عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج
0014أقسام المياه
.......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال محيي السُنَّة [1] (:التَّقدير بعشرٍ في عشرٍ لا يرجعُ إلى أَصلٍ شرعيِّ يُعْتَمَدُ عليه [2].
===
[1] قوله: قال محيي السنّة؛ هو أبو محمَّد الحسين بن مسعود البَغويّ، مؤلف «شرح السنّة»، و «مصابيح السنّة» في الحديث، و «معالم التنزيل» في التفسير، وغيرها، وقد مرّت ترجمته في المقدمة.
[2] قوله: إلى أصلٍ شرعيّ يعتمدُ عليه؛ يريد أنّ التقديرَ لا مدخلَ فيه للرأي، بل لا بُدّ أن يكون له أصلٌ شرعيّ من الكتابِ والسنّة صراحةً أو استنباطاً، أو كان وقعَ عليه الإجماع، والتقديرُ الذي ذكره الحنفيّة في عدمِ سرايةِ النجاسة ـ أي العشر في العشر ـ ليس له أصلٌ شرعيّ، بخلافِ تقدير الشافعيّة به بقلَّتين، فإنّه ثابتٌ بالحديثِ الصحيح (¬1)، وكذا تقدير المالكيّة بالتغيّر (¬2).
..........................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أقول: أصلُ المسألةِ [1] أنَّ الغديرَ العظيمَ الذي لا يتحرَّكُ أحدُ طرفيهِ بتحريكِ الطَّرفِ الآخرِ إذا وقعت النَّجاسةُ في أحدِ جوانبهِ جازَ الوضوءُ في الجانبِ الآخر، ثمَّ قُدِّرَ هذا بعشرٍ في عشر، وإنَّما قُدِّرَ [2] بهِ بناءً على قولهِ (: «مَنْ حَفَرَ بِئْرَاً [3] فَلَهُ حَوْلُهَا أَرْبَعُون ذِرَاعاً»، فيكونُ له حريمُها من كلِّ جانبٍ عشرة، ففهمَ من هذا [4] أنَّهُ
===
[1] قوله: أصل المسألة؛ لمّا كان التقديرُ بالعشرِ في العشرِ المذكورُ في المتون، وقد اشتهرَ أنّ المتونَ موضوعةٌ لنقلِ المذهب، فكان مظنَّة أن يتوهّم أنّ هذا التقدير هو أصلُ مذهب أبي حنيفة (، وأن إيراد الشافعيّة واردٌ عليه، أشار إلى دفعه بأنّ التقديرَ إنّما صدرَ من المشايخ توضيحاً وتخريجاً وتسهيلاً، وأصلُ المذهبِ غيره، ولا يَرِدُ عليه ما أورده محيي السنّة (، فإن إيراده لو صحّ إنّما يرد على ما اختارَه من التقدير.
وفيه أيضاً: إشارة إلى أنّ كون المتونِ موضوعةٌ لنقلِ أصل المذهب حكم أكثريّ لا كليّ، وإلى أنّه لو لم يتحصّل أصل لذلك التقدير لم يقدح في أصل المذهب.
[2] قوله: وإنّما قدَّر؛ يريد أنّ هذا التقديرَ له أيضاً أصلٌ شرعيّ، فاندفعَ إيرادُ محيي السنة.
[3] قوله: مَن حفر بئراً ... الخ، هذا الحديث أخرجَه أحمد من حديثِ أبي هريرةَ (، وابن ماجه والطبرانيّ من حديث عبد الله بن المغفل (، وأبو يوسفَ في «كتاب الخراج» من حديثِ الحسن البصريّ (مرسلاً، كلهم رووه مرفوعاً إلى النبيّ (، وفي أسانيده ضعفٌ يسيرٌ، كما حقَّقه الزَّيْلَعيّ في «تخريج أحاديث الهداية» (¬3).
[4] قوله: ففهم من هذا؛ يعني دلَّ هذا الحديث على أنّه إذا حفرَ رجلٌ بئراً وأرادَ آخر أن يحفرَ في مقدارِ حريمها، وهو عشرة من كلّ جانبٍ يمنعُ منه؛ لأنّه لقربه ينجذبُ
¬__________
(¬1) هذا محل نظر، فإن ابن عبد البر في «التمهيد» قال: «ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت من جهة الأثر؛ لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع»، وقال في «الاستذكار»: «حديث معلول ردّه إسماعيل القاضي، وتكلَّم فيه، وقال الطحاوي: إنما لم نقل به؛ لأن مقدار القلتين لم يثبت» وتمامه في «إعلاء السنن» (1: 237).
(¬2) أما تقدير المالكية بحديث: «الماء لا ينجسه شيء» فمحل نظر أيضاً وذكر ابن حجر العسقلاني في «التلخيص» (1: 7): «قال الشافعي (: كانت بئر بضاعة كبيرة واسعة وكان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغيّر لها لوناً ولا طعماً ولا يظهر له ريح، فقيل للنبي (تتوضأ من بئر بضاعة، وهي يطرح فيها كذا وكذا فقال مجيباً: «الماء لا ينجسه شيء»، قلت وأصرح من ذلك ما رواه النَّسائي بلفظ: «مررت بالنبي (وهو يتوضأ من بئر بضاعة فقلت أتتوضأ منها وهي يطرح فيها ما يكره من النتن فقال: إن الماء لا ينجسه شيء» وقد وقع مصرحاً به في رواية قاسم بن أصبغ في حديث سهل بن سعد أيضاً».
وأما ما قال أبو داود: «ورأيت فيها ماء متغير اللون». فأجاب عنه النووي: «يعني بطول المكث، وأصل المنبع، لا بوقوع شيء أجنبي فيه». كما في «عون المعبود» (1: 83)، وغيره.
(¬3) من حديث أبي هريرة وعبد الله بن مغفل (في «سنن ابن ماجه» (2: 831)، و «مسند أحمد» (2: 494»، و «سنن الدارقطني» (4: 220)، و «التحقيق في أحاديث الخلاف» (2: 225)، وقد استوفى طرقه الزيلعي في «نصب الراية» (4: 291 - 292)، ورد كلام الدارقطني بأن الصحيح أنه مرسل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال محيي السُنَّة [1] (:التَّقدير بعشرٍ في عشرٍ لا يرجعُ إلى أَصلٍ شرعيِّ يُعْتَمَدُ عليه [2].
===
[1] قوله: قال محيي السنّة؛ هو أبو محمَّد الحسين بن مسعود البَغويّ، مؤلف «شرح السنّة»، و «مصابيح السنّة» في الحديث، و «معالم التنزيل» في التفسير، وغيرها، وقد مرّت ترجمته في المقدمة.
[2] قوله: إلى أصلٍ شرعيّ يعتمدُ عليه؛ يريد أنّ التقديرَ لا مدخلَ فيه للرأي، بل لا بُدّ أن يكون له أصلٌ شرعيّ من الكتابِ والسنّة صراحةً أو استنباطاً، أو كان وقعَ عليه الإجماع، والتقديرُ الذي ذكره الحنفيّة في عدمِ سرايةِ النجاسة ـ أي العشر في العشر ـ ليس له أصلٌ شرعيّ، بخلافِ تقدير الشافعيّة به بقلَّتين، فإنّه ثابتٌ بالحديثِ الصحيح (¬1)، وكذا تقدير المالكيّة بالتغيّر (¬2).
..........................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أقول: أصلُ المسألةِ [1] أنَّ الغديرَ العظيمَ الذي لا يتحرَّكُ أحدُ طرفيهِ بتحريكِ الطَّرفِ الآخرِ إذا وقعت النَّجاسةُ في أحدِ جوانبهِ جازَ الوضوءُ في الجانبِ الآخر، ثمَّ قُدِّرَ هذا بعشرٍ في عشر، وإنَّما قُدِّرَ [2] بهِ بناءً على قولهِ (: «مَنْ حَفَرَ بِئْرَاً [3] فَلَهُ حَوْلُهَا أَرْبَعُون ذِرَاعاً»، فيكونُ له حريمُها من كلِّ جانبٍ عشرة، ففهمَ من هذا [4] أنَّهُ
===
[1] قوله: أصل المسألة؛ لمّا كان التقديرُ بالعشرِ في العشرِ المذكورُ في المتون، وقد اشتهرَ أنّ المتونَ موضوعةٌ لنقلِ المذهب، فكان مظنَّة أن يتوهّم أنّ هذا التقدير هو أصلُ مذهب أبي حنيفة (، وأن إيراد الشافعيّة واردٌ عليه، أشار إلى دفعه بأنّ التقديرَ إنّما صدرَ من المشايخ توضيحاً وتخريجاً وتسهيلاً، وأصلُ المذهبِ غيره، ولا يَرِدُ عليه ما أورده محيي السنّة (، فإن إيراده لو صحّ إنّما يرد على ما اختارَه من التقدير.
وفيه أيضاً: إشارة إلى أنّ كون المتونِ موضوعةٌ لنقلِ أصل المذهب حكم أكثريّ لا كليّ، وإلى أنّه لو لم يتحصّل أصل لذلك التقدير لم يقدح في أصل المذهب.
[2] قوله: وإنّما قدَّر؛ يريد أنّ هذا التقديرَ له أيضاً أصلٌ شرعيّ، فاندفعَ إيرادُ محيي السنة.
[3] قوله: مَن حفر بئراً ... الخ، هذا الحديث أخرجَه أحمد من حديثِ أبي هريرةَ (، وابن ماجه والطبرانيّ من حديث عبد الله بن المغفل (، وأبو يوسفَ في «كتاب الخراج» من حديثِ الحسن البصريّ (مرسلاً، كلهم رووه مرفوعاً إلى النبيّ (، وفي أسانيده ضعفٌ يسيرٌ، كما حقَّقه الزَّيْلَعيّ في «تخريج أحاديث الهداية» (¬3).
[4] قوله: ففهم من هذا؛ يعني دلَّ هذا الحديث على أنّه إذا حفرَ رجلٌ بئراً وأرادَ آخر أن يحفرَ في مقدارِ حريمها، وهو عشرة من كلّ جانبٍ يمنعُ منه؛ لأنّه لقربه ينجذبُ
¬__________
(¬1) هذا محل نظر، فإن ابن عبد البر في «التمهيد» قال: «ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت من جهة الأثر؛ لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع»، وقال في «الاستذكار»: «حديث معلول ردّه إسماعيل القاضي، وتكلَّم فيه، وقال الطحاوي: إنما لم نقل به؛ لأن مقدار القلتين لم يثبت» وتمامه في «إعلاء السنن» (1: 237).
(¬2) أما تقدير المالكية بحديث: «الماء لا ينجسه شيء» فمحل نظر أيضاً وذكر ابن حجر العسقلاني في «التلخيص» (1: 7): «قال الشافعي (: كانت بئر بضاعة كبيرة واسعة وكان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغيّر لها لوناً ولا طعماً ولا يظهر له ريح، فقيل للنبي (تتوضأ من بئر بضاعة، وهي يطرح فيها كذا وكذا فقال مجيباً: «الماء لا ينجسه شيء»، قلت وأصرح من ذلك ما رواه النَّسائي بلفظ: «مررت بالنبي (وهو يتوضأ من بئر بضاعة فقلت أتتوضأ منها وهي يطرح فيها ما يكره من النتن فقال: إن الماء لا ينجسه شيء» وقد وقع مصرحاً به في رواية قاسم بن أصبغ في حديث سهل بن سعد أيضاً».
وأما ما قال أبو داود: «ورأيت فيها ماء متغير اللون». فأجاب عنه النووي: «يعني بطول المكث، وأصل المنبع، لا بوقوع شيء أجنبي فيه». كما في «عون المعبود» (1: 83)، وغيره.
(¬3) من حديث أبي هريرة وعبد الله بن مغفل (في «سنن ابن ماجه» (2: 831)، و «مسند أحمد» (2: 494»، و «سنن الدارقطني» (4: 220)، و «التحقيق في أحاديث الخلاف» (2: 225)، وقد استوفى طرقه الزيلعي في «نصب الراية» (4: 291 - 292)، ورد كلام الدارقطني بأن الصحيح أنه مرسل.