أيقونة إسلامية

عمدة الرعاية على شرح الوقاية

صلاح أبو الحاج
عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج

0097حد القذف

فإن قال: يا زاني، فردَّهُ بلا بل أنت حُدَّا. ولو قال: لعرسِه يا زانية، فردَّتْ به حدَّتْ ولا لعان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بناءً على الأصلِ المشهور [1]، وهو: إنَّ حقَّ العبدِ يغلبُ على حقِّ اللهِ تعالى إذا اجتمعا؛ لاحتياجِ العبد، واستغناءِ اللهِ - جل جلاله -.
ونحن نُغلِّبُ فيه حقَّ اللهِ تعالى؛ لأنَّ حقَّ العبدِ هو رفعُ العارِ راجعٌ إلى حقِّ اللهِ تعالى أيضاً؛ لأنَّ النِّسبةَ إلى الزِّنا إنِّما تكونُ سبباً للعار؛ لأنَّ اللهَ تعالى حرَّمَه.
(فإن قال: يا زاني، فرَدَّهُ بلا بل أنت حُدَّا [2].
ولو قال [3]: لعِرْسِه يا زانية، فردَّتْ به حدَّتْ ولا لعان)؛ لأنَّها قَذَفَت الزَّوج فتُحَدّ، وقذفُه [4] إيَّاها لا يوجبُ الحدّ بل اللِّعان، وهي لم تبقَ أهلاً للعان
===
العهد، ولا يعملُ فيه الرجوعُ عن الإقرار، ولا يستوفى إلا بخصومةِ المقذوف. كذا في «النهاية».
[1] قوله: بناءً على الأصلِ المشهور؛ أشار به إلى أنّ هذا الأصلَ متّفق عليه بيننا وبين الشافعيّ - رضي الله عنه -، وإنّما وقع الخلافُ هاهنا بسبب الخلافِ في أنّ حقَّ العبد ها هنا راجعٌ إلى حقّ الله - جل جلاله - أو هو حقّ مستقلّ.
[2] قوله: حدّاً؛ يعني لو قال الرجل: يا زاني أو أنت زاني، أو نحو ذلك، فقال ذلك الرجل: لا، بل أنت وجبَ الحد عليهما؛ لأنّ معنى قوله: بل أنتَ، بل أنت زانٍ؛ لأنّ كلمةَ بل كلمةُ عطفٍ يستدرك بها الغلط، فيصير الخبرُ المذكور في الأوّل مذكوراً في الثاني، فيصيرُ كلّ منهما قاذفاً للآخر.
فإن قلت: قد صرَّحوا بأنّه لو قال لأحد: يا خبيث ونحو ذلك من ألفاظٍ يجبُ فيها، فقال: لا بل أنت لم يعزّر، فما وجهُ الفرق؟
قلت: وجهه إنّ التعزيرَ حقّ العباد، فإذا تشاتما تساويا، فلا تعزير على أحدٍ منها، بخلافِ القذف، فإنّ فيه حقّ الله - جل جلاله -، فلا يلزمُ من تساويهما سقوطُ الحدّ.
[3] قوله: ولو قال؛ أي الزوجُ بشرطِ أن يكون من أهل الشهادة؛ لأنّ مَن ليس أهلاً لها لا يوجبُ قذفه لزوجته لعاناً، بل حدَّاً على ما مرّ في بابه.
[4] قوله: وقذفه؛ يعني قذفَ الزوج زوجته بالزنى لا توجب حدّ القذف بل اللّعان على ما مرّ في «باب اللّعان»، وإنّما سقطَ اللعانُ هاهنا؛ لأنّه لَمّا حدث حدّ القذفِ لم تبقَ أهلاً للعان؛ لأنّه شهادة، ولا شهادةَ للمحدود في القذف.
وبزنيتُ بك هدراً
ثُمَّ [1] لا بُدَّ من تقديمِ الحدّ؛ لأنَّه أَقوى؛ لأنَّه إن قُدِمَ يسقطُ اللِّعان؛ لأنَّها لم تبقَ أهلاً له، وإن قُدِّمَ اللِّعان لا يَسْقُطُ الحدّ، وإذا وَجَبَ تقديمُهُ يُقَدَّم، ويَسْقُطُ اللِّعان
(وبزنيتُ بكَ [2] هدراً [3]): أي قال: لزوجتِه يا زانية، فرَدَّت بقولِها: زنيتُ بك هَدْراً؛ لأنَّ قولَ المرأةِ [4]:
1. يحتملُ أن يكونَ تصديقاً له: يعني زنيتُ بك قبل النِّكاح.
2. ويحتملُ أن يكونَ ردَّاً [5]:
[1] قوله: ثمّ ... الخ؛ جوابٌ عمّا يقال: لمَ قَدَّمَ حدَّها حتى سقطَ اللّعان، مع أنّه لو قَدَّمَ اللِّعانَ لا يسقطُ حدّ القذف عنها؛ لأنّ حدَّ القذف يجري على الملاعنة.
وحاصل الجواب: إنّ اللعانَ في معنى الحدّ، والحدّان إذا اجتمعا وفي تقديم أحدهما إسقاط الآخر، وجبَ تقديمه احتيالاً للدرء، وهاهنا: إن قدّم اللعانَ لا يسقطُ الحدّ، وإن قدّم الحدّ يسقطُ اللعان، فوجب تقديمُ الحدّ.
[2] قوله: بك؛ وكذا معك ونحوه، ولو لم يأتِ بصيغة الخطاب، بل قال: زنيت لا يحدّ هو؛ لأنّها صدّقته، ولو أجابته بما ليس فيه لفظ الخطاب بل قال: أنت أزنى منّي ونحو ذلك حدّت هي؛ لوجودِ القذف منها، ولو قال لأجنبيّة: يا زانية، فردّته بقوله: زنيت بك حدّت دونه؛ لتصديقها. كذا في «منح الغفّار»، و «الخانيّة».
[3قوله: هدراً؛ الضميرُ إلى القولين؛ أي قولُ الزوجِ يا زانية ونحوه، وقولُ الزوجةِ في جوابه: زنيت بك، يعني بطلَ القولان ولم يوجب قولُ الزوج اللعان، ولا قول الزوجةِ الحدّ.
[4] قوله: لأنّ قولَ المرأة ... الخ؛ حاصله: إن قولها: زنيت بك في جواب قوله: يا زانية، يحتمل أن يكون تصديقاً لقوله، فيكون معناه: زنيت بك قبل النكاح؛ إذ لا يمكن أن يكون الوطء بعد النكاح زناً.
وحينئذٍ يسقطُ عنها دعوى اللعان؛ إذ لا لعانَ بعد تصديق الزوجة قول الزوج، ويحتمل أن يكون ردَّاً عليه، فيكون الغرضُ منه أنّي ما مكّنت نفسي من غيرك، فإن كان هذا زنى فذلك، وحينئذٍ يسقطُ عنها الحدّ، فلمّا كان كلامها محتملاً للمعنيين وقعَ الشكّ فيبطلُ الحدُّ واللعانُ كلاهما.
[5] قوله: ويحتمل أن يكون ردّاً؛ فإن قالت: زنيت بك قبل أن أتزوجك، حدّت. كذا في «النهر».
المجلد
العرض
86%
تسللي / 2520