيه محدث العصر العلامة شبير العثماني في مقدمة شرحه على صحيح مسلم المسمى «فتح الملهم» (1: 296 - 300) أذكر بعضه إذ قال: «ولا يلزم من إجماع الأمة على كونها صحيحة حسب مصطلح المحدثين الإجماع على العمل بمضمونها، كما قال الترمذي في حديث ابن عباس - رضي الله عنهم - في الجمع بين الصلاتين بالمدينة، الذي أخرجه مسلم في «صحيحه» أنه غير معمول به، ولا على كونها مقطوعاً بأنها من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - في الواقع، فإن الأمة مأمورة بالعمل بالظن حيث لا يطلب القطع، والظن قد يخطئ، وذلك كالقاضي، فإنه مأمور بالحكم بشهادة من كان عدلاً في الظاهر، وكونه مأموراً بذلك لا يدل على أن شهادة العدل لا بد أن تكون مطابقة للواقع، وثابتة في نفس الأمر؛ لاحتمال أن يكون قد شهد بخلاف الواقع، إما لوهمٍ وقع له إذا كان عدلاً في نفس الأمر، أو للكذب، لم يتحرج منه إذا كان عدلاً فيما يبدو للناس فقط، والقاضي على كل حال قد قام بما وجب عليه.
نعم إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضى خبر بعينه، أو تلقى الأمة لمضمونه بالقبول تعاملاً وتصديقاً، فحينئذٍ يفيد العلم بصحة مضمونه في الواقع، وكونه معمولاً به في نفس الأمر، ولو لم يكن الإسناد صحيحاً ... وهذا فرق دقيق لم يتنبه له ابن تيمية وغيره من أنصار ابن الصلاح - رضي الله عنهم -.
وأيضاً فوقوع الإجماع على أصحية الكتابين وعظم شأنهما وتقدمهما على غيرهما ليس معناه أصحية كل حديث فيهما بالنسبة إلى ما سواهما، بل أصحية الجملة من الجملة، وتقدمها عليها ... وعلى هذا فلا يستدل بمجرد هذا الإجماع الجملي على كون حديث معين من أحاديثهما أصح من صحاح سائر الكتب، إلا بعد تبين وجوه الأصحية في ذلك الحديث بعينه ...
وإن كل حديث حكم بصحتها المحدثون إنما حكمهم فيما يتعلق بالإسناد حسب ما يقتضيه فنهم ووظيفتهم، وهذا القدر لا يمنع الفقهاء وعلماء الأصول من عدم تصحيحه أحياناً من حيث المتن بحسب موضوعهم ووظيفتهم ...
فإجماع أهل العلم بالحديث على أصحية ما في الصحيحين غاية ما في الباب أنه يوجب القطع بالأصحية المعتبرة عند المحدثين، دون الأصحية المعتبرة عند الفقهاء، فيقال: إن أحاديث الصحيحين مقطوع بصحتها الإسنادية وثبوتها الحديثي عند جميع العلماء وسائر الأمة، دون صحتها الفقهية وثبوتها الأصولي ....
وليس غرضنا مما كتبنا في هذا المبحث تهوين أمر الصحيحين، أو غيرهما من كتب الحديث، معاذ الله، بل المقصود نفي التعمق والغلو، ووضع كل شيء في موضعه، وتنويه شأنه بما يستحقه ... ».