أيقونة إسلامية

عمدة الرعاية على شرح الوقاية

صلاح أبو الحاج
عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج

طبقات الحنفية

1. إمّا مجتهدٌ مستقل: ومن شروطه: فقه النفس، وسلامة الذهن، ورياضة الفكر، وصحّة التصرّف والاستنباط، والتيقّظ، ومعرفة الأدّلة وآلاتها المذكورة في الأصول وشروطها، والاقتباس منها مع الدراية والارتياض في استعمالها، ومع الفقه والضبطِ لأمّهات مسائله، وهذا عُدِمَ من أزمنةٍ طويلة.
2. وإمّا منتسب: وهو أربعة أقسام:
أحدُها: أن لا يقلِّدَ إمامَه في المذهب والدليل؛ لاتّصافه بصفةِ المستقلّ، وإنّما ينسبُ إليه لسلوكِ طريقه في الاجتهاد.
وثانيها: أن يكون مجتهداً مقيّداً في المذهب، مستقلاً بتقريرِ أصوله بالدليل، غير أنّه لا يتجاوزُ في أدلّة أصول إمامه وقواعده، وشرطه كونه عالماً بالفقهِ وأصوله وأدلّة الأحكامِ تفصيلاً، وكونه بصيراً بمسالك الأقيسة والمعاني، تامّ الارتياض في التخريج والاستنباط؛ لقياس غير المنصوص عليه؛ لعلمه بأصولِ إمامه، ولا يعرى عن تقليدٍ له، لإخلاله ببعض أدوات المستقلّ؛ كالنحو والحديث، وهذه صفةُ أصحابنا أصحاب الوجوه.
وثالثها: أن لا يبلغَ رتبةَ الوجوه، لكنّه فقيهٌ حافظٌ مذهبَ إمامه، قائم بتقرير أدلّته، يصوِّرُ ويحرِّرُ ويقرِّرُ ويمهِّدُ ويزيِّفُ ويرجِّح، وهذه صفةُ كثيرٍ من المتأخرينِ إلى أواخرِ المئة الرابعة الذين رتّبوا المذهب وحرّروا (¬1).
¬__________
(¬1) ومصدر الاجتهاد الوحيد عند هذه الطبقة كما فصلته في «المدخل» (ص223» هو: «ما نقل إليهم من كلام أئمةِ المذهبِ الذِين يقلِّدون أهله»، قال الإمام النووي الشافعي في «المجموع» (1: 76)، والإمام المرداوي الحنبلي (ت885هـ) في «الإنصاف» (12: 260): «يتخذ نصوص إمامه أصولاً يستنبط منها كفعل المستقلّ بنصوص الشرع». وإن اعترض عليهم بأن أقوال الأئمة غير معصومة فكيف تُنَزل مَنْزلة الوحيين المعصومين؛ لأن ما روي عن الإمام صاحِب المذهب ليس قرآناً، ولا أحاديث صحيحة، فكيف تستَنبَطُ الأحكام منه؟ فإنه يجاب بما يلي:

1. ... «إنه كلام أئمةٍ مجتهدين عالمين بقواعدِ الشرِيعةِ والعربيةِ، مبينين للأحكامِ الشرعية، فمدلول كلامهم حجَّة على من قلدهم، منطوقاً كان أو مفهوماً، صريحاً كان أو إشارة، فكلامهم بالنسبة له كالقرآن والحديث بالنسبة لجميع المجتهدين. وله فضل عظيم لا يستطيع أحد إنكاره، وهو أنه فتح باباً واسِعاً لِتطورِ الفقه، ومسايرته لأحداث الحياة» ينظر: «الموسوعة الفقهية المصرية» (1: 20).
2. ... إنه لا يكون اجتهاد مجتهد إلا بأن يكون له قواعد يحتكم إليها في استخراج الأحكام الفقهية، سواء كان هو واضعها أو قلَّد فيها غيره؛ لأن استنباط الأحكام الفقهية من الكتاب والسنة يحتاج إلى أصول وقواعد، فمثلاً: إذا تعارضت الأحاديث في الدلالة على حكم من الأحكام يستطيع بالقواعد التي يمشي عليها أن يستخرجه.
إذا تقرَّر هذا فإنه يمكن القول بأن كلام المجتهد في المسائل الفقهية هو تطبيق لقواعده وأصوله التي اعتمدها في استخراج الأحكام، ففي اعتماد حكمه قطع لمرحلة طويلة وصعبة جداً من استنباط للحكم من الأدلة التفصيلية.
فالأمر أمر مرحلية وتدرج، وليس إهمالاً وتركاً للأدلة الشرعية؛ لأن أحكام المجتهد مأخوذة من الأدلة، فهي تمثِّلها، ولكنها قطعت مرحلة للمجتهد في المذهب لاستخراج الأحكام التي لم يبينها المجتهد.
وتأكيد هذا ما يلاحظ في القواعد الفقهية التي استخرجت من مجموعة الأحكام الفقهية المتناثرة المتفقة فيما بينهما، ومن ثم يمكن الاعتماد على القاعدة في معرفة الأحكام غير المبيّنة كما هو معلوم. ينظر: «المنهج الفقهي للإمام اللكنوي» (ص148 - 149).
المجلد
العرض
2%
تسللي / 2520