عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج
كتاب الطهارة
......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
افتتحَ [1] الكتابَ بهذه الآيةِ تيمُّناً
===
{برؤوسكم}؛ هذا عطفُ الجملةِ على الجملة.
{وأرجلكم إلى الكعبين}، قرأ نافع وابن عامر والكسائيّ ويعقوب وحفص بنصب اللام، وقرأ الآخرون بجرّها.
أمّا القراءة الأولى فتفيد بظاهرها افتراضُ غسلِ الرجلين؛ لأنّ أرجلَكم حينئذٍ معطوف على وجوهكم، ويحتمل إفادةُ المسح بأن يكون معطوفاً على محلِّ رؤوسكم.
والثانيةِ بظاهرها تفيد المسح؛ لكونه حينئذٍ معطوفاً على رؤوسكم، ويحتمل إفادةُ الغسلِ بأن يكون حينئذٍ أيضاً معطوفاً على الوجوه، ويكون الجرّ للجواز.
ومن هاهنا اختلفَ المذاهبُ فيه، وقد دلَّت الأحاديثُ بالطرقِ المتكاثرةِ على افتراضِ الغسل، وعدم إجزاء المسح، وهو الذي أجمعت عليه أهل السنّة والجماعة، ومَن شذَّ عن الجماعة، شذَّ في الضلالة، وتفصيل هذا البحث مع باقي المباحثِ المتعلَّقة بهذه الآية في «السعاية» (¬1).
[1] قوله: افتتح .... الخ؛ في اختيار هذه اللفظة على ابتداء ونحوه تفاؤلٌ وبشارةٌ للشارعِ فيه بحصول الفتح، هذا دفعُ سؤال يردُ على المصنَّف بأن عنوانَ (كتاب الطهارة) يدلّ على أنّ المذكورَ فيه هو الأحوال المتعلّقة بالطهارة ومسائلها، فإيرادُ هذه الآيةِ هاهنا في غير موضعه، وبوجه آخر: الكتابُ موضوعٌ لذكرِ مسائلِ الفقه، لا لذكرِ الدلائل، فما وجه إيرادِ هذه الآية التي هي من الدلائل.
ويجابُ عنه بوجوه مبيّنة لنكت إيراد هذه الآية:
1. منها: إنّه افتتح بهذه الآية إشارةً إلى أنّه ينبغي للفقيه أن يعتنيَ بشأن الدليل، فإنّ مَن ليست له ملكةُ الاستنباطِ من الدليل لا يسمّى فقيهاً (¬2).
¬__________
(¬1) «السعاية على شرح الوقاية» (1: 26 - 35).
(¬2) أقول: كلام اللكنوي - رضي الله عنه - هنا يستقيم على تعريف الأصوليين للفقه: وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. كما في «نهاية السول» (1: 22»، و «المستصفى» (1: 49، و «فواتح الرحموت» (1: 12)، وغيرها.
وأما على تعريف الفقهاء بأنه علم يبحث فيه عن أحوال الأعمال من حيث الحل والحرمة والفساد والصحة كما في «حاشية الخادمي على الدرر» (ص3)، أو حفظ الفروع وأقله ثلاث كما في «رد المحتار» (1: 26)، أو مجموعة من الفروع كما في «المدخل الفقهي العام» (1: 55)، فإن كلام اللكنوي لا يستقيم؛ لأنه الفقه هو الفروع والمسائل، والعالم بها يكون فقيهاً في مصطلح الفقهاء.
قال ابن نجيم في «البحر» (1: 7): «فالحاصل أن الفقه في الأصول: علم الأحكام من دلائلها، فليس الفقيه إلا المجتهد عندهم، وإطلاقه على المقلد الحافظ للمسائل مجاز، وهو حقيقة في عرف الفقهاء بدليل انصراف الوقف، والوصية، للفقهاء إليهم، وأقله ثلاثة أحكام، كما في «المنتقى»، وذكر في «التحرير» أن الشائع إطلاقه على مَن يحفظ الفروع مطلقاً، يعني سواء كانت بدلائلها أم لا».
لكن صرح الأصوليون بأن الحقيقة تترك بدلالة العادة، وحينئذ ينصرف كلام الواقف الموصي للفقهاء إلى ما هو المتعارف في زمنه؛ لأنه حقيقة كلامه العرفية، فتترك به الحقيقة الأصلية، ويكون حقيقة في عرف الفقهاء. كذا في «رد المحتار» (1: 378).
وتكلموا في المقدار الأدنى الذي يجب أن يحفظه الشخص حتى يطلق عليه لقب: الفقيه؛ وانتهوا إلى أن هذا متروك للعرف، ونستطيع أن نقرر أن عرفنا الآن لا يطلق لقب: فقيه إلا على من يعرف موطن الحكم من أبواب الفقه المتناثرة بحيث يسهل عليه الرجوع إليه. كما في «الموسوعة الفقهية الكويتية» (1: 14)، وغيرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
افتتحَ [1] الكتابَ بهذه الآيةِ تيمُّناً
===
{برؤوسكم}؛ هذا عطفُ الجملةِ على الجملة.
{وأرجلكم إلى الكعبين}، قرأ نافع وابن عامر والكسائيّ ويعقوب وحفص بنصب اللام، وقرأ الآخرون بجرّها.
أمّا القراءة الأولى فتفيد بظاهرها افتراضُ غسلِ الرجلين؛ لأنّ أرجلَكم حينئذٍ معطوف على وجوهكم، ويحتمل إفادةُ المسح بأن يكون معطوفاً على محلِّ رؤوسكم.
والثانيةِ بظاهرها تفيد المسح؛ لكونه حينئذٍ معطوفاً على رؤوسكم، ويحتمل إفادةُ الغسلِ بأن يكون حينئذٍ أيضاً معطوفاً على الوجوه، ويكون الجرّ للجواز.
ومن هاهنا اختلفَ المذاهبُ فيه، وقد دلَّت الأحاديثُ بالطرقِ المتكاثرةِ على افتراضِ الغسل، وعدم إجزاء المسح، وهو الذي أجمعت عليه أهل السنّة والجماعة، ومَن شذَّ عن الجماعة، شذَّ في الضلالة، وتفصيل هذا البحث مع باقي المباحثِ المتعلَّقة بهذه الآية في «السعاية» (¬1).
[1] قوله: افتتح .... الخ؛ في اختيار هذه اللفظة على ابتداء ونحوه تفاؤلٌ وبشارةٌ للشارعِ فيه بحصول الفتح، هذا دفعُ سؤال يردُ على المصنَّف بأن عنوانَ (كتاب الطهارة) يدلّ على أنّ المذكورَ فيه هو الأحوال المتعلّقة بالطهارة ومسائلها، فإيرادُ هذه الآيةِ هاهنا في غير موضعه، وبوجه آخر: الكتابُ موضوعٌ لذكرِ مسائلِ الفقه، لا لذكرِ الدلائل، فما وجه إيرادِ هذه الآية التي هي من الدلائل.
ويجابُ عنه بوجوه مبيّنة لنكت إيراد هذه الآية:
1. منها: إنّه افتتح بهذه الآية إشارةً إلى أنّه ينبغي للفقيه أن يعتنيَ بشأن الدليل، فإنّ مَن ليست له ملكةُ الاستنباطِ من الدليل لا يسمّى فقيهاً (¬2).
¬__________
(¬1) «السعاية على شرح الوقاية» (1: 26 - 35).
(¬2) أقول: كلام اللكنوي - رضي الله عنه - هنا يستقيم على تعريف الأصوليين للفقه: وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. كما في «نهاية السول» (1: 22»، و «المستصفى» (1: 49، و «فواتح الرحموت» (1: 12)، وغيرها.
وأما على تعريف الفقهاء بأنه علم يبحث فيه عن أحوال الأعمال من حيث الحل والحرمة والفساد والصحة كما في «حاشية الخادمي على الدرر» (ص3)، أو حفظ الفروع وأقله ثلاث كما في «رد المحتار» (1: 26)، أو مجموعة من الفروع كما في «المدخل الفقهي العام» (1: 55)، فإن كلام اللكنوي لا يستقيم؛ لأنه الفقه هو الفروع والمسائل، والعالم بها يكون فقيهاً في مصطلح الفقهاء.
قال ابن نجيم في «البحر» (1: 7): «فالحاصل أن الفقه في الأصول: علم الأحكام من دلائلها، فليس الفقيه إلا المجتهد عندهم، وإطلاقه على المقلد الحافظ للمسائل مجاز، وهو حقيقة في عرف الفقهاء بدليل انصراف الوقف، والوصية، للفقهاء إليهم، وأقله ثلاثة أحكام، كما في «المنتقى»، وذكر في «التحرير» أن الشائع إطلاقه على مَن يحفظ الفروع مطلقاً، يعني سواء كانت بدلائلها أم لا».
لكن صرح الأصوليون بأن الحقيقة تترك بدلالة العادة، وحينئذ ينصرف كلام الواقف الموصي للفقهاء إلى ما هو المتعارف في زمنه؛ لأنه حقيقة كلامه العرفية، فتترك به الحقيقة الأصلية، ويكون حقيقة في عرف الفقهاء. كذا في «رد المحتار» (1: 378).
وتكلموا في المقدار الأدنى الذي يجب أن يحفظه الشخص حتى يطلق عليه لقب: الفقيه؛ وانتهوا إلى أن هذا متروك للعرف، ونستطيع أن نقرر أن عرفنا الآن لا يطلق لقب: فقيه إلا على من يعرف موطن الحكم من أبواب الفقه المتناثرة بحيث يسهل عليه الرجوع إليه. كما في «الموسوعة الفقهية الكويتية» (1: 14)، وغيرها.