عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج
0074باب الخلع
.......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
.............................................................................................................................
===
فعل المرأة وهو الافتداء، ولم يذكرْ فعلَ الزوج مع أنّه جمعها في قوله: {فلا جناح عليهما}.
ومن المعلوم أنّه لا يحصلُ التخلّص إلا بفعلِ الزوج، فعلم بطريقِ الضرورةِ أنّ فعلَ الزوج هو الذي تقرّر فيما سبق، وما لحق وهو الطلاق، فكان هذا بياناً لنوعِ الطلاقِ بمالٍ وبغير مال، وفي جعلِ آية الخلع معترضة بين ذكرِ الطلاقِ كما ظنّه القائلونَ بالفسخ فساد التركيب، وفي المقام أسئلة وأجوبة مذكورة في «كشف الأسرار» (¬1) و «التلويح» (¬2) وغيرهما.
ثمّ ثمرةُ الخلاف بين كون الخلعِ فسخاً، وبين كونه طلاقاً: هو أنّ الخلعَ ينقصُ عدد الطلاق، ويكون عدّة المطلّقة على الثاني دون الأوّل، ولقد أعجب بعض علماءِ عصرنا حيث ظنّ أنّ الخلعَ فسخ لا يتوقّف على تراضي الزوج، ففرّق بين امرأةٍ وزوجها جهراً وقهراً من غير رضاه (¬3)، واستندَ في ذلك بعبارةِ الشوكانيّ في رسالته «الدرر البهيّة» مع عدم دلالتها على ما فهمه كما لا يخفى على من تأمّلها بنظرِ التحقيق.
¬__________
(¬1) «كشف الأسرار» (1: 90).
(¬2) «التلويح» (1: 65).
(¬3) أقول: هذا العجب الذي ذكره الإمام اللكنوي صار مقرراً في بعض قوانين الدولة الإسلامية، بحيث صارت المرأة تملك طلاقاً أقوى من طلاق الرجل، فإنها إذا أرادت فراق زوجها ما عليها إلا أن تطلب من القاضي الخلع من زوجها، فيجبر القاضي على المخالعة بينها وبينه ولا تقدم له إلا مهرها، ولا تلتزم بأي حقوق مالية أو معنوية، في حين إذا أراد الزوج أن يطلقها عليه أن يدفع لها مهرها المتأخر مع نفقة العدة والحضانة وغيرها، وبهذا صار الطلاق بيد المرأة على صورة الخلع هذه أقوى بكثير من طلاق الرجل، ولم يقل به أحد يعتد به من الفقهاء لمخالفته لصريح القرآن والسنة.
وقد اغترّ بعض المعاصرين بظاهر بعض الأحاديث في تأييد هذه القوانين، وقد فصَّلت ذلك في كتاب في «اشتراط رضا الزوج في الخلع» نقلت فيه النصوص القرآنية والحديثية وإجماع كلمة الفقهاء قاطبة على ذلك، وأقتصر هاهنا بعض الأحاديث النبوية لما وقع فيها من الإشكال، لعلّ الله أن ينفع بها لرفع هذا البلاء، فأقول:
ورد أحاديث في الخلع لا سيما في قصة ثابت بن قيس - رضي الله عنه - مع بعض نسائه، كنّ طلبن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المخالعة من ثابت مقابل أن تردّ كلّ واحدة منهنّ له المهر الذي أعطاها إياه وهي حديقة، وكان سبب خلع كلّ واحدة منهما مختلفٌ عن الأخرى إلا أن بينهما اشتراك في أنه دميم الخلقة.
وهذه القصة رويت في أكثر كتب الحديث إلا أن في بعضها إجمالاً، الأخرى تفصيل، فمَن أراد الاطلاع على تمام أحداثها فعليه أن ينظر في كافة رواياتها، وهاهي معروضة بألفاظها واختلافاتها مع كلام الشراح في بيان مفرداتها؛ ليزول أي إشكال في فهمها:
فعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - أن امرأةً ثابت بن قيس - رضي الله عنه - أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: «يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكنّي أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتردين عليه حديقته، قالت: نعم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اقبل الحديقة وطلِّقها تطليقة» في «صحيح البخاري» (5: 2020)، وغيره.
ومعنى: (وما أعتب عليه في خلق ولا دين) أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه، لكن في بعض الروايات أنه كسر يدها، فيحمل على أنها أرادت أنه سيء الخلق، لكنها ما تعيبه بذلك بل بشيء آخر، كما في «فتح الباري» (3: 311)، و «إرشاد الساري» (8: 150)، وهو أنه كان دميم الخلقة، فعن ابن عمرو وسهل بن أبي حثمة - رضي الله عنهم - قال: «كانت حبيبة تحت ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري فكرهته وكان رجلاً دميماً فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت يا رسول الله إنّي لأراه، فلولا مخافة الله عزّ وجل لبزقت في وجهه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟ قالت: نعم فأرسل إليه، فردت عليه حديقته، وفرَّق بينهما، فكان ذلك أول خلع كان في الإسلام» في «مسند أحمد» (4: 3)، و «المعجم الكبير» (6: 103)، وغيرها.
ويتجلَّى ذلك بوضوح في رواية ابن عباس - رضي الله عنهم -: «أول خلع كان في الإسلام امرأة ثابت بن قيس أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبداً، إنّي رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة، فإذا هو أشدّهم سواداً، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجهاً، فقال: أتردِّين عليه حديقته؟ قالت: نعم وإن شاء زدته، ففرق بينهما» في «فتح الباري» (9: 311)، و «شرح الزرقاني» (3: 238)، وغيرهما.
ومعنى: «أكره الكفر في الإسلام»: أي أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر، كما في «إرشاد الساري» (8: 150)، وفي رواية: «إلا أني أخاف الكفر» في «صحيح البخاري» (5: 2022)، قال ابن حجر في «فتح الباري» (9: 311): وكأنها أشارت إلى أنها قد تحملها شدة كراهتها له على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه، وهي كانت تعرف أن ذلك حرام، لكن خشيت أن تحملها شدة البغض على الوقوع فيه. ويحتمل أن تريد بالكفر كفران العشير؛ إذ هو تقصير المرأة في حق الزوج.
وقال الطيبي: المعنى أخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي حكمه من نشوز وترك وغيرها مما يتوقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها إذا كان بالضد منها، فأطلقت على ما ينافي مقتضى الإسلام الكفر، ويحتمل أن يكون في كلامها إضمار: أي أكره لوازم الكفر من المعاداة والشقاق والخصومة. ويتوافق مع هذا المعنى رواية: «ولكني لا أطيقه» في «صحيح البخاري» (5: 2021).
ومعنى: «اقبل حديقتها وطلِّقها تطليقةً»، وفي رواية: «فردَّتها وأمره يطلِّقَها» في «صحيح البخاري» (5: 2021)، وفي رواية: «فردَّت عليه وأمره ففارقَها» في «صحيح البخاري» (5: 2022)، وفي رواية: «خذ منها، فأخذ منها» في «صحيح ابن حبان» (10: 110)، و «سنن أبي داود» (2: 268)، و «الموطأ» (2: 465): أن الأمر فيه من باب النصح من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس - رضي الله عنه -؛ لأنه لَمَّا علمَ أن امرأته لا تطيقه ولا يمكنها العيش معه، وقد وافقت على أن توفيه حقّه من المال فالأفضل له أن يقبل ذلك ويطلقها، وهذا ما نصح به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وليس المعنى كما تأوّله بعض أهل زماننا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألغى دور الرجل في الخلع، واكتفى بموافقة المرأة على دفع البدل؛ لأن هذا الفهم مستشنع وبشع للغاية لم يقله أحد يعتد به لا من السلف ولا من الخلف.
ويمكن بيان بطلان هذا الفهم من وجوه منها:
الأول: أنه يتعارض تعارضاً تاماً مع نصوص القرآن الكريم الواردة في الطلاق؛ إذ أنها ملكت الرجل الحقّ في الطلاق، ولم تملكه لغيره إلا إذا الرجل ملكه لغيره.
الثاني: أن شراح الحديث المعتمدين نصوا على أن أمره - صلى الله عليه وسلم - لثابت - رضي الله عنه - إنما هو لإرشاده للأفضل والأصلح له، لا أنه يجب عليه طلاقها.
فقال ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» (9: 312): «هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب».
وقال القسطلاني في «إرشاد الساري» (8: 150): «هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب». وقال أيضاً: «ولم يكن أمره - صلى الله عليه وسلم - بفراقها أمر إيجاب وإلزام بالطلاق، بل أمر إرشاد إلى ما هو الأصوب».
وقال بدر الدين العيني في «عمدة القاري» (20: 260): «الأمر فيه للإرشاد والاستصلاح لا للإيجاب والإلزام».
وقال أبو الوليد الباجي في «المنتقى» (4: 61) معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «خذ منها؛ إباحة منه - صلى الله عليه وسلم - أخذ الفداء منها, وقد يصحّ أن يكون ندباً إلى ذلك لما رأى من إشفاقها واستضرارها بالمقام معه, وقد بلغ ذلك منها إلى أن خافت أن تأتي ما تأثم به».
وقال الزرقاني في «شرح الموطأ» (3: 184): «أمر إرشاد وإصلاح لا أمر إيجاب».
الثالث: أن بعضَ الروايات بيَّنت هذا الإجمال والاختصار الوارد في بعضها، وذكرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بذلك وعرضه على ثابت بن قيس - رضي الله عنه - فوافق عليه توقيراً منه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنه اختار ما فيه الخير والصلاح له، وفي ذلك بيان واضح لعدم إهمال دور الرجل في الخلع، وخروجه عن إرادته.
فعن عطاء قال: «أتت امرأة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إنّي أبغض زوجي وأحبّ فراقه، فقال أتردِّين عليه حديقته التي أصدقك؟ قال: وكان أصدقها حديقة، قالت: نعم وزيادة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أما الزيادة من مالك فلا، ولكن الحديقة، قالت: نعم، فقضى بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - على الرجل، فأخبر بقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: قد قبلت قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» في «مصنف عبد الرزاق» (6: 502)، و «سنن البيهقي الكبير» (7: 313).
وعن أبي الزبير أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي بن سلول، وكان أصدقها حديقة فكرهته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتردِّين عليه حديقته التي أعطاك؟ قالت: نعم وزيادة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أما الزيادة فلا ولكن حديقته، فقالت: نعم فأخذها له وخلَّى سبيلها، فلما بلغَ ذلك ثابت بن قيس بن شماس - رضي الله عنه -، قال: قد قبلت قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سمعه أبو الزبير من غير واحد» في «مصنف عبد الرزاق» (6: 502)، و «سنن الدارقطني» (3: 255)، و «سنن البيهقي الكبير» (7: 313)، وإسناده صحيح، كما في «إعلاء السنن» (11: 255).
وليس هذا فحسب، بل إن بعض الروايات فصَّلت بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا ثابت بن قيس - رضي الله عنه - ليحضر، وعرض عليه أن يأخذ ما أعطاها مقابل أن يطلِّقَها، فاستغرب ثابت - رضي الله عنه - أن يكون له مثل ذلك وهو أخذ ما أعطاها، فوافق وطلَّقَها، وهذا المعنى الذي ينبغي التعويل عليه:
فعن عائشة رضي الله عنها: «إن حبيبة بنت سهل تزوجت ثابت بن قيس بن شماس فأصدقها حديقتين له، وكان بينهما اختلاف فضربَها حتى بلغَ أن كسرَ يدَها فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفجر فوقفت له حتى خرج عليها، فقالت يا رسول الله: هذا مقام العائذ من ثابت بن قيس بن شماس، قال: ومن أنت، قالت: حبيبة بنت سهل، قال: ما شأنك تربت يداك، قالت: ضربني فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ثابت بن قيس فذكر ثابت ما بينهما، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا أعطيتها، قال: قطعتين من نخل أو حديقتين، قال: فهل لك أن تأخذ بعض مالك وتترك لها بعضه، قال: هل يصلح ذلك يا رسول الله، قال: نعم فأخذ إحداهما ففارقها، ثمّ تزوَّجَها أبي بن كعب - رضي الله عنه - بعد ذلك، فخرج بها إلى الشام فتوفيت هناك» في «سنن البيهقي الكبير» (7: 315).
وعن سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -: «إن امرأة كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكان أصدقها حديقة، وكان غيوراً فضربها فكسر يدها، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فاشتكت إليه، فقالت: أنا أرد إليه حديقته، قال: أو تفعلين، قالت: نعم فدعا زوجها، فقال: إنّها ترد عليك حديقتك، قال: أو ذلك لي، قال: نعم، قال: فقد قبلت يا رسول الله، فقال: النبي - صلى الله عليه وسلم - اذهبا فهي واحدة، ثم نكحت بعده رفاعة العابدي فضربها، فجاءت عثمان، فقالت: أنا أردّ إليه صداقه فدعاه عثمان فقبل، فقال عثمان: اذهبي فهي واحدة» في «مصنف عبد الرزاق» (6: 482 - 483)، وغيره.
الرابع: إن كبارَ الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا إذ خلعوا امرأة من زوجها، جعلوا الأمر إليه إن وافق، كان بها، وإلا فلا، ويؤيِّد ذلك الرواية السابقة، وفي آخرها: «ثم نكحت بعده رفاعة العابدي فضربها، فجاءت عثمان، فقالت: أنا أردّ إليه صداقه فدعاه عثمان فقبل، فقال: عثمان اذهبي فهي واحدة».
وأيضاً: عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: تزوجت ابن عم لي فشقى بي وشقيت به، وعَنِيَ بي وعَنِيت به، وإني استأديت عليه عثمان - رضي الله عنه - فظلمني وظلمته، وكثر عليّ وكثرت عليه، وإنّها انفلتت منِّي كلمةً أنا أفتدي بمالي كلّه، قال: قد قبلت، فقال عثمان - رضي الله عنه -: خذ منها، قالت: فانطلقت فدفعت إليه متاعي كلّه إلا ثيابي وفراشي، وإنه قال لي: لا أرضى، وإنّه استأداني على عثمان - رضي الله عنه - فلَمَّا دنونا منه، قال: يا أمير المؤمنين الشرط أملك، قال: أجل فخذ منها متاعها حتى عقاصها، قالت: فانطلقت فدفعت إليه كلَّ شيء حتى أجفت بيني وبينه في «مصنف عبد الرزاق» (6: 482 - 483).
فهاتان الروايتان واضحتان في الدلالة على أنه لا بدّ من موافقة الرجل على الخلع؛ لأن الأمر ملكه، مَلَّكه إياه الشارع، فلا يملك أحد نزعه منه كما ورد في الأحاديث والآثار.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
.............................................................................................................................
===
فعل المرأة وهو الافتداء، ولم يذكرْ فعلَ الزوج مع أنّه جمعها في قوله: {فلا جناح عليهما}.
ومن المعلوم أنّه لا يحصلُ التخلّص إلا بفعلِ الزوج، فعلم بطريقِ الضرورةِ أنّ فعلَ الزوج هو الذي تقرّر فيما سبق، وما لحق وهو الطلاق، فكان هذا بياناً لنوعِ الطلاقِ بمالٍ وبغير مال، وفي جعلِ آية الخلع معترضة بين ذكرِ الطلاقِ كما ظنّه القائلونَ بالفسخ فساد التركيب، وفي المقام أسئلة وأجوبة مذكورة في «كشف الأسرار» (¬1) و «التلويح» (¬2) وغيرهما.
ثمّ ثمرةُ الخلاف بين كون الخلعِ فسخاً، وبين كونه طلاقاً: هو أنّ الخلعَ ينقصُ عدد الطلاق، ويكون عدّة المطلّقة على الثاني دون الأوّل، ولقد أعجب بعض علماءِ عصرنا حيث ظنّ أنّ الخلعَ فسخ لا يتوقّف على تراضي الزوج، ففرّق بين امرأةٍ وزوجها جهراً وقهراً من غير رضاه (¬3)، واستندَ في ذلك بعبارةِ الشوكانيّ في رسالته «الدرر البهيّة» مع عدم دلالتها على ما فهمه كما لا يخفى على من تأمّلها بنظرِ التحقيق.
¬__________
(¬1) «كشف الأسرار» (1: 90).
(¬2) «التلويح» (1: 65).
(¬3) أقول: هذا العجب الذي ذكره الإمام اللكنوي صار مقرراً في بعض قوانين الدولة الإسلامية، بحيث صارت المرأة تملك طلاقاً أقوى من طلاق الرجل، فإنها إذا أرادت فراق زوجها ما عليها إلا أن تطلب من القاضي الخلع من زوجها، فيجبر القاضي على المخالعة بينها وبينه ولا تقدم له إلا مهرها، ولا تلتزم بأي حقوق مالية أو معنوية، في حين إذا أراد الزوج أن يطلقها عليه أن يدفع لها مهرها المتأخر مع نفقة العدة والحضانة وغيرها، وبهذا صار الطلاق بيد المرأة على صورة الخلع هذه أقوى بكثير من طلاق الرجل، ولم يقل به أحد يعتد به من الفقهاء لمخالفته لصريح القرآن والسنة.
وقد اغترّ بعض المعاصرين بظاهر بعض الأحاديث في تأييد هذه القوانين، وقد فصَّلت ذلك في كتاب في «اشتراط رضا الزوج في الخلع» نقلت فيه النصوص القرآنية والحديثية وإجماع كلمة الفقهاء قاطبة على ذلك، وأقتصر هاهنا بعض الأحاديث النبوية لما وقع فيها من الإشكال، لعلّ الله أن ينفع بها لرفع هذا البلاء، فأقول:
ورد أحاديث في الخلع لا سيما في قصة ثابت بن قيس - رضي الله عنه - مع بعض نسائه، كنّ طلبن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المخالعة من ثابت مقابل أن تردّ كلّ واحدة منهنّ له المهر الذي أعطاها إياه وهي حديقة، وكان سبب خلع كلّ واحدة منهما مختلفٌ عن الأخرى إلا أن بينهما اشتراك في أنه دميم الخلقة.
وهذه القصة رويت في أكثر كتب الحديث إلا أن في بعضها إجمالاً، الأخرى تفصيل، فمَن أراد الاطلاع على تمام أحداثها فعليه أن ينظر في كافة رواياتها، وهاهي معروضة بألفاظها واختلافاتها مع كلام الشراح في بيان مفرداتها؛ ليزول أي إشكال في فهمها:
فعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - أن امرأةً ثابت بن قيس - رضي الله عنه - أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: «يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكنّي أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتردين عليه حديقته، قالت: نعم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اقبل الحديقة وطلِّقها تطليقة» في «صحيح البخاري» (5: 2020)، وغيره.
ومعنى: (وما أعتب عليه في خلق ولا دين) أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه، لكن في بعض الروايات أنه كسر يدها، فيحمل على أنها أرادت أنه سيء الخلق، لكنها ما تعيبه بذلك بل بشيء آخر، كما في «فتح الباري» (3: 311)، و «إرشاد الساري» (8: 150)، وهو أنه كان دميم الخلقة، فعن ابن عمرو وسهل بن أبي حثمة - رضي الله عنهم - قال: «كانت حبيبة تحت ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري فكرهته وكان رجلاً دميماً فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت يا رسول الله إنّي لأراه، فلولا مخافة الله عزّ وجل لبزقت في وجهه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟ قالت: نعم فأرسل إليه، فردت عليه حديقته، وفرَّق بينهما، فكان ذلك أول خلع كان في الإسلام» في «مسند أحمد» (4: 3)، و «المعجم الكبير» (6: 103)، وغيرها.
ويتجلَّى ذلك بوضوح في رواية ابن عباس - رضي الله عنهم -: «أول خلع كان في الإسلام امرأة ثابت بن قيس أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبداً، إنّي رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة، فإذا هو أشدّهم سواداً، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجهاً، فقال: أتردِّين عليه حديقته؟ قالت: نعم وإن شاء زدته، ففرق بينهما» في «فتح الباري» (9: 311)، و «شرح الزرقاني» (3: 238)، وغيرهما.
ومعنى: «أكره الكفر في الإسلام»: أي أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر، كما في «إرشاد الساري» (8: 150)، وفي رواية: «إلا أني أخاف الكفر» في «صحيح البخاري» (5: 2022)، قال ابن حجر في «فتح الباري» (9: 311): وكأنها أشارت إلى أنها قد تحملها شدة كراهتها له على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه، وهي كانت تعرف أن ذلك حرام، لكن خشيت أن تحملها شدة البغض على الوقوع فيه. ويحتمل أن تريد بالكفر كفران العشير؛ إذ هو تقصير المرأة في حق الزوج.
وقال الطيبي: المعنى أخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي حكمه من نشوز وترك وغيرها مما يتوقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها إذا كان بالضد منها، فأطلقت على ما ينافي مقتضى الإسلام الكفر، ويحتمل أن يكون في كلامها إضمار: أي أكره لوازم الكفر من المعاداة والشقاق والخصومة. ويتوافق مع هذا المعنى رواية: «ولكني لا أطيقه» في «صحيح البخاري» (5: 2021).
ومعنى: «اقبل حديقتها وطلِّقها تطليقةً»، وفي رواية: «فردَّتها وأمره يطلِّقَها» في «صحيح البخاري» (5: 2021)، وفي رواية: «فردَّت عليه وأمره ففارقَها» في «صحيح البخاري» (5: 2022)، وفي رواية: «خذ منها، فأخذ منها» في «صحيح ابن حبان» (10: 110)، و «سنن أبي داود» (2: 268)، و «الموطأ» (2: 465): أن الأمر فيه من باب النصح من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس - رضي الله عنه -؛ لأنه لَمَّا علمَ أن امرأته لا تطيقه ولا يمكنها العيش معه، وقد وافقت على أن توفيه حقّه من المال فالأفضل له أن يقبل ذلك ويطلقها، وهذا ما نصح به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وليس المعنى كما تأوّله بعض أهل زماننا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألغى دور الرجل في الخلع، واكتفى بموافقة المرأة على دفع البدل؛ لأن هذا الفهم مستشنع وبشع للغاية لم يقله أحد يعتد به لا من السلف ولا من الخلف.
ويمكن بيان بطلان هذا الفهم من وجوه منها:
الأول: أنه يتعارض تعارضاً تاماً مع نصوص القرآن الكريم الواردة في الطلاق؛ إذ أنها ملكت الرجل الحقّ في الطلاق، ولم تملكه لغيره إلا إذا الرجل ملكه لغيره.
الثاني: أن شراح الحديث المعتمدين نصوا على أن أمره - صلى الله عليه وسلم - لثابت - رضي الله عنه - إنما هو لإرشاده للأفضل والأصلح له، لا أنه يجب عليه طلاقها.
فقال ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» (9: 312): «هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب».
وقال القسطلاني في «إرشاد الساري» (8: 150): «هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب». وقال أيضاً: «ولم يكن أمره - صلى الله عليه وسلم - بفراقها أمر إيجاب وإلزام بالطلاق، بل أمر إرشاد إلى ما هو الأصوب».
وقال بدر الدين العيني في «عمدة القاري» (20: 260): «الأمر فيه للإرشاد والاستصلاح لا للإيجاب والإلزام».
وقال أبو الوليد الباجي في «المنتقى» (4: 61) معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «خذ منها؛ إباحة منه - صلى الله عليه وسلم - أخذ الفداء منها, وقد يصحّ أن يكون ندباً إلى ذلك لما رأى من إشفاقها واستضرارها بالمقام معه, وقد بلغ ذلك منها إلى أن خافت أن تأتي ما تأثم به».
وقال الزرقاني في «شرح الموطأ» (3: 184): «أمر إرشاد وإصلاح لا أمر إيجاب».
الثالث: أن بعضَ الروايات بيَّنت هذا الإجمال والاختصار الوارد في بعضها، وذكرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بذلك وعرضه على ثابت بن قيس - رضي الله عنه - فوافق عليه توقيراً منه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنه اختار ما فيه الخير والصلاح له، وفي ذلك بيان واضح لعدم إهمال دور الرجل في الخلع، وخروجه عن إرادته.
فعن عطاء قال: «أتت امرأة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إنّي أبغض زوجي وأحبّ فراقه، فقال أتردِّين عليه حديقته التي أصدقك؟ قال: وكان أصدقها حديقة، قالت: نعم وزيادة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أما الزيادة من مالك فلا، ولكن الحديقة، قالت: نعم، فقضى بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - على الرجل، فأخبر بقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: قد قبلت قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» في «مصنف عبد الرزاق» (6: 502)، و «سنن البيهقي الكبير» (7: 313).
وعن أبي الزبير أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي بن سلول، وكان أصدقها حديقة فكرهته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتردِّين عليه حديقته التي أعطاك؟ قالت: نعم وزيادة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أما الزيادة فلا ولكن حديقته، فقالت: نعم فأخذها له وخلَّى سبيلها، فلما بلغَ ذلك ثابت بن قيس بن شماس - رضي الله عنه -، قال: قد قبلت قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سمعه أبو الزبير من غير واحد» في «مصنف عبد الرزاق» (6: 502)، و «سنن الدارقطني» (3: 255)، و «سنن البيهقي الكبير» (7: 313)، وإسناده صحيح، كما في «إعلاء السنن» (11: 255).
وليس هذا فحسب، بل إن بعض الروايات فصَّلت بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا ثابت بن قيس - رضي الله عنه - ليحضر، وعرض عليه أن يأخذ ما أعطاها مقابل أن يطلِّقَها، فاستغرب ثابت - رضي الله عنه - أن يكون له مثل ذلك وهو أخذ ما أعطاها، فوافق وطلَّقَها، وهذا المعنى الذي ينبغي التعويل عليه:
فعن عائشة رضي الله عنها: «إن حبيبة بنت سهل تزوجت ثابت بن قيس بن شماس فأصدقها حديقتين له، وكان بينهما اختلاف فضربَها حتى بلغَ أن كسرَ يدَها فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفجر فوقفت له حتى خرج عليها، فقالت يا رسول الله: هذا مقام العائذ من ثابت بن قيس بن شماس، قال: ومن أنت، قالت: حبيبة بنت سهل، قال: ما شأنك تربت يداك، قالت: ضربني فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ثابت بن قيس فذكر ثابت ما بينهما، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا أعطيتها، قال: قطعتين من نخل أو حديقتين، قال: فهل لك أن تأخذ بعض مالك وتترك لها بعضه، قال: هل يصلح ذلك يا رسول الله، قال: نعم فأخذ إحداهما ففارقها، ثمّ تزوَّجَها أبي بن كعب - رضي الله عنه - بعد ذلك، فخرج بها إلى الشام فتوفيت هناك» في «سنن البيهقي الكبير» (7: 315).
وعن سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -: «إن امرأة كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكان أصدقها حديقة، وكان غيوراً فضربها فكسر يدها، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فاشتكت إليه، فقالت: أنا أرد إليه حديقته، قال: أو تفعلين، قالت: نعم فدعا زوجها، فقال: إنّها ترد عليك حديقتك، قال: أو ذلك لي، قال: نعم، قال: فقد قبلت يا رسول الله، فقال: النبي - صلى الله عليه وسلم - اذهبا فهي واحدة، ثم نكحت بعده رفاعة العابدي فضربها، فجاءت عثمان، فقالت: أنا أردّ إليه صداقه فدعاه عثمان فقبل، فقال عثمان: اذهبي فهي واحدة» في «مصنف عبد الرزاق» (6: 482 - 483)، وغيره.
الرابع: إن كبارَ الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا إذ خلعوا امرأة من زوجها، جعلوا الأمر إليه إن وافق، كان بها، وإلا فلا، ويؤيِّد ذلك الرواية السابقة، وفي آخرها: «ثم نكحت بعده رفاعة العابدي فضربها، فجاءت عثمان، فقالت: أنا أردّ إليه صداقه فدعاه عثمان فقبل، فقال: عثمان اذهبي فهي واحدة».
وأيضاً: عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: تزوجت ابن عم لي فشقى بي وشقيت به، وعَنِيَ بي وعَنِيت به، وإني استأديت عليه عثمان - رضي الله عنه - فظلمني وظلمته، وكثر عليّ وكثرت عليه، وإنّها انفلتت منِّي كلمةً أنا أفتدي بمالي كلّه، قال: قد قبلت، فقال عثمان - رضي الله عنه -: خذ منها، قالت: فانطلقت فدفعت إليه متاعي كلّه إلا ثيابي وفراشي، وإنه قال لي: لا أرضى، وإنّه استأداني على عثمان - رضي الله عنه - فلَمَّا دنونا منه، قال: يا أمير المؤمنين الشرط أملك، قال: أجل فخذ منها متاعها حتى عقاصها، قالت: فانطلقت فدفعت إليه كلَّ شيء حتى أجفت بيني وبينه في «مصنف عبد الرزاق» (6: 482 - 483).
فهاتان الروايتان واضحتان في الدلالة على أنه لا بدّ من موافقة الرجل على الخلع؛ لأن الأمر ملكه، مَلَّكه إياه الشارع، فلا يملك أحد نزعه منه كما ورد في الأحاديث والآثار.