أيقونة إسلامية

عمدة الرعاية على شرح الوقاية

صلاح أبو الحاج
عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج

0005فوائد متفرقة

وفي رسالة أخرى له في بحث الإشارةِ المسمّاة بـ «التدهين للتزيين» (¬1): «القائل بأنّ الفتوى على تركِ الإشارة مدعٍ بأنّه مجتهدٌ في المسألة، فمحلّه إذا وجدَ عن الإمام روايتان، أو عنه رواية، وعن صاحبيه روايةٌ أخرى، مع أنّه يحتاجُ إلى دليلِ الترجيحِ؛ إذ لا يقبل ترجيح بلا مرجّح، ولا تصحيح بلا مصحّح، فلو وجدَ روايتان فالرَّاجحُ هو ما وافقَ الأحاديث المصطفويّة، وطابقَ أقوالَ جمهورِ علماءِ الأئمّة مع أنّه معارضٌ بقول آخر من المشايخِ المعتبرين: إنّ الفتوى على الإشارة، وإنَّ لا خلاف في كونها من السنة» (¬2).
¬__________
(¬1) في «التدهين للتزيين» (ص4 - 45).
(¬2) أقول: إن ما تفضل به ملا علي القاري غير مسلَّم على إطلاقه؛ لأن المعتمد في المذاهب ما حرّره ونقحّه المجتهدون فيها وفقاً لأسس وقواعد معتمدة لديهم تبيّن الصحيح الراجح فيما ذهب إليه الإمام المجتهد المطلق للمذهب، فانظر رحمك الله إلى هذه الدقّة العالية التي ساروا عليها في بيان حكم الله - عز وجل - في كل مسألة، فاستخراج المسائل من الكتاب والسنة لم يسلّموا فيها لأي أحد، وإنما ركنوا فيها إلى الأئمة الكبار الذين شهدت لهم الأمة بالعلم والورع ورزقهم الله - عز وجل - القَبول.
فمن بين العديد من المجتهدين المستقلين في أمتنا لم يسلِّم إلا للأئمة الأربعة، وأخذت الأحكام المستخرجة من الكتاب والسنة من أفواههم، فهم فرسان هذا العلم الذين سبروا ونظروا وقعَّدوا وأسسوا، وهم الذين بلغوا الدرجة القصوى في الفقه والحديث، فعدّوا من حفاظ هذه الأمة عند كلّ عالم منصف.
قال إمام الحرمين: «أجمع المحققون على أن العوامَ ليس لهم أن يتعلَّقوا بمذاهب الصحابة - رضي الله عنهم - بل عليهم أن يتَّبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا; لأن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يعتنوا بتهذيب المسائل والاجتهاد وإيضاح طرق النظر بخلاف مَن بعدهم» كما في «مواهب الجليل» (1: 30).

ومع ذلك جاء بعدهم آلاف العلماء المجتهدون في مذاهبهم فحرروا أقوالهم وحقَّقوا آراءهم، فصار المعتمد عند العلماء في الفتوى والعمل ما رجّحه وصححه طبقة المجتهدين في المذهب، فهذه مرحلة أخرى بعد مرحلة الأئمة المجتهدين المستقلين، وكلُّ ذلك لدقّة هذا المقام وصعوبته؛ لأنه بيان لحكم الله - عز وجل - فلا يجرؤ عليه إلا شقي خاسر.
إذا تمهد لك ذلك، تبيِّن حال مسائل الفقه في المذاهب الفقهية المعتمدة من التنقيح والتحقيق بحيث يطمئن القلب لها، ويعمل بها، بعد أن علمنا صدور استخراجها من الكتاب والسنة من قبل مَن سلَّمت لهم الأمة بالاجتهاد ثم توالت عليه أنظار العلماء في الأزمان المتلاحقة.
فلا نترك هذه الطريقة العلمية الدقيقة التي رضيتها الأمة في الاجتهاد والعمل، ونمشي وراء كل مستنبط ومستخرج للأحكام من الكتاب والسنة وإن لم يسلَّم له الاجتهاد، وإنما غرَّه ظاهر حديث وقف عليه، ولم يعلم أن المسألة ليست مسألة ظاهر أحاديث تستخرج منها الأحكام، وإنما هي جمع وتوفيق بين الأدلة الشرعية المختلفة من القرآن والسنة وآثار الصحابة بالأصول المبيّنة لدى كل مجتهد مستقل في كتب مذهبه؛ لأن كثيراً من ظواهر الأحاديث يعارض بعضها البعض، وحاشا لهذه الشريعة من التناقض.
فالخلاف الحقيقي في المذاهب الأربعة ليس خلافاً مبنياً على وصول الأحاديث النبوية الشريفة للأئمة أو عدم وصولها؛ لأنهم حفاظ الأمة في ذلك، وإنما هو خلاف مبني على الأصول التي أصّلها وقعَّدها كلُّ من الأئمة لاستخراج الأحكام الفقهية من النصوص الشرعية، فها هو الإمام اللكنوي بعد أن جمع أدلة المذاهب في مسألة القراءة خلف الإمام في كتابه النافع: «إمام الكلام في القراءة خلف الإمام» تبيَّن له أن الخلاف الدائر بين المذاهب للاختلاف في أصول كل منهم، وكذلك محدث العصر محمد شاه الكشميري صرح في رسالته «نيل الفرقدين في مسألة رفع اليدين» بعد أن جمع أدلة المذاهب فيها إلى أن الخلاف بينهم خلاف أصول.
وعليه فإني أقول لكل مَن يعترض على مسائل المذاهب ويستدرك عليها لظاهر حديث وقف عليه إن الاجتهاد المستقل ليس حجراً على هؤلاء الأئمة، وليس ألعوبة في يد كل ناعق، وإنما على مَن يسلك هذا الطريق أن يبيّن لنا الأصول التي اعتمدها في استخراج الأحكام، فلا يمكن قطعاً استنباط صحيح بغير أصول يعتمد عليها، فإن لم يكن له أصوله وإنما يعتمد في ترجيحه على الظواهر، فإن هذه ليست بطريقة قويمة؛ لأنها ستجعله يترك كثيراً من النصوص لتعارض ظواهرها مع بعضها البعض، وكذلك ستجعل هواه المشرّع للأحكام؛ لأن هذه الظواهر لا تفي بأكثر من واحد بالمئة من الفروع الفقهية المستنبطة، فكيف سيعرف حكمها، وهو لا يوجد عنده قواعد وأصول يعتمد عليها في الاستخراج سوى ما تسوله له نفسه. وإليك بعض النصوص التي تشهد لما تقرر وتحقق هاهنا:
قال الإمام ابن الصلاح: «فليس كلّ فقيه يسوغُ له أن يستقل بالعمل بما رآه حجّة من الحديث ... وروينا عن ابن خزيمة الإمام البارع في الحديث والفقه أَنهُ قيل له: هل تعرف سنةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام، لم يودعها الشَّافعيّ - رضي الله عنه - كتابه؟ قال: «لا». وعند هذا أقول: مَن وجدَ من الشَّافعيين حديثاً يخالف مذهبه نظر: فإن كملت آلات الاجتهاد فيه، إما مطلقاً، وإما في ذلك الباب، أو في تلك المسألة كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث. وإن لم تكمل فيه آلته، ووجدَ حزازة في قلبه من مخالفة الحديث بعد أن بحث، فلم يجد لمخالفته عنه جواباً شافياً، فلينظر هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل؟ فإن وجده، فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكون ذلك عذراً له في ترك مذهب إمامه في ذلك» ينظر: «معنى قول الإمام المطلبي» (ص106 - 107). ومثله أيضاً ورد عن النووي في «المجموع» (1: 105) كما سبق نقله.
وقال الإمام تقي الدين السُّبكي في «معنى قول الإمام المطلبي» (ص108 - 109) تعقيباً على قولهما: «وهذا الذي قالاه ليس رداً لما قاله الشَّافعيّ - رضي الله عنه -، ولا لكونه فضيلة امتاز بها عن غيره، ولكنه تبيين لصعوبة هذا المقام، حتى لا يغتر به كلّ أحدٍ، والإفتاء في الدِّين كلّه كذلك، لا بدَّ من البحث والتَّنقير عن الأدلة الشرعيَّة حتى ينشرح الصَّدر للعمل بالدَّليل الذي يحصل عليه، فهو صعبٌ، وليس بالهيِّن كما قالاه، ومع ذلك ينبغي الحرصُ عليه وطلبه».
وقال العلامة عبد الله خير الله: «أليس هذا النَّظر في الأحكام من جديد تنقيصاً للأئمة ومَن جاء بعدهم؟ ورفضاً لأحكامهم وعدم الرِضا بهم؟ أليس هذا النَّظر هدماً لكيان الشَّريعة وعدم احترام علمائنا؟ أليس هذا النَّظر يفضي إلى عدم الاستقرار في أحكام الشَّريعة الغراء، والتَّشويش على العامة عندما يكثر المجتهدون، وكلّ يرى رأيه، وحينئذ تكون الفوضى في أحكام الشَّريعة، وتصير الأحكام أُلعوبة في أيدي من لا يدري أنه لا يدري»، كما في «الاجتهاد» (ص84).
وقال الشيخ محمد الحامد: «لبعض الناس أن يشاغبوا على المذاهب المُتّبعة، التي استنفذ أصحابها وسعهم في استنباط الأحكام من منابعها الأصلية، في تركيز القواعد الشَّرعيَّة العامة، التي تنبني عليها جُزئيات الأحكام، وفرعيات التَّكاليف، وبهذا عظمت النِّعمة الإلهية علينا بكثرة الثَّروة العلميَّة، ووفرة المعرفة الدِّينية، فأصبح صرحُ التَّشريع الإسلامي مشيدَ البناء، شامخاً إلى العلاء، بعيداً عن الفوضى التي شاعت في الأمم قبلنا {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} [الروم: 32]» كما في «الاجتهاد» (ص91).
وقال العلامة محمد إبراهيم اليثفي: «يقول الله - عز وجل -: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59]، ويقول - عز وجل -: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83]. فمَن هم يا ترى الذين يستنبطونه منهم؟ أهم من حفظ حديثاً أو حديثين؟ أو آية أو آيتين؟ أم هو مشغول في تجارته أو عمله؟ أو مَن لا يدرك فهم عبارتين، وهو بعد على ثدي التعليم يرضع؟ أم هم عميان البصائر ممَّن أضلهم الله على علم؟! وأما أن تعطي الحريّة المطلقة لكلّ ناعق أن يفسّر بما يوافق ميوله وهواه؟ كما هو رأي أهل الزَّيغ في مجتمعنا الحاضر، فهذا تنكيب عن الصَّراط المستقيم، وتضليل وتخبيط وزيغ في الدنيا». كما «الاجتهاد» (ص176)، ومن أراد التفصيل في هذا المقام فليراجع كتابي «المدخل» فإن فيه شفاء، وقد أطلت الكلام هاهنا لانزلاق أقوام فيه، وحتى لا يغترّ أحد بظاهر العبارات الواردة عن العلامة ملا علي القاري - رضي الله عنه -.
المجلد
العرض
4%
تسللي / 2520