عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج
طبقات الحنفية
3. ومنها: إن عدَّهم أبا بكرٍ الرَّازيّ الجصّاص من الذين لا يقدرون على الاجتهاد مطلقاً بعيد جداً، مع عدّهم شمسَ الأئمّة الحَلْوَانِيّ والسَّرَخْسِيَّ والبَزْدَوِيَّ وقاضي خان في المجتهدين في المذهبين، مع أنّ الرازي أقدمُ منهم زماناً، وأعلى منهم شأناً، وأوسع منهم علماً، وأدقّ منهم سرّاً (¬1).
¬__________
(¬1) قال المرجاني في «ناظورة الحق» (ص61 - 63): «عُدَّ أبو بكر الرازيّ الجصّاص من المقلِّدين الذي لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، وهو ظلمٌ عظيمٌ في حقِّه، وتَنْزيل له عن رفيع محلِّه وغضٌ منه وجهل بيِّنٌ بجلالةِ شأنه في العلم وباعه الممتدّ في الفقه، وكعبه العالي في الأصول، ورسوخ قدمه، وشدة وطأته وقوة بطشه في معارك النظر والاستدلال، ومَن تتبعَ تصانيفَه والأقوال المنقولة عنه عَلِمَ أن الذين عدَّهم من المجتهدين من شمس الأئمة ومن بعدهم كلُّهم عيالٌ لأبي بكر الرازي، ومصداقُ ذلك دلائلُه التي نصبَها لاختياراته، وبراهينه التي كشفَ فيها عن وجوه استدلالاته.
نشأ ببغداد التي هي دار الخلافة، ومدار العلم والرشاد، ومدينة السلام ومعقل الإسلام، ورحل في الأقطار، ودخل الأمصار ولقي العلماء أولي الأيدي والأبصار، وأخذ الفقه والحديث عن المشايخ الكبار.
وقال شمس الأئمة الحَلْوانيّ فيه: هو رجل كبير معروف في العلم، وإنّا نقلده ونأخذ بقوله. انتهى. فكيف يصح تقليدُ المجتهد للمقلِّد؟ وذكر في «الكشف الكبير» ما يدلُّ على أنه أفقه من أبي منصور الماتُريديّ، وقال قاضي خان: في «التوكيل بالخصومة»: يجوز للمرأة المخدرة أن توكِّل، وهي التي لم تخالط الرجال بكراً كانت أو ثيباً. كذا ذكره أبو بكر الرازيّ.
وفي «الهداية» (3: 137): ولو كانت المرأة مخدرة قال الرازيُّ: يلزم التوكيل منها، ثم قال: وهذا شيء استحبَّه المتأخرون، وقال ابنُ الهمام [في «فتح القدير» (7: 509)]: هو الإمام الكبير أبو بكر الجصاص أحمد بن علي الرازي، يعني أنه على ظاهر إطلاق الأصل وغيره عن أبي حنيفة لا فرق بين البكر والثيب المخدرة والمبرزة، والفتوى على ما اختاروه من ذلك، وحينئذٍ فتخصيص الرازي ثمّ تعميم المتأخرين ليس إلا لفائدة أنه المبتدئ بتفريع ذلك وتبعوه. انتهى كلامه.
وقد أكثر شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ في كتبه النقل عن أبي بكر الرازيّ والاستشهاد به والمتابعة لآرائه، ثمّ الحَلْوانيُّ ومَن ذكره بعدهم وعدَّهم من المجتهدين في المسائل كلُّهم تنتهي سلسلةُ علومهم إلى أبي بكر الرازيّ، فقد تفقه عليه أبو جعفر الاستروشني وهو أستاذ القاضي أبي زيد الدَّبوسي، وأبو عليّ حسين بن خضر النَّسَفيّ، وهو أستاذُ شمس الأئمة الحَلْوانِيّ، ومعلوم أن السَّرَخْسِيّ من تلاميذه وقاضي خان من أصحاب أصحابه.
فلعلَّه نظر إلى قوله: إنه كذلك في تخريج الرازيّ، فظنَّ أن وظيفتَه في الصناعة هي التخريج فحسب، وأن غايةَ شأوه هذا القدر، وقد خرَّجَ أبو حنيفة وأصحابه قول ابن عباس - رضي الله عنهم - في تكبيرات العيدين أنّها ثلاث عشرة تكبيرة بحمل أنها على هذا العدد بإضافة التكبيرات الأصلية، والشافعي وأتباعه بحملها على الزوائد.
وخرَّجَ أبو يوسف قولَ الشعبي: إن للخنثى المشكل من الميراث نصفَ النصيبين بأن ذلك ثلاث من سبعة، ومحمد بأنه خمس من اثني عشر، وخرَّجَ أبو الحسن الكَرْخيّ قول أبي حنيفة ومحمّد في تعديل الركوع والسجود وجعله واجباً، وأبو عبد الله الجُرْجاني خرَّجه وحمله على السنة.
ونظائر ذلك كثيرة وقعت من كبار المجتهدين فما ضرَّهم ذلك في اجتهادهم، ولا نزَّلهم من شأنهم فكيف ينْزل أبا بكر الرازي إلى الرتبة النازلة عن منزلته». ينظر: «حسن التقاضي» (ص89 - 91)، و «طبقات الحنفية» لابن الحنائي (ص40).
¬__________
(¬1) قال المرجاني في «ناظورة الحق» (ص61 - 63): «عُدَّ أبو بكر الرازيّ الجصّاص من المقلِّدين الذي لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، وهو ظلمٌ عظيمٌ في حقِّه، وتَنْزيل له عن رفيع محلِّه وغضٌ منه وجهل بيِّنٌ بجلالةِ شأنه في العلم وباعه الممتدّ في الفقه، وكعبه العالي في الأصول، ورسوخ قدمه، وشدة وطأته وقوة بطشه في معارك النظر والاستدلال، ومَن تتبعَ تصانيفَه والأقوال المنقولة عنه عَلِمَ أن الذين عدَّهم من المجتهدين من شمس الأئمة ومن بعدهم كلُّهم عيالٌ لأبي بكر الرازي، ومصداقُ ذلك دلائلُه التي نصبَها لاختياراته، وبراهينه التي كشفَ فيها عن وجوه استدلالاته.
نشأ ببغداد التي هي دار الخلافة، ومدار العلم والرشاد، ومدينة السلام ومعقل الإسلام، ورحل في الأقطار، ودخل الأمصار ولقي العلماء أولي الأيدي والأبصار، وأخذ الفقه والحديث عن المشايخ الكبار.
وقال شمس الأئمة الحَلْوانيّ فيه: هو رجل كبير معروف في العلم، وإنّا نقلده ونأخذ بقوله. انتهى. فكيف يصح تقليدُ المجتهد للمقلِّد؟ وذكر في «الكشف الكبير» ما يدلُّ على أنه أفقه من أبي منصور الماتُريديّ، وقال قاضي خان: في «التوكيل بالخصومة»: يجوز للمرأة المخدرة أن توكِّل، وهي التي لم تخالط الرجال بكراً كانت أو ثيباً. كذا ذكره أبو بكر الرازيّ.
وفي «الهداية» (3: 137): ولو كانت المرأة مخدرة قال الرازيُّ: يلزم التوكيل منها، ثم قال: وهذا شيء استحبَّه المتأخرون، وقال ابنُ الهمام [في «فتح القدير» (7: 509)]: هو الإمام الكبير أبو بكر الجصاص أحمد بن علي الرازي، يعني أنه على ظاهر إطلاق الأصل وغيره عن أبي حنيفة لا فرق بين البكر والثيب المخدرة والمبرزة، والفتوى على ما اختاروه من ذلك، وحينئذٍ فتخصيص الرازي ثمّ تعميم المتأخرين ليس إلا لفائدة أنه المبتدئ بتفريع ذلك وتبعوه. انتهى كلامه.
وقد أكثر شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ في كتبه النقل عن أبي بكر الرازيّ والاستشهاد به والمتابعة لآرائه، ثمّ الحَلْوانيُّ ومَن ذكره بعدهم وعدَّهم من المجتهدين في المسائل كلُّهم تنتهي سلسلةُ علومهم إلى أبي بكر الرازيّ، فقد تفقه عليه أبو جعفر الاستروشني وهو أستاذ القاضي أبي زيد الدَّبوسي، وأبو عليّ حسين بن خضر النَّسَفيّ، وهو أستاذُ شمس الأئمة الحَلْوانِيّ، ومعلوم أن السَّرَخْسِيّ من تلاميذه وقاضي خان من أصحاب أصحابه.
فلعلَّه نظر إلى قوله: إنه كذلك في تخريج الرازيّ، فظنَّ أن وظيفتَه في الصناعة هي التخريج فحسب، وأن غايةَ شأوه هذا القدر، وقد خرَّجَ أبو حنيفة وأصحابه قول ابن عباس - رضي الله عنهم - في تكبيرات العيدين أنّها ثلاث عشرة تكبيرة بحمل أنها على هذا العدد بإضافة التكبيرات الأصلية، والشافعي وأتباعه بحملها على الزوائد.
وخرَّجَ أبو يوسف قولَ الشعبي: إن للخنثى المشكل من الميراث نصفَ النصيبين بأن ذلك ثلاث من سبعة، ومحمد بأنه خمس من اثني عشر، وخرَّجَ أبو الحسن الكَرْخيّ قول أبي حنيفة ومحمّد في تعديل الركوع والسجود وجعله واجباً، وأبو عبد الله الجُرْجاني خرَّجه وحمله على السنة.
ونظائر ذلك كثيرة وقعت من كبار المجتهدين فما ضرَّهم ذلك في اجتهادهم، ولا نزَّلهم من شأنهم فكيف ينْزل أبا بكر الرازي إلى الرتبة النازلة عن منزلته». ينظر: «حسن التقاضي» (ص89 - 91)، و «طبقات الحنفية» لابن الحنائي (ص40).