أيقونة إسلامية

عمدة الرعاية على شرح الوقاية

صلاح أبو الحاج
عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج

0014أقسام المياه

.......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذا أرادَ آخرٌ أَن يحفرَ في حريمِها بئراً يُمْنَعُ منه؛ لأنَّهُ ينجذبُ الماءُ إليها، وينقصُ الماءُ في البئرِ الأُولَى، وإن أَرادَ أن يحفرَ بئرَ بَالُوعةٍ [1] يُمْنَعُ أيضاً؛ لسرايةِ النَّجاسةِ إلى البئرِ الأُولَى، وتنجيس مائها، ولا يُمْنَعُ منها فيما وراءَ الحريم، وهو عشرٌ في عشر، فعُلِمَ [2] أنَّ الشَّرعَ اعتبرَ العشرةَ في العشرةِ في عدمِ سرايةِ النَّجاسة، حتى لو كانت النَّجاسةُ تسري، يحكمُ بالمنع، ثمَّ المتأخِّرونَ وسَّعُوا الأمرَ على النَّاس، وجوَّزوا الوضوءَ في جميعِ جوانبه.
===
الماءُ من البئر الأولى إلى الثانية، فلصاحبِ الأولى أن يمنعَه من ذلك، ويهدمَ ما حفره الثاني، وكذلك لو شاء الثاني أن يبنيَ في ذلك الموضعِ بناءً أو يزرعَ فيه زرعاً، كان للأوّل أن يمنعَ منه. كذا في «كتاب الخراج» (¬1) للإمامِ أبي يوسف (.
[1] قوله: بئر بالوعة؛ هي بئر تحفر ضيِّقة الرأس لماء المطر وغيره، يعني إذا أراد آخر أن يحفرَ حفرةً لإلقاء البالوعة ـ وهي القذرة والنجاسات ونحوها ـ، وسيلان الميزاب في حريمِ البئر الأولى لا يسعه ذلك.
[2] قوله: فعُلِمَ ... الخ؛ خلاصةُ الاستدلالِ أنّه فهم من حديث الحريم أنّ حفرَ بئر الماء أو بئر النجاسة في مقدارِ عشرةِ أذرع من البئر الأولى لا يجوز، وليس ذلك إلا لسرايةِ الماء والنجاسةِ إلى هذا المقدار، فعُلِمَ منه أنَّ الشرعَ اعتبرَ العشرَ في سرايةِ النجاسةِ وعدم سرايتها، فلذلك قدَّرَ الفقهاء الحوضَ بالعشرَ في العشر، وحكموا بأن في هذا المقدار لا تسري النجاسةُ من جانبٍ إلى جانب.
وهاهنا أبحاثٌ من وجوه:
الأوّل: ما نقلَه صاحب «البحر» عن يعقوب باشا أنّ قوامَ الأرضِ أضعافُ قوامِ الماء، فقياسه عليها في مقدار عدمِ السرايةِ غير مستقيم.
الثاني: إنّ كونَ الحريمِ من كلِّ جانب عشرة إنّما هو قولُ البعض، والأصحّ أنّ الحريمَ من كلّ جانبٍ أربعون، قال صاحب «الهداية» (¬2): هو الصحيح، واختاره
..........................................................................................................................
..........................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصنِّف والشارحُ في «كتاب إحياء الموات»، وعليه حملوا حديثَ الحريم، يعني أنّ معناه أربعون من كلّ جانب، وإذا بطلَ الأصلُ بطلَ الفرع.
فإن قلت: يكفي في بيان أصل العشر كون الحريمِ بقدرِ العشرِ من كلّ جانبٍ عند البعض.
قلت: فحينئذٍ يكون الأصلُ مرجوحاً ضعيفاً غير معتمدٍ عليه، وهذا هو مفادُ إيراد الشافعيّة.
الثالث: إنَّ مقتضى حديثِ الحريمِ لو سُلِّم ما ذكره أن يكون الحوضُ أكثر من عشرٍ في عشر ليتصوّر بين النجاسة وبين محلّ الطهارة هذا القدر.
الرابع: إنَّ هذا الأصلَ بعد تمامه إنّما هو استنباطيّ ليس بصريحيّ، فلا يصلح مخصَّصاً لعمومِ حديث: «الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غيّر طعمه أو لونه أو ريحه» (¬3)، وغير ذلك من الأخبار.
وفي المقامِ أبحاثٌ أُخر أيضاً مبسوطةٌ في «السعاية»، وبالجملة فما أبداه الشارحُ (من الأصلِ ليس بمعتمد عليه، والحقُّ أنّ عدمَ تأصّل التقديرِ بالعشرِ لا يقدحُ في أصلِ المذهب (¬4)، ولا حاجةَ إلى تأصيله على أصلٍ معتمدٍ عليه، فإنّ هذا التقديرَ وأمثاله إنّما هو للتسهيل.
¬__________
(¬1) «الخراج» (ص101) بتصرف.
(¬2) «الهداية» (10: 37).
(¬3) سبق تخريجه، فما ذكره الشارح (من الحديث وإن سلِّم أنه غير مخصص لهذا الحديث، لكنه مخصص بأحاديث أخرى كثيرة منها كما قال القاري في «فتح باب العناية» (1: 87): أنه «ليس على إطلاقه لقوله (: «لا يَبُولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائم ولا يَغْتَسِلَنَّ فيه من الجنابة»، أو: «ثُمَّ يَغْتَسِل منه» أو: «فيه» كما هو رواية «الصحيحين». فلو لم يكن مُفْسِداً للماءِ لما كان للنهي عنه فائدة».
(¬4) أقول ما أبداه اللكنوي من أن عدمَ التأصيل للعشر لا يقدح في أصل المذهب، كلام لطيف وجيه، لكن تأصيل الشارح (له بديع، يدل على دقّة فهمه، وعمق نظره؛ إذ أن نجاسة الماء القليل ثابتة بكثير من الأدلة مثل: حديث «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد»، وحديث «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم»، وغيرها، فكان لا بد من حدٍّ فاصل للقليل والكثير، فاستئناس الشارح (في تقدير ذلك في محله، ومن أراد الاستفاضة في أدلة ذلك فليراجع المطولات ولا يغتر بكلام المحشي هاهنا، فإن أدلة الحنفية ظاهرة جلية في هذا المقام، والله أعلم.
المجلد
العرض
17%
تسللي / 2520