عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج
كتاب الأيمان
........................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
.............................................................................................................................
===
غايةُ ما في الباب أنَ يرتفعَ الإثمُ عن الساهي والناسي والخاطئ في الحنث؛ لأنَّ الإثمَ منوطٌ بالعمد يدلّ عليه حديث: «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، أخرجه ابن ماجة وابن حبّان والدارَقْطنيّ والبَيْهَقيّ والطبرانيّ والحاكم وغيرهم بألفاظٍ متقاربة، وحسّن النوويّ في «أربعينه» إسناده.
وبه استدلّ الشافعيّ - رضي الله عنه - في عدمِ وقوعِ الطلاق والعتاق، وعدم انعقادِ اليمين بالخطأ والنسيان والإكراه.
وأجاب عنه الجمهور بأنّ المرادَ به رفعُ الإثم لا رفع غيره من الجزاء، ألا ترى إلى أنّ الله - جل جلاله - أوجب على القاتلِ خطأ الكفّارّة، ونصّ أهلُ العلمِ على وجوبِ الضمانِ على مَن يتلفُ مالَ الغير سهواً أو نسياناً أو خطأ.
وبعد اللتيا واللتي نقول: فسَّر كثيرٌ منهم الناسي الواقع في «الهداية» بالساهي، وذلك إمّا لكون السهو والنسيان متّحدين لغة، وإمّا لعدمِ تصوّر النسيان في الحلف، ولا يخفى ما فيه، لأنه يمكن أن يحلفَ أوّلاً بقوله: والله لا أحلف ثمّ نسيه بالكليّة فيحلف بشيءٍ أو يغفل عنه سهواً.
وبالجملة: يتصوّر كلّ من السهو والنِّسيان في كلٍّ من الحلف والحنث كما يتصوّر الخطأ في كلّ منهما، فلا حاجةَ إلى تفسيرِ الناسي والساهي.
ومنهم من فسّره بالخاطئ، بناءً على أنّه وقعَ في بعض نسخ «الهداية»: الخاطئ موضعَ الناسي.
والشارحُ - رضي الله عنه - تبع المفسّرين الأولين، ففسَّرَ الناسي بالساهي، ثمّ فسّره بمَن يحلف من غير قصد، وفيه ما فيه:
أمّا أوّلاً فلما مرّ من عدمِ الاحتياج إلى تفسير الناسي بالساهي، بل الأولى إبقاؤه على معناه، لا يقال: تفسيره مبنيّ على اتّحادهما لغة، لأنّا نقول: فحينئذٍ لا حاجةَ إلى بيان المراد، إلا أن يقال: السهو في معناه مستعملٌ كثيراً بخلافِ النسيان، فلذا فسَّره به أيضاحاً.
وأمّا ثانياً: فلأنّ ما فسّر به الساهي لا يناسب ما فسَّروه، وصوّروه به، بل الأولى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
.............................................................................................................................
===
غايةُ ما في الباب أنَ يرتفعَ الإثمُ عن الساهي والناسي والخاطئ في الحنث؛ لأنَّ الإثمَ منوطٌ بالعمد يدلّ عليه حديث: «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، أخرجه ابن ماجة وابن حبّان والدارَقْطنيّ والبَيْهَقيّ والطبرانيّ والحاكم وغيرهم بألفاظٍ متقاربة، وحسّن النوويّ في «أربعينه» إسناده.
وبه استدلّ الشافعيّ - رضي الله عنه - في عدمِ وقوعِ الطلاق والعتاق، وعدم انعقادِ اليمين بالخطأ والنسيان والإكراه.
وأجاب عنه الجمهور بأنّ المرادَ به رفعُ الإثم لا رفع غيره من الجزاء، ألا ترى إلى أنّ الله - جل جلاله - أوجب على القاتلِ خطأ الكفّارّة، ونصّ أهلُ العلمِ على وجوبِ الضمانِ على مَن يتلفُ مالَ الغير سهواً أو نسياناً أو خطأ.
وبعد اللتيا واللتي نقول: فسَّر كثيرٌ منهم الناسي الواقع في «الهداية» بالساهي، وذلك إمّا لكون السهو والنسيان متّحدين لغة، وإمّا لعدمِ تصوّر النسيان في الحلف، ولا يخفى ما فيه، لأنه يمكن أن يحلفَ أوّلاً بقوله: والله لا أحلف ثمّ نسيه بالكليّة فيحلف بشيءٍ أو يغفل عنه سهواً.
وبالجملة: يتصوّر كلّ من السهو والنِّسيان في كلٍّ من الحلف والحنث كما يتصوّر الخطأ في كلّ منهما، فلا حاجةَ إلى تفسيرِ الناسي والساهي.
ومنهم من فسّره بالخاطئ، بناءً على أنّه وقعَ في بعض نسخ «الهداية»: الخاطئ موضعَ الناسي.
والشارحُ - رضي الله عنه - تبع المفسّرين الأولين، ففسَّرَ الناسي بالساهي، ثمّ فسّره بمَن يحلف من غير قصد، وفيه ما فيه:
أمّا أوّلاً فلما مرّ من عدمِ الاحتياج إلى تفسير الناسي بالساهي، بل الأولى إبقاؤه على معناه، لا يقال: تفسيره مبنيّ على اتّحادهما لغة، لأنّا نقول: فحينئذٍ لا حاجةَ إلى بيان المراد، إلا أن يقال: السهو في معناه مستعملٌ كثيراً بخلافِ النسيان، فلذا فسَّره به أيضاحاً.
وأمّا ثانياً: فلأنّ ما فسّر به الساهي لا يناسب ما فسَّروه، وصوّروه به، بل الأولى