عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج
0061باب المهر
.......................................................................................................................
===
.............................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أقول: لا يخفي ما فيه، فإن هذا الحملَ إنّما يُسَلَّمُ مع مخالفتِهِ الظواهر إذا ثبتَ التقديرُ بدليل معتمد، وإذ ليس فليس.
الثالث: إن العملَ بالحديث المذكور، والقولُ بأنّه لا يجوزُ أقلَّ من عشرةِ يخالفُ إطلاق قوله - جل جلاله -: {أن تبتغوا بأموالكم} (¬1)، فإنّه لا تقديرَ فيه بشيء، وتخصيصُ إطلاق الكتاب بخبر الآحاد وإن كان صحيحاً لا يجوز عند أصحابنا فما بالك إذا كان ضعيفاً مضعَّفاً.
وقد استندَ به أصحابُنا في الجواب عن الأحاديث الصحيحة التي دلَّت على كون المهر غير مال، وهي مرويّة في «الصحيحين»، واستندت بها الشافعيّةُ حيث قالوا: هذه الأحاديث أخبار آحاد مخالفةٌ لظاهر الكتاب فلا يعمل بظاهرها، فمع هذا كيف جاز لأصحابنا العمل بخبر الآحاد مع مخالفته لإطلاق الكتاب؟ هذا ما ظهر لي.
الرابع: وهو أيضاً ما خطر ببالي أن هذا الحديث نظيرُ حديث: «لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب» (¬2)، وحديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، وحديث: «لا وضوء لِمَن لم يذكر اسم الله» (¬3) وغير ذلك وهي عند أصحابنا محمولةٌ على نفي الكمال لا على نفي الذات.
فما بالُهم لم يحملوا هذا الحديث على مثل هذا، وهذان الإيرادان ممَّا لا مدفعَ لهما (¬4)، فتأمل لعلَّ الله - جل جلاله - يحدثُ بعد ذلك أمراً.
¬__________
(¬1) النساء: من الآية24.
(¬2) في «صحيح البخاري» (1: 263)، وغيره.
(¬3) في «المستدرك» (1: 373)، و «سنن البيهقي الكبير» (3: 57)، و «مصنف ابن أبي شيبة» (1: 303)، و «مصنف عبد الرزاق» (1: 497)، و «شرح معاني الآثار» (1: 394)، وصححه ابن حزم، ينظر: «فتح باب العناية» (1: 231)، وغيرها.
(¬4) ومما يندفع به هذا الإيرادان أن الآيات القرآنية صريحة واضحة في إيجاب مهر للمرأة كقوله - جل جلاله -: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} [النساء: 24]، فكان لا بدّ من تقدير لهذا المال الذي فرض؛ لأن القليل منه لا يعدّ مالاً عادة، ولا يصلح مهراً لعموم النصوص القرآنية بتقديم شيء له قيمة بحيث يصلح بمقابلة تسليم منافع البضع، وإلا كيف يتحقق عموم النصوص القرآنية بتقديم عوضاً عن البضع، قال النَّسَفيّ في «تفسيره» (1: 219) في الآية السابقة: «فيه دليلٌ على أن النكاحَ لا يكون إلاَّ بمهر، وأنه يجب وإن لم يسم، وأن غير المال لا يصلح مهراً، وأن القليلَ لا يصلح مهراً إذ الحبة لا تعدّ مالاً عادة».
===
.............................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أقول: لا يخفي ما فيه، فإن هذا الحملَ إنّما يُسَلَّمُ مع مخالفتِهِ الظواهر إذا ثبتَ التقديرُ بدليل معتمد، وإذ ليس فليس.
الثالث: إن العملَ بالحديث المذكور، والقولُ بأنّه لا يجوزُ أقلَّ من عشرةِ يخالفُ إطلاق قوله - جل جلاله -: {أن تبتغوا بأموالكم} (¬1)، فإنّه لا تقديرَ فيه بشيء، وتخصيصُ إطلاق الكتاب بخبر الآحاد وإن كان صحيحاً لا يجوز عند أصحابنا فما بالك إذا كان ضعيفاً مضعَّفاً.
وقد استندَ به أصحابُنا في الجواب عن الأحاديث الصحيحة التي دلَّت على كون المهر غير مال، وهي مرويّة في «الصحيحين»، واستندت بها الشافعيّةُ حيث قالوا: هذه الأحاديث أخبار آحاد مخالفةٌ لظاهر الكتاب فلا يعمل بظاهرها، فمع هذا كيف جاز لأصحابنا العمل بخبر الآحاد مع مخالفته لإطلاق الكتاب؟ هذا ما ظهر لي.
الرابع: وهو أيضاً ما خطر ببالي أن هذا الحديث نظيرُ حديث: «لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب» (¬2)، وحديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، وحديث: «لا وضوء لِمَن لم يذكر اسم الله» (¬3) وغير ذلك وهي عند أصحابنا محمولةٌ على نفي الكمال لا على نفي الذات.
فما بالُهم لم يحملوا هذا الحديث على مثل هذا، وهذان الإيرادان ممَّا لا مدفعَ لهما (¬4)، فتأمل لعلَّ الله - جل جلاله - يحدثُ بعد ذلك أمراً.
¬__________
(¬1) النساء: من الآية24.
(¬2) في «صحيح البخاري» (1: 263)، وغيره.
(¬3) في «المستدرك» (1: 373)، و «سنن البيهقي الكبير» (3: 57)، و «مصنف ابن أبي شيبة» (1: 303)، و «مصنف عبد الرزاق» (1: 497)، و «شرح معاني الآثار» (1: 394)، وصححه ابن حزم، ينظر: «فتح باب العناية» (1: 231)، وغيرها.
(¬4) ومما يندفع به هذا الإيرادان أن الآيات القرآنية صريحة واضحة في إيجاب مهر للمرأة كقوله - جل جلاله -: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} [النساء: 24]، فكان لا بدّ من تقدير لهذا المال الذي فرض؛ لأن القليل منه لا يعدّ مالاً عادة، ولا يصلح مهراً لعموم النصوص القرآنية بتقديم شيء له قيمة بحيث يصلح بمقابلة تسليم منافع البضع، وإلا كيف يتحقق عموم النصوص القرآنية بتقديم عوضاً عن البضع، قال النَّسَفيّ في «تفسيره» (1: 219) في الآية السابقة: «فيه دليلٌ على أن النكاحَ لا يكون إلاَّ بمهر، وأنه يجب وإن لم يسم، وأن غير المال لا يصلح مهراً، وأن القليلَ لا يصلح مهراً إذ الحبة لا تعدّ مالاً عادة».