عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج
0089يمين الأكل
وهذا البُرُّ بأكلِهِ قضماً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وهذا البُرُّ بأكلِهِ قضماً [1])، هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - خلافاً لهما، بناءً [2] على أن اللَّفْظَ إن كان له معنىً حقيقيٌّ مستعمل [3]
===
[1] قوله: قضماً؛ يقال قضمت الدابّة تقضمه، من باب تعب، ومن باب ضرب أيضاً، لغة: كسرته بأطرافِ الأسنان، قال في «الفتح»: «وليس المراد حقيقةُ القضم، بل أن يأكلَ عينها بأطرافِ الأسنانِ أو سطوحها» (¬1).
[2] قوله: بناء؛ يعني هذا الخلافُ مبنيٌّ على خلافٍ آخر في مسألةِ متعلّقة بالأصول، قال التَّفْتازانيّ في «التلويح»: «الحقيقةُ إذا كانت مهجورةً، فالعملُ بالمجازِ اتّفاقاً، وإلا فإن لم يصر المجازُ متعارفاً: أي غالباً في التعاملِ عند بعضِ المشايخ، وفي التفاهم عند البعض، فالعملُ بالحقيقة اتّفاقاً، وإن صار متعارفاً فعنده العبرةُ بالحقيقة؛ لأنَّ الأصلَ لا يتركُ إلا ضرورة، وعندهما: العبرةُ بالمجاز؛ لأنَّ المرجوحَ في مقابلةِ الراجح ساقطٌ بمنزلةِ المهجور، فيتركُ ضرورة.
وجوابه: إنّ غلبةَ استعمالِ المجازِ لا تجعلُ الحقيقة مرجوحة؛ لأنَّ العلّةَ لا تترجَّح بالزيادةِ من جنسها، فيكون الاستعمالُ في حدّ التعارض، وهذا مشعرٌ بترجّح المجازِ المتعارف عندهما، سواءً كان عامّاً متناولاً للحقيقة أو لا، وفي كلام فخرِ الإسلام وغيره - رضي الله عنهم - ما يدلّ على أنّه إنّما يترجّح عندهما إذا تناولَ الحقيقة بعمومه، كما في مسألةِ الحنطة.
حيث قالوا: إن هذا الاختلافَ مبنيّ على اختلافِهم في جهة خَلْفيّة المجاز، فعندهما: لمّا كانت الخَلْفيّة في الحكم كان حكمُ المجازِ لعمومِهِ حكم الحقيقة أولى، وعنده لمّا كان في التكلّم كان جعل الكلام عاملاً في معناه الحقيقيّ أولى». انتهى (¬2).
[3] قوله: مستعمل؛ احترز به عمّا إذا تركَ استعماله في الحقيقيّ، فإنّه حينئذٍ المصيرُ إلى المجازِ اتّفاقاً كما مرّ، سواءً تعذّر، وهو ما لا يمكنُ الوصولُ إليه بمشقّة كأكل النخلة، فإن معناه الحقيقيّ وهو أكلُ عينها متعذّراً، وكان ممكناً، إلا أنَّ الناس هجروه وتركوه، نحو: لا يضع قدمه في دار فلان، فإنّ حقيقتَه؛ أي وضعُ القدمِ حافياً متروكٌ عندهم، فإنّهم يريدون به الدخول.
¬__________
(¬1) انتهى من «فتح القدير» (5: 125).
(¬2) من «التلويح» (1: 179).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وهذا البُرُّ بأكلِهِ قضماً [1])، هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - خلافاً لهما، بناءً [2] على أن اللَّفْظَ إن كان له معنىً حقيقيٌّ مستعمل [3]
===
[1] قوله: قضماً؛ يقال قضمت الدابّة تقضمه، من باب تعب، ومن باب ضرب أيضاً، لغة: كسرته بأطرافِ الأسنان، قال في «الفتح»: «وليس المراد حقيقةُ القضم، بل أن يأكلَ عينها بأطرافِ الأسنانِ أو سطوحها» (¬1).
[2] قوله: بناء؛ يعني هذا الخلافُ مبنيٌّ على خلافٍ آخر في مسألةِ متعلّقة بالأصول، قال التَّفْتازانيّ في «التلويح»: «الحقيقةُ إذا كانت مهجورةً، فالعملُ بالمجازِ اتّفاقاً، وإلا فإن لم يصر المجازُ متعارفاً: أي غالباً في التعاملِ عند بعضِ المشايخ، وفي التفاهم عند البعض، فالعملُ بالحقيقة اتّفاقاً، وإن صار متعارفاً فعنده العبرةُ بالحقيقة؛ لأنَّ الأصلَ لا يتركُ إلا ضرورة، وعندهما: العبرةُ بالمجاز؛ لأنَّ المرجوحَ في مقابلةِ الراجح ساقطٌ بمنزلةِ المهجور، فيتركُ ضرورة.
وجوابه: إنّ غلبةَ استعمالِ المجازِ لا تجعلُ الحقيقة مرجوحة؛ لأنَّ العلّةَ لا تترجَّح بالزيادةِ من جنسها، فيكون الاستعمالُ في حدّ التعارض، وهذا مشعرٌ بترجّح المجازِ المتعارف عندهما، سواءً كان عامّاً متناولاً للحقيقة أو لا، وفي كلام فخرِ الإسلام وغيره - رضي الله عنهم - ما يدلّ على أنّه إنّما يترجّح عندهما إذا تناولَ الحقيقة بعمومه، كما في مسألةِ الحنطة.
حيث قالوا: إن هذا الاختلافَ مبنيّ على اختلافِهم في جهة خَلْفيّة المجاز، فعندهما: لمّا كانت الخَلْفيّة في الحكم كان حكمُ المجازِ لعمومِهِ حكم الحقيقة أولى، وعنده لمّا كان في التكلّم كان جعل الكلام عاملاً في معناه الحقيقيّ أولى». انتهى (¬2).
[3] قوله: مستعمل؛ احترز به عمّا إذا تركَ استعماله في الحقيقيّ، فإنّه حينئذٍ المصيرُ إلى المجازِ اتّفاقاً كما مرّ، سواءً تعذّر، وهو ما لا يمكنُ الوصولُ إليه بمشقّة كأكل النخلة، فإن معناه الحقيقيّ وهو أكلُ عينها متعذّراً، وكان ممكناً، إلا أنَّ الناس هجروه وتركوه، نحو: لا يضع قدمه في دار فلان، فإنّ حقيقتَه؛ أي وضعُ القدمِ حافياً متروكٌ عندهم، فإنّهم يريدون به الدخول.
¬__________
(¬1) انتهى من «فتح القدير» (5: 125).
(¬2) من «التلويح» (1: 179).