اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

عمدة الرعاية على شرح الوقاية

صلاح أبو الحاج
عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج

كتاب الطهارة

................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لأنَّ المسحَ [1] في اللُّغة: إمرارُ اليدِ المبتلَّة.
ولا شكَّ [2] أنَّ مماسّةَ الأنملةِ [3] شعرةً أو ثلاثاً لا تُسَمَّى مسحَ الرَّأس، وإمرارُ اليدِ
===
واختارَ أصحابُنا نافين لمذهبه، ومثبتين لمذهبهم أنّ الآيةَ مجملةٌ فيّ حقِّ مقدار، المسح فلا يعلم مقداره إلا ببيان الشارع، وقد جاء بيانه بفعلِهِ - صلى الله عليه وسلم - «أنّه مسحَ على الناصية»، فيلتحقُ هذا البيان بأصل الكتاب، فيكون هذا القدرُ فرضاً؛ لكونه الثابت بالكتاب، وذكروا لتوجيه الإجمالِ وجوهاً عديدة، لا يخلوٌ واحد منها من خدشة كما بسطناها في «السعاية» (¬1).
[1] قوله: لأنّ المسح؛ دليل لإجمالِ الآية، وحاصله: أنّ المسحَ لغةٌ هو إمرارُ اليدِ المبتلّة بالماء على شيء، ومن المعلوم أنّ مماسّة الأصبع شعرة أو ثلاثَ شعرات لا تسمّى مسحَ الرأس، فلا يكون المرادُ بالآية هذا المقدار، بل المقدار الزائد منه، فلا بدّ أن يكون له حدّ معلوم، وإذ ليس بمعلوم فيكون مجملاً في حقّ المقدار، إذ لا يعلم أنّ أي قدرٍ أريدَ إلا ببيان الشارع؛ فإنّه لا دخلَ لتعيينِ الحدود للرأي.
وفيه بحث، وهو أنّ كون حدّ الإمرارِ غير معلوم ممنوع، وإنّما يكون ذلك لو علم أنّ الشارعَ لم يُرِدْ ما يُسمَّى مسحاً مطلقاً، بل أرادَ بعض أفراده المعيّنة، وهو غير ثابت.
فإن قلت: لو أرادَ مسحَ الرأسَِ مطلقاً لما أمرَ بمسحه؛ لأنّ مطلقه يحصلُ بغسلِ الوجه عادة، فعلم أنّ المرادَ به حدّ معين، غير ما يحصلُ بغسل الوجه، وهو ابتلال شعرة أو شعرات.
قلت: ما يحصل في غسل الوجه مسحٌ ضمنيّ، والمأمورُ هو المسح الابتدائيّ.
[2] قوله: ولا شك ... الخ؛ أوردَ شيخ الإسلام أحمد التفتازانيّ - رضي الله عنه -: إنَّ مذهبَ الشافعيّ يرتفعُ بمجرَّد هذا القدر أنّه لا يطلق المسح على مماسّة شعرة أو شعرات، فباقي الكلام مستدرك، ولا يخفى عليك أنّ المقصودَ هاهنا ليس نفي مذهبَ الشافعيّ - رضي الله عنه - حتى يلزمَ استدراكُ باقي الكلام، بل المقصود نفيه مع إثباتِ مذهب الحنفيّة، وذا لا يحصل إلا بمجموع ما ذكر.
[3] قوله: الأنملة: بفتح الهمزة والميم، بينهما نون ساكنة، وجاء بضم الميم،===


...................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يكونُ له حدّ، وهو غيرُ معلوم، فيكونُ مجملاً؛ ولأنه [1] إذا قيل: مسحتُ بالحائط يرادُ به البعض
===
وبعضهم حكى تثليث الهمزة، مع تثليث الميم، فيصير فيه تسعُ لغات، وهو الأصبع، وقيل: رأس الأصبع، وجمعه أنامل. كذا في «المصباح المنير» (¬2).
[1] قوله: ولأنّه؛ قال عصام: «لا يخفى أنَّ الصواب «لأنّه» بدون الواو كما هو في أكثرِ النسخ؛ لأنّه لم يسبق وجه لكونه غير معلومِ الحدّ شرعاً، بل هو مجرَّد دعوى». انتهى (¬3).
أقول: لا يخفي وهنه:
أمّا أوّلاً: فلأنّ جعلَه دليلاً مستقلاً للإجمالِ أولى من جعلِهِ تتمَّة للدليل السابق.
وأمّا ثانيا: فلأنّ عدمَ ذكر الشارحِ وجهَ عدم كون الحدّ غير معلومٍ لا يقتضي أن يكون هذا دليلاً.
وأما ثالثاً: فلأنّ كلّ ما ذكره الشارحُ في الدليلِ الأوّل دعوى مجرّدة عن الدليل، فما وجه ذكر دليلِ شيء دون شيء؟
وأمّا رابعاً: فلأنّ إقحامَ قوله بعد الدليلِ الأوّل، فيكون مجملاً، نصَّ على أنّ الدليلَ الأوّل قد تمّ، وما بعده دليلٌ آخر، وإلا لم يورد هذه الجملة هاهنا، بل اكتفى على قوله: فيما بعد، فتكون الآيةُ في المقدارِ مجملة، فالصواب: ولأنّه يجعله دليلاً مستقلاً.
وحاصله: أنّ دخولَ الباء على المحلّ قد توجب إرادةَ البعض، كما في: «مسحت بالحائط»، وقد يردُ مع دخولها عليه الكلّ، كما في قوله - جل جلاله -: {فامسحوا بوجوهكم}، حيث أريدَ الكلّ، واشترطُ استيعابِ الوجه، فاختلافُ المرادِ في مواضعِهِ أوجبَ الإشكال، والخفاء في المراد من قوله: {وامسحوا برؤوسكم} في أنّ المرادَ بالرأس كلَّه أو بعضه، فصار مجملاً في حقّ المقدار.===

...................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفي قولِهِ - عز وجل -: {فامسحوا بوجوهكم} يرادُ الكلّ، فتكونُ الآيةُ في المقدارِ مجملة
===
وهاهنا بحثان:
الأوّل أنّ كلامَه سابقاً في نفي مذهب مالك - رضي الله عنه - دالٌّ صريحاً على أنّ الاستيعابَ في التيمّم لم يثبت بالنصّ، بل بالحديث والقياس، وكلامُهُ هاهنا دالٌّ على ثبوتِهِ بالنصّ، فبين كلاميه تناقض واضح.
فإن قلت: ما مرَّ كان في نفي مذهبِ مالك، فلا يلزم تسليمُهُ في نفي مذهبِ الشافعي.
قلت: هب، ولكن لا مناص من لزوم التنافي؛ لاتّحاد القائل والمحل.
فإن قلت: المنفي سابقاً دلالة: {فامسحوا بوجوهكم} (¬4) على الاستيعابِ بنفسهِ من غير ملاحظةِ قياس الخلفِ بالأصل، والمثبتُ هاهنا دلالة عليه بملاحظة ذلك، فلا تناقض.
قلت: فحينئذٍ لا تكون الباءُ في: {بوجوهكم} دالَّةً على الاستيعاب في الحقيقة، فلا يثبت الإجمالِ الذي رامه.
الثاني: إنّ مجرّدة إرادةِ الكلِّ من مدخول الباء في بعضِ المواضع لا يوجب الإجمالَ ما لم يكن ذلك حقيقة، وقد عُلِمَ أنّ الأصلَ هو إرادةُ البعضِ إذا دخلت على المحلّ، فإرادةُ الكلّ لدليلٍ آخر يكون خلاف الأصل، فلا يعارضُ الأصلَ حتى يلزمَ اشتباه المراد الموجب للإجمال.
ثمَ ما ذكرَه الشارح بعد تمام الدليلين لإثباتِ إجمالِ الآية في المقدار من أنّ الفعلَ النبويّ التحقَ بياناً للكتاب أيضاً محلّ لورود إيراداتٍ:
أوّلها: إنّ حديثَ مسح الناصية خبر آحاد، فكيف يجوز به البيان.
وجوابه: إنّ خبرَ الآحاد لا تجوزُ به الزيادة على الكتاب، ولا نسخ إطلاقه، وأمّا بيانِ مجملّ الكتاب فيصحّ به، كما قُرِّرَ في علمِ الأصول.
وثانيهما: إنّه يجوز أن يكون الفعل النبويّ على سبيل السنيّة لا على سبيل الفرضيّة.===

...................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ففعلُهُ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ «مسحَ على ناصيتِه» يكون بياناً.
===
وجوابه: أنّ مسحَه - صلى الله عليه وسلم - كلَّ الرأسِ غالباً، واكتفاءه على مسح الناصية أحياناً، وعدم اكتفائه على أقلّ منه ولو مرَّة دليلٌ واضحٌ على أنّه لبيان المقدارِ الضروريّ.
وثالثها: أن يكون ذلك بياناً موقوفٌ على إثباتِ أنّ هذا الوضوء الذي اكتفى فيه على مسح الناصية أوّل وضوئه بعد نزول الآية؛ لئلا يلزم تأخيرُ البيانِ عن وقت الحاجة.
وجوابه: إنّه لا ضرورةَ إلى ذلك، فإنّ العملَ بالفرض: أعني مسحَ الرأس ضمن مسح كلّ الرأس ممكن، فلا يقدح تأخيرُ البيانِ في العمل.
ورابعها: إنّ الناصيةَ مفسَّرةٌ بمقدَّم الرأس من غير قيدِ أن يكون ربعها، فإثباتُ افتراضِ الربعِ به غير صحيح.
وخامسها: إنّ محقّقي الفقهاء نقلوا عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - روايتين (¬5):
إحداهما: افتراضُ مسحِ الربع.
وآخراهما: افتراضُ مسحِ الناصية، فدلَّ ذلك على تغايرهما، فإثباتُ أحدهما بما يدلُّ على الآخر بعيد، وفي المقامِ تفصيلٌ آخر نقضاً وإبراماً مبسوطٌ في «السعاية» (¬6).
¬__________
(¬1) «السعاية» (1: 92).
(¬2) «المصباح المنير» (2: 968).
(¬3) من «حاشية عصام الدين» (ق9/ب).
(¬4) النساء: من الآية43.
(¬5) ذكرت في «منتهى النقاية» (2: 12): أن في مقدار المسح على الرأس روايات عندنا:
الأولى: وهي أشهرها مسح ربع الرأس، وهي رواية الطحاوي والكرخي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -. كما في «درر الحكام» (1: 10)، وفي «رد المحتار» (1: 67): الحاصل أن المعتمد رواية الربع وعليها مشى المتأخرون، كابن الهمام وابن أمير حاج، وصاحب «البحر»، و «النهر»، والمقدسي، والتمرتاشي، والشرنبلالي، وغيرهم.
والثانية: مقدار الناصية، واختارها القدوري، فقال في «مختصره» (ص2): والمفروض في مسح الرأس، وهو الربع. ومثله في «الهداية» (1: 12)،قال ابن عابدين في «رد المحتار» (1: 67):التحقيق أنها أقلّ منه.
والثالثة: مقدار ثلاثة أصابع، رواها هشام عن الإمام، قال ابن نجيم في «البحر» (1: 15): ذكر في «البدائع» أنها رواية الأصول، وفي «غاية البيان» أنها ظاهر الرواية، وفي «معراج الدراية» أنها ظاهر المذهب، واختيار عامة المحققين، وفي «الظهيرية»: وعليها الفتوى، ووجهوها: بأن الواجب إلصاق اليد، والأصابع أصلها، والثلاث أكثرها، وللأكثر حكم الكلّ، ومع ذلك فهي غير المنصور. وفي «رد المحتار» (1: 67): لكن نسبها إلى محمد، فيحمل ما في «المعراج» من أنها ظاهر المذهب على أنها ظاهر الرواية عن محمد توفيقاً.
(¬6) (السعاية» (1: 94).
المجلد
العرض
13%
تسللي / 2520