أيقونة إسلامية

عمدة الرعاية على شرح الوقاية

صلاح أبو الحاج
عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج

0016التيمم

أو صلاةِ الجنازةِ لغيرِ الوليّ، لا لفوتِ الجمعةِ والوقتيَّة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(أو صلاةِ الجنازةِ [1] لغيرِ الوليّ لا لفوتِ الجمعةِ والوقتيَّة)؛ لأنَّ فوتَهما [2] إلى خَلَفٍ وهو الظُّهرُ [3]
===
[1] قوله: أو صلاة الجنازة؛ عطفٌ على صلاة العيد، فإذا حضرت جنازةٌ وخافَ إن اشتغلَ بالطهارةِ أن تفوتَه صلاتها، يجوز له أن يتيمّم؛ وذلك لأنّها إذا فاتت فاتت لا إلى خلف، فيتحقّق العجز بالخوف؛ ولهذا لا يجوز للمولى (¬1)؛ لأنه ينتظر، فلا يخاف الفوت، والمراد به مَن له ولايةُ الصلاة سواءً كان قريباً للميِّت أو غيره كالسلطان والقاضي وغيرهما. كذا في «الغُنية شرح المنية».
ولو تيمَّم وصلَّى على جنازة، ثمَّ أُتي بأخرى فإن كان بين الثانيةِ والأولى مقدارُ ما يذهب ويتوضَّأ ثم يأتي ويصلِّي أعاد التيمّم؛ لأنّ التيمّم لم يبقَ طهوراً في حقِّه، وإلا صلَّى بذلك التيمّم عندهما، خلافاً لمحمَّد، والفتوى على قولهما. كذا في «جامع المضمرات».
[2] قوله: لأنّ فوتهما؛ حاصله: أنّ المجوِّز للتيمّم إنّما هو خوفُ فوتِ ما لا يفوت إلى خلف، والجمعةُ والوقتيّة فوتهما إلى خلف فلا يتحقَّق العجز هاهنا.
فإن قلت: فضيلةُ أداءِ الجمعة والوقت تفوت لا إلى خلف.
قلت: فضيلةُ الوقتِ والأداء صفةٌ للمؤدّى ونافعٌ له غير مقصود بذاته فلا عبرة به.
[3] قوله: وهو الظهر؛ ظاهرُه أنّ الأصلَ يوم الجمعةُ هو صلاةُ الجمعةِ والظهرُ خلفَ عنه فيؤتى به عند تعذّر الأصل، وهذا قولُ زفر (، وقيل: الفرض أحدهما، وهو روايةٌ عن محمّد (، وعن أبي حنيفةَ (فرضُ الوقتِ الظهر، لكنّه مأمورٌ بإسقاطه بالجمعة.
والمختارُ على ما ذكره العَيْنِيّ (¬2) وغيره أنّ الظهرَ أصلٌ لا خلف، ولكنَّه تصوَّر
ضربةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والقضاء [1].
(ضربةٌ [2]
===
بصورةِ الخلفِ باعتبارِ أنّه يقومُ مقامَ الجمعة عند فواتها.
[1] قوله: والقضاء؛ فيه إشارةٌ إلى أنّ المرادَ بالوقتيَّة هي الفرائضُ والواجباتُ التي تقضى، وإلا فصلاة الكسوفِ والخسوفِ والتراويحِ أيضاً وقتيّات: أي مؤقّتة بأوقاتها.
فإن قلت: كان يكفي له ذكرُ القضاءِ من غير حاجةٍ إلى ذكرِ الظهرِ في الجمعة.
قلت: كلا؛ فإنّ خوفَ فوتِ الجمعة قد يكون بخوفِ خروجِ الوقت، وقد يكون بخوفِ سلامِ الإمامِ حيث لا يتعدَّد أداؤها، فخلفيَّةُ الظهرِ مشتملة لكونِهِ أداءً أو قضاءً، فلذلك أفرده بالذكر.
[2] قوله: ضربة؛ إنّما اختارَ لفظ «الضرب» مع أنّ نفسَ الوضعِ على التراب كان اتِّباعاً للأحاديث؛ فإن أكثرها وردت بهذا اللفظ، ثمَّ ظاهره يفيد أنّ الضربَ ركن، فلو ضربَ يديه وأحدثَ قبل أن يمسحَ بهما وجهه ويديه لا يجوزُ له المسحُ بتلك الضربة، والذي يقتضيه التحقيقُ كما في «فتح القدير» (¬3) أنَّ الضربَ ليس بركن.
لمسحِ وجهِه، وضربةٌ ليديهِ مع مرفقيه
لمسحِ وجهِه [1]، وضربةٌ ليديهِ مع مرفقيه)، ولا يشترطُ [2] التَّرتيبُ عندنا، والفتوى [3] على أنه يشترطُ الاستيعابُ حتى لو بقيَ شيءٌ قليلٌ لا يجزئه [4].
[1] قوله: لمسحِ وجهِه؛ فيه إشارةٌ إلى أنّ المقصودَ من الضربِ هو المسح، فلو حصلَ بدونه كفى، كما لو أدخلَ رأسه في موضع الغبارِ بنيّة التيمّم، ولو انهدمَ الحائط وظهرَ الغبارُ فحرَّك رأسه ونوى التيمّم جاز. كذا في «الخلاصة».
[2] قوله: ولا يشترط؛ فيه إشارة إلى سرِّ عطفِ الضربة الثانية على الأولى في المتن بالواو التي تدل على مطلق الجمعية، وإلى أن الترتيب بتقديم مسح الوجه مسنونٌ كما أشار إليه في المتن بتقديمه ذكراً.
[3] قوله: والفتوى؛ مقابلة أنَّ الأكثرَ كافٍ كما روى الحسنُ عن أبي حنيفة (، وإنّما كان الأصحّ هو الاستيعاب (¬4)، عملاً بظاهر القرآن والأحاديث.
[4] قوله: لا يجزئه؛ فيجب أن يمسحَ ما تحت الحاجبين فوق العينين، كما في «المحيط» (¬5)، ومسح العِذار، كما في «القنية»، ولو لم يحرِّك الخاتم إن كان ضيّقاً، وكذا المرأة إن لم تحرّك السوار لم يجز، كما في «الخانية»، و «الولوالجيّة»، ويجب تخليل الأصابع، كما في «المنية».

على كلِّ طاهر من جنسِ الأرضِ كالتُّراب، والرَّمل، والحَجَر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والأحسنُ [1] في مسحِ الذِّراعينَ أن يمسحَ ظاهرَ الذِّراعِ اليُمْنى بالوسطى [2] والبِنْصَر والخِنْصَرِ مع شيءٍ من الكفِّ اليسرى، مبتدئاً من رؤوسِ الأصابع، ثمَّ باطنَها بالمسبِّحةِ والإبهامِ إلى رؤوسِِ الأصابع، وهكذا يفعلُ بالذِّراعِ اليُسْرى.
ثمَّ إذا لم يُدْخِلِ الغبارَ بين أَصابعِه، فعليه أن يخلِّلَ أَصابعَه، فيحتاجُ [3] إلى ضربةٍ ثالثةٍ لتخليلها.
(على كلِّ طاهر) متعلِّقٌ بضربة، (من جنسِ الأرضِ [4] كالتُّراب، والرَّمل، والحَجَر)
===
[1] قوله: والأحسن؛ إنما كان هذا الطريق أحسن؛ لأنّ فيه تحرِّزاً عن استعمال التراب المستعمل، وهو وإن كان غير مضرٍ، فإنّ الترابَ لا يكون مستعملاً على الأصحّ، لكنَّ الاجتنابَ عنه أولى.
[2] قوله: بالوسطى ... الخ؛ هي التي تلي المسبحة على خلافِ جهةِ الإبهام، وما يليها بِنْصَر بكسر الباء وسكون النون وفتح الصاد، وما يليها وهو أصغر الأصابع خِنْصَر على وزن البنصر.
[3] قوله: فيحتاج؛ هذا على رواية محمّد (؛ لأنَّ عنده لا يجوزُ التيمّم بلا غبار، فحيث لم يصل الغبارُ بين الأصابعِ احتيجَ إلى ضربةٍ أخرى، وأمّا عند غيره فلا يجبُ إيصالُ الغبار، بل يكفي المسح، فيجب عليه التخليل، وإن لم يصل الغبار إليه من غير احتياجٍ إلى ضربةٍ ثالثة. كذا في «الدر المختار» (¬6) وغيره.
[4] قوله: من جنسِ الأرض؛ الفارقُ بين ما هو جنسِ الأرض، وبين ما ليس من جنسه على ما ذكره الزَّيْلَعِيُّ (¬7) أنّ كلَّ شيءٍ يحترقُ بالنارِ فيصيرُ رماداً كالشجرِ والحطب، وكلَّ شيءٍ يلين ويذوب بالنار كالحديد والذهب والفضّة، وكلّ ما تأكله الأرضُ كالحنطةِ والشعيرِ وسائر الحبوب ليس من جنسِ الأرض، وما ليس كذلك فهو من جنسِ الأرض، فالقسم الأوّل لا يجوزُ عليه التيمّم ما لم يكن عليه غبارٌ يمسح وجهه
..........................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وكذا [1] الكحلُ والزِّرنيخ.
وأمَّا الذَّهبُ والفضَّةُ فلا يجوزُ بهما، إذا كانا مسبوكَيْن، فإن كانا غيرَ مسبوكَيْن مختلطَيْن بالتُّرابِ يجوز [2] بهما.
والحنطةُ والشَّعيرُ إن كان عليهما غبارٌ يجوز، وإلا فلا.
ولا يجوزُ [1] على مكانٍ كان فيه نجاسةٌ وقد زالَ أثرُها، مع أنه يجوزُ الصَّلاةُ فيه
===
ويديه به، والأوّلُ (¬8) يجوزُ التيمّم به وإن لم يكن عليه غبار.
[1] قوله: وكذا؛ أي يجوزُ التيمّم بالكحلِ بالضم: سرمه، والزِّرنيخ (¬9): بكسر الزاي المعجمة، وسكون الراء المهملة، وكسر النون، وسكون الياء المثنّاة التحتيّة، بعدها فاء معجمة: هرتال.
وكذا يجوز بالجصّ والنُّورةِ والأرض السَّبخة (¬10)، والمراد أسبخ، والأثمد والآجر والحصى والكِيزَان والحيطان، وبالعَقيق والزَّبَرْجَد. كذا في «فتاوى قاضي خان» (¬11)، ويجوزُ بالمرجانِ لا باللؤلؤ؛ لأنَّها خلقت من الماء. كذا في «البحر» (¬12)، و «النهر» (¬13).
[2] قوله: يجوز؛ لتحقُّق المسحِ على التراب؛ فإنّ الغبارَ ترابٌ رقيق، وكذا لو ضربَ يده على الثوبِ أو اليدِ ولزقَ بيده التراب فتيمّم به جاز.
[3] قوله: ولا يجوز؛ فيه تعريضٌ على المصنِّف في إطلاقِهِ الطاهر، فيلزم عليه أن يجوزَ التيمّم بمثل هذا المكان؛ لكونه طاهراً حتى جازت الصلاة عليه، مع أنّه لا يجوز، وكأنّه إنّما أطلقَ هاهنا اعتماداً على ما سيصرّح به في باب الأنجاس أنَّ الأرضَ والآجرَّ المفروشَ تطهرُ باليبس وذهاب الأثر للصلاة لا للتيمّم، وسنذكر وجهَ الفرقِ بين جوازِ الصلاة وجواز التيمّم هناك إن شاء الله تعالى.
¬__________
(¬1) ولو صلَّوا له حق الإعادة، كما في «شرح ابن ملك» (ق13/أ)، وصححه صاحب «الهداية» (1: 27)، و «الخانية» (1: 63)، و «كافي النسفي»، وفي ظاهر الرواية يجوز للولي أيضاً؛ لأن الانتظار فيها مكروه، وصحَّحه شمس الأئمة الحلواني، كما في «رد المحتار» (1: 161).
(¬2) في «البناية» (1: 542 - 543).
(¬3) وبحث ابن الهمام في «فتح القدير» (1: 126) هاهنا لطيف أنقله لتعم به الفائدة؛ إذ قال: «ثم قولهم ضربتان يفيد أن الضرب ركن, ومقتضاه أنه لو ضرب يديه فقبل أن يمسح أحدث لا يجوز المسح بتلك الضربة؛ لأنها ركن فصار كما لو أحدث في الوضوء بعد غسل بعض الأعضاء, وبه قال السيد أبو شجاع.
وقال القاضي الاسبيجابي: يجوز كمن ملأ كفيه ماء فأحدث ثم استعمله. وفي «الخلاصة»: الأصح أنه لا يستعمل ذلك التراب, كذا اختاره شمس الأئمة, وعلى هذا فما صرحوا به من أنه لو ألقت الريح الغبار على وجهه ويديه فمسح بنية التيمم أجزأه, وإن لم يمسح لا يجوز يلزم فيه إما كونه قول من أخرج الضربة لا قول الكل, وإما اعتبار الضربة أعم من كونها على الأرض أو على العضو مسحاً.
والذي يقتضيه النظر عدم اعتبار ضربة الأرض من مسمى التيمم شرعاً, فإن المأمور به المسح ليس غير في الكتاب, قال (: {فتيمموا صعيداً طيبا فامسحوا بوجوكم} [النساء: من الآية43] ويحمل قوله (: «التيمم ضربتان» إما على إرادة الأعم من المسحتين كما قلنا, أو أنه أخرج مخرج الغالب، والله أعلم».
ومما يؤيد كلام ابن الهمام ما جاء في «المحيط» (1: 294): «قال محمد في بعض روايات الأصل: «يضع يديه على الأرض»، وقال في بعضها: «يضرب يديه على الأرض ضربة»، والآثار جاءت بلفظ «الضرب»، والضرب أفضل؛ لأنه يدخل التراب أثناء الأصابع، وبالوضع لا يدخل».
(¬4) حتى لو ترك شعرة، أو وترة منخر ـ أي حرف المنخر ـ لم يجز، وينزع الخاتم والسوار، أو يحرك، وبه يفتى. كما في «الدر المختار» (1: 158).
(¬5) ما وقفت عليه في «المحيط البرهاني» (1: 296): «وذكر الكرخي في كتابه: أن استيعاب العضوين بالتيمم واجب في ظاهر الرواية عن أصحابنا، حتى لو ترك المتيمم شيئاً قليلاً من مواضع التيمم لا يجزئه، وهذا ظاهر؛ لأن التيمم قام مقام الوضوء ... ».
(¬6) «الدر المختار»، و «رد المحتار» (1: 159).
(¬7) في «التبيين» (1: 39)، وينظر: «تحفة الفقهاء» (1: 41)، وغيرها.
(¬8) العبارة موهمة، والمراد أن ما كان من جنس الأرض فيجوز التيمم به بلا غبار.
(¬9) الزِّرنيخ: بالكسر: حجرٌ معروف، وله أنواع كثيرة، منه أبيض، ومنه أحمر، ومنه أصفر. ينظر: «تاج العروس» (7: 263).
(¬10) الأرض السَّبَخة: أرض ذات الملح. ينظر: «المصباح المنير» (1: 263).
(¬11) «فتاوى قاضي خان» (1: 62).
(¬12) «البحر الرائق» (1: 159).
(¬13) «النهر الفائق» (1: 104).
المجلد
العرض
19%
تسللي / 2520