عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج
كتاب الطهارة
................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المذكورُ [1] بعده حرفُ الواو، فاغسلوا هذا المجموع، فلا دلالةَ له على تقديمِ غسلِ الوجه.
===
والثاني منهما: منعٌ للثانية منهما، وأحسنُ الأجوبةِ عن الاستدلالِ المذكور ما في «التلويح» وغيره: «وهو أنّا لا نسلَّم دلالةَ الفاءِ الجَزَائيِّة على لزومِ تعقيبِ مضمون الجزاء لمضون الشرط من غير تراخٍ وعلى وجوبِ تقديم ما بعده على ما عطف عليه بالواو، ألا ترى إلى أنّ قوله - عز وجل -: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} (¬1)، لا يدلّ على أنّه يجبُ السعيُ عقيبَ الأذان من غير تراخٍ، وأنّه لا يجوزُ تقديمُ تركِ البيع على السعي» (¬2).
[1] قوله: المذكور ... الخ؛ حاصله: أنّا لا نُسلِّمُ دلالةَ الآيةِ على تقديمِ غسل الوجه، حتى يتفرَّعَ عليه ثبوت الترتيبِ بين البواقي؛ لعدمِ القائل بالفصل؛ لأنَّ المذكورَ بعد} فاغسلوا وجوهكم {(¬3) حرف الواو التي هي للجمع مطلقاً من غير دلالةٍ على الترتيب على ما هو المذهبُ الصحيح.
ولفظ:} وأيديكم {و} وأرجلكم {معطوف على وجوهكم، فيكون داخلاً تحت:} فاغسلوا {، أو يكون من باب عطف المفرد على المفرد، فالفاءُ إنّما دخلت على غسلِ الجميعِ لا على غسل الوجه فقط، فلا تفيد الآية إلا تقديم غسل المجموع، ومسح الرأس على ما سواه، واتَّصاله بإرادةِ الصلاة من غير دلالة على الترتيب.
فإن قلت: نحن نقدِّر: «اغسلوا أيديكم واغسلوا أرجلكم»؛ لأنَّ لكلِّ عضوٍ غسلاً على حدة، والفاءُ إنَّما دخلت على: اغسلوا الأوَّل لا على ما بقى، فيثبتُ وجوبُ تقديمِ غسل الوجه.
قلت: هذا تكلَّف مستغنىً عنه، وقد نصَّ المفسِّرون على أنَّ العطفَ في الآية من بابِ عطفِ المفرد على المفرد، لا من عطفِ الجملةِ على الجملة، على أنّه لو سلَّم ذلكَ يكون: «اغسلوا» المقدَّر معطوفاً على «اغسلوا» المذكور، لا على فاغسلوا، فالفاءُ إنّما تعتبرُ داخلةً على المجموعِ لا على الأوَّل فقط.
...................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإن سُلِّمَ [1] فمتى استدلَّ المجتهدُ [2] بهذهِ الآية لم يكنْ الإجماعُ مُنْعَقِداً، فاستدلالُهُ بها على ترتيبِ الباقي استدلالٌ بلا دليل، وتمسُّكٌ بمجرَّدِ زعمِهِ لا بالإجماع.
===
وبه يندفعُ ما يقال: إنَّ فعلَ المسحِ مذكورٌ في القرآن، والفاءُ إنّما دخلت على الغسل لا المسح، فيثبت منه وجوبُ تقديمِ الغسل على المسح، ثم يثبتُ الترتيبُ بين البواقي؛ لعدم القائل بالفصل.
[1] قوله: وإن سلِّم؛ في إيراد كلمة: «إن» التي تستعملُ غالباً في المشكوك إشارةٌ إلى أنّ التسليم إنّما هو على سبيلِ الفرضِ لا على سبيلِ الحقيقة، وبه يندفعُ ما يتوهَّم أنّ تسليمَ دلالة:} فاغسلوا وجوهكم {على تقديمِ غسل الوجه غيرُ صحيحٍ؛ لكونه مخالفاً للمذهب.
[2] قوله: فمتى استدلَّ المجتهد ... الخ؛ حاصلُه: أنّ الشافعيّ - رضي الله عنه - ادَّعى بأنَّ الترتيبَ في جميعِ أركان الوضوءِ فرض، واستدلَّ عليه بأنَّ تقديمَ غسلِ الوجهِ ثابتٌ بالآية، ويلزمُ منه وجوبُ الترتيبِ في الباقي؛ لأنّ وجوبَ تقديم غسلِ الوجه وعدمِ وجوبِ ترتيب الباقي قولٌ بالفصل، فإنّا قائلون بوجوب الترتيب في الجميع وأنتم أيها الحنفية قائلون بعدمه في الجميع، فنحن وأنتم أجمعنا على وجوبِ المساواة بين جميعِ الأركانِ وجوداً أو عدماً، فالقولُ بالفصلِ خرقٌ للإجماعِ المركَّب بيننا وبينكم.
وهذا يقتضي أن يوجدَ الإجماعُ المركَّب بيننا وبينه قبل هذا الاستدلال، وهو لا يوجد إلا أن يثبتَ مذهبه من وجوبِ الترتيبِ في الجميعِ قبل ذلك؛ ليكون ذلك مع مذهبنا إجماعاً مركَّباً، مع أنّه ليس كذلك، فإنّه يستدلّ على إثبات مذهبه بهذه الآية، فيكون ثبوتُ مذهبه موقوفاً على هذا الاستدلال، فلا يكون مذهبه ثابتاً قبل هذا الاستدلال، فلا يكون الإجماعُ منعقداً قبل ذلك.
وهذا معنى قول الشارح: فمتى استدلَّ المجتهد ـ أي الشافعيّ - رضي الله عنه - ـ على إثباتِ مذهبه بهذه الآية، لم يكن الإجماع ـ أي المركَّب ـ بيننا وبينه منعقداً مع قطع النظر عن هذا الاستدلال.
¬__________
(¬1) الجمعة: من الآية9.
(¬2) انتهى من «التلويح» (1: 188) بتصرف.
(¬3) المائدة: من الآية6.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المذكورُ [1] بعده حرفُ الواو، فاغسلوا هذا المجموع، فلا دلالةَ له على تقديمِ غسلِ الوجه.
===
والثاني منهما: منعٌ للثانية منهما، وأحسنُ الأجوبةِ عن الاستدلالِ المذكور ما في «التلويح» وغيره: «وهو أنّا لا نسلَّم دلالةَ الفاءِ الجَزَائيِّة على لزومِ تعقيبِ مضمون الجزاء لمضون الشرط من غير تراخٍ وعلى وجوبِ تقديم ما بعده على ما عطف عليه بالواو، ألا ترى إلى أنّ قوله - عز وجل -: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} (¬1)، لا يدلّ على أنّه يجبُ السعيُ عقيبَ الأذان من غير تراخٍ، وأنّه لا يجوزُ تقديمُ تركِ البيع على السعي» (¬2).
[1] قوله: المذكور ... الخ؛ حاصله: أنّا لا نُسلِّمُ دلالةَ الآيةِ على تقديمِ غسل الوجه، حتى يتفرَّعَ عليه ثبوت الترتيبِ بين البواقي؛ لعدمِ القائل بالفصل؛ لأنَّ المذكورَ بعد} فاغسلوا وجوهكم {(¬3) حرف الواو التي هي للجمع مطلقاً من غير دلالةٍ على الترتيب على ما هو المذهبُ الصحيح.
ولفظ:} وأيديكم {و} وأرجلكم {معطوف على وجوهكم، فيكون داخلاً تحت:} فاغسلوا {، أو يكون من باب عطف المفرد على المفرد، فالفاءُ إنّما دخلت على غسلِ الجميعِ لا على غسل الوجه فقط، فلا تفيد الآية إلا تقديم غسل المجموع، ومسح الرأس على ما سواه، واتَّصاله بإرادةِ الصلاة من غير دلالة على الترتيب.
فإن قلت: نحن نقدِّر: «اغسلوا أيديكم واغسلوا أرجلكم»؛ لأنَّ لكلِّ عضوٍ غسلاً على حدة، والفاءُ إنَّما دخلت على: اغسلوا الأوَّل لا على ما بقى، فيثبتُ وجوبُ تقديمِ غسل الوجه.
قلت: هذا تكلَّف مستغنىً عنه، وقد نصَّ المفسِّرون على أنَّ العطفَ في الآية من بابِ عطفِ المفرد على المفرد، لا من عطفِ الجملةِ على الجملة، على أنّه لو سلَّم ذلكَ يكون: «اغسلوا» المقدَّر معطوفاً على «اغسلوا» المذكور، لا على فاغسلوا، فالفاءُ إنّما تعتبرُ داخلةً على المجموعِ لا على الأوَّل فقط.
...................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإن سُلِّمَ [1] فمتى استدلَّ المجتهدُ [2] بهذهِ الآية لم يكنْ الإجماعُ مُنْعَقِداً، فاستدلالُهُ بها على ترتيبِ الباقي استدلالٌ بلا دليل، وتمسُّكٌ بمجرَّدِ زعمِهِ لا بالإجماع.
===
وبه يندفعُ ما يقال: إنَّ فعلَ المسحِ مذكورٌ في القرآن، والفاءُ إنّما دخلت على الغسل لا المسح، فيثبت منه وجوبُ تقديمِ الغسل على المسح، ثم يثبتُ الترتيبُ بين البواقي؛ لعدم القائل بالفصل.
[1] قوله: وإن سلِّم؛ في إيراد كلمة: «إن» التي تستعملُ غالباً في المشكوك إشارةٌ إلى أنّ التسليم إنّما هو على سبيلِ الفرضِ لا على سبيلِ الحقيقة، وبه يندفعُ ما يتوهَّم أنّ تسليمَ دلالة:} فاغسلوا وجوهكم {على تقديمِ غسل الوجه غيرُ صحيحٍ؛ لكونه مخالفاً للمذهب.
[2] قوله: فمتى استدلَّ المجتهد ... الخ؛ حاصلُه: أنّ الشافعيّ - رضي الله عنه - ادَّعى بأنَّ الترتيبَ في جميعِ أركان الوضوءِ فرض، واستدلَّ عليه بأنَّ تقديمَ غسلِ الوجهِ ثابتٌ بالآية، ويلزمُ منه وجوبُ الترتيبِ في الباقي؛ لأنّ وجوبَ تقديم غسلِ الوجه وعدمِ وجوبِ ترتيب الباقي قولٌ بالفصل، فإنّا قائلون بوجوب الترتيب في الجميع وأنتم أيها الحنفية قائلون بعدمه في الجميع، فنحن وأنتم أجمعنا على وجوبِ المساواة بين جميعِ الأركانِ وجوداً أو عدماً، فالقولُ بالفصلِ خرقٌ للإجماعِ المركَّب بيننا وبينكم.
وهذا يقتضي أن يوجدَ الإجماعُ المركَّب بيننا وبينه قبل هذا الاستدلال، وهو لا يوجد إلا أن يثبتَ مذهبه من وجوبِ الترتيبِ في الجميعِ قبل ذلك؛ ليكون ذلك مع مذهبنا إجماعاً مركَّباً، مع أنّه ليس كذلك، فإنّه يستدلّ على إثبات مذهبه بهذه الآية، فيكون ثبوتُ مذهبه موقوفاً على هذا الاستدلال، فلا يكون مذهبه ثابتاً قبل هذا الاستدلال، فلا يكون الإجماعُ منعقداً قبل ذلك.
وهذا معنى قول الشارح: فمتى استدلَّ المجتهد ـ أي الشافعيّ - رضي الله عنه - ـ على إثباتِ مذهبه بهذه الآية، لم يكن الإجماع ـ أي المركَّب ـ بيننا وبينه منعقداً مع قطع النظر عن هذا الاستدلال.
¬__________
(¬1) الجمعة: من الآية9.
(¬2) انتهى من «التلويح» (1: 188) بتصرف.
(¬3) المائدة: من الآية6.