عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج
0080باب النفقة
.................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأصحابُنا - رضي الله عنه - لمَّا شاهدوا الضَّرورة في التَّفريق؛ لأنَّ دفعَ الحاجةِ الدَّائمةِ لا يتيسَّرُ بالاستدانة، والظَّاهرُ أنَّها لا تجدُ مَن يقرضُها، وغِنَى الزَّوجِ في المالِ أمرٌ متوهمٌ استحسنوا [1] أن ينصبَ القاضي نائباً شافِعِيَّ المذهبِ يُفرِّقُ بينَهما.
===
والسنّة أحد الأمرين:
إما أن يمسكها بمعروفٍ.
وإمّا أن يسرّحها ويطلقَ عنانها.
وقد عجزَ بعجزه عن النفقة لإعساره عن الإمساكِ بالمعروف، فيجب عليه أن يسرّحها ويفارقها، وإذ لم يفعله وتضرَّرت المرأةُ قامَ القاضي مقامه؛ لكونه ذا ولايةٍ عامّة، فيفرّق بينهما، ونظيره التفريقُ في الزوج العِنّينِ والمجبوب.
ونحن نقول: إنّما جازَ تفريقه في الجبّ والعِنّة لفواتِ أصلِ المقصود من النكاح، وهو التوالد والتناسل، ولا كذلك المال، فإنّه تابعٌ في النكاح، فلا يستوجبُ فوته التفريق، ويمكن دفعُ حاجتها الدائمة بأمرِ للاستقراض عليه، فلا تتضرّر المرأةُ في هذه الصورة كتضرّرها في الجبّ والعنّة، حتى يلزمَ عليه التسريحُ بإحسان، ويقوم القاضي مقامه.
وقد يستدلّ الشافعيّ - رضي الله عنه - بحديث أبي هريرةَ أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الرجلِ لا يجد ما ينفق على امرأته: «يفرّق بينهما»، أخرجه الدارَقُطْنيّ والبَيْهَقيّ، وهذا نصّ في الباب، فلا يقبل قول مخالف له، فإنّ القولَ ما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا ما قاله غيره مخالفاً لقوله كائناً مَن كان، لكنّه حديثٌ معلولٌ غير ثابت كما حقّقه الحافظُ ابن حَجَر - رضي الله عنه - في «تلخيص الحبير»، ونقّح أنّ الدارَقُطْنيّ وهم في روايته، وتبعه في خطئه البَيْهَقيُّ، نعم روى مثله عن سعيد بن المسيّب - رضي الله عنه - موقوفاً عليه.
وبالجملة: إن ثبتَ في هذا الباب حديثٌ مرفوعٌ بسندٍ معتمدٍ حاكم بالتفريقِ فعلى الرأس والعين، وإلا فالقولُ ما قال أصحابُنا ما لم تدعُ إلى التفريق الحاجة بأن لم يتيسر الاستدانة أيضاً.
[1] قوله: استحسنوا؛ جزاء لقوله: «لمّا شاهدوا ... » الخ؛ قال أبو حفص الاستروشني في «فصوله»: إذا ثبتَ العجزُ بشهادة الشهود، فإن كان القاضي شافعيّاً وفرَّقَ بينهما نفذَ قضاؤه، وإن كان حنفيّاً لا ينبغي له أن يقضيَ بخلاف مذهبه إلا أن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأصحابُنا - رضي الله عنه - لمَّا شاهدوا الضَّرورة في التَّفريق؛ لأنَّ دفعَ الحاجةِ الدَّائمةِ لا يتيسَّرُ بالاستدانة، والظَّاهرُ أنَّها لا تجدُ مَن يقرضُها، وغِنَى الزَّوجِ في المالِ أمرٌ متوهمٌ استحسنوا [1] أن ينصبَ القاضي نائباً شافِعِيَّ المذهبِ يُفرِّقُ بينَهما.
===
والسنّة أحد الأمرين:
إما أن يمسكها بمعروفٍ.
وإمّا أن يسرّحها ويطلقَ عنانها.
وقد عجزَ بعجزه عن النفقة لإعساره عن الإمساكِ بالمعروف، فيجب عليه أن يسرّحها ويفارقها، وإذ لم يفعله وتضرَّرت المرأةُ قامَ القاضي مقامه؛ لكونه ذا ولايةٍ عامّة، فيفرّق بينهما، ونظيره التفريقُ في الزوج العِنّينِ والمجبوب.
ونحن نقول: إنّما جازَ تفريقه في الجبّ والعِنّة لفواتِ أصلِ المقصود من النكاح، وهو التوالد والتناسل، ولا كذلك المال، فإنّه تابعٌ في النكاح، فلا يستوجبُ فوته التفريق، ويمكن دفعُ حاجتها الدائمة بأمرِ للاستقراض عليه، فلا تتضرّر المرأةُ في هذه الصورة كتضرّرها في الجبّ والعنّة، حتى يلزمَ عليه التسريحُ بإحسان، ويقوم القاضي مقامه.
وقد يستدلّ الشافعيّ - رضي الله عنه - بحديث أبي هريرةَ أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الرجلِ لا يجد ما ينفق على امرأته: «يفرّق بينهما»، أخرجه الدارَقُطْنيّ والبَيْهَقيّ، وهذا نصّ في الباب، فلا يقبل قول مخالف له، فإنّ القولَ ما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا ما قاله غيره مخالفاً لقوله كائناً مَن كان، لكنّه حديثٌ معلولٌ غير ثابت كما حقّقه الحافظُ ابن حَجَر - رضي الله عنه - في «تلخيص الحبير»، ونقّح أنّ الدارَقُطْنيّ وهم في روايته، وتبعه في خطئه البَيْهَقيُّ، نعم روى مثله عن سعيد بن المسيّب - رضي الله عنه - موقوفاً عليه.
وبالجملة: إن ثبتَ في هذا الباب حديثٌ مرفوعٌ بسندٍ معتمدٍ حاكم بالتفريقِ فعلى الرأس والعين، وإلا فالقولُ ما قال أصحابُنا ما لم تدعُ إلى التفريق الحاجة بأن لم يتيسر الاستدانة أيضاً.
[1] قوله: استحسنوا؛ جزاء لقوله: «لمّا شاهدوا ... » الخ؛ قال أبو حفص الاستروشني في «فصوله»: إذا ثبتَ العجزُ بشهادة الشهود، فإن كان القاضي شافعيّاً وفرَّقَ بينهما نفذَ قضاؤه، وإن كان حنفيّاً لا ينبغي له أن يقضيَ بخلاف مذهبه إلا أن