أيقونة إسلامية

عمدة الرعاية على شرح الوقاية

صلاح أبو الحاج
عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج

0016التيمم

.......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأمَّا إذا قال: هذا الماءُ لكم [1]، وقبضوا [2]، لا ينتقضُ تيمُّمُهم، أمَّا عندهما [3]؛ فلأنَّ هبةَ المشاعِ يوجبُ الملكَ على سبيلِ الاشتراك، فيملكُ كلُّ واحدٍ مقداراً لا يكفيه، وأمَّا عند أبي حنيفةَ (؛ فالأصحُّ [4] أنَّهُ يبقى على ملكِ الواهب
===
[1] قوله: هذا الماء لكم؛ أي بلام التمليك، وكذا إذا صرَّح بلفظٍ دالٍّ على الهبة.
[2] قوله: وقبضوا؛ أي المتيمِّمون ذلك الماء، قيَّد بذلك لأنَّ الهبةَ لا تفيدُ الملكَ عندنا بدون القبض كما هو مفصَّل في (كتاب الهبة).
[3] قوله: أمّا عندهما؛ تفصيله أنّ هبةَ المشاعِ: أي الشيء المشترك الشائع الغيرُ المنقسم إن كان ذلك ممَّا لا يقسّم؛ أي يكون بحيث لو قسّم لا يبقى منتفعاً به؛ كالرحى والحمَّام والبيت الصغير جائزةٌ اتَّفاقاً.
وإن كان ذلك الشيء ممّا يقسّم فهبته غير نافذةٍ عند أبي حنيفة (ما لم يقسّم، وتفرز حصَّةُ كلُّ واحد، ويقبضها صاحبها.
وعند أبي يوسف ومحمّد (: هذه أيضاً نافذةٌ ومفيدةٌ للملك، ففي ما إذا وهبَ الماءَ الكافي لكلِّ واحدٍ من المتيمِّمين انفراداً لا اجتماعاً من غيرِ تقسيمٍ وإفراز حصَّةِ كلّ منهم لا ينتقضُ تيمّمهم.
أمّا عنده فظاهر؛ لأنّ مثلَ هذه الهبةِ عنده ليست بنافذة، ولا مفيدة للملك؛ فيبقى الماءُ على ملك الواهب، فلم تثبت قدرتُهم على الماءِ مطلقاً.
وأمّا عندهما؛ فلأنّ هبةَ المشاعِ وإن كانت تفيدُ الملك لكنَّها تفيدُهُ اشتراكاً، فيملكُ كلّ واحدٍ منهم في الصورةِ المذكورةِ شيئاً منه، وهو غيرُ كافٍ لطهره، فلم تثبت القدرةُ الناقضة للتيمّم.
[4] قوله: فالأصحّ؛ إشارةٌ إلى وقوعِ الخلاف فيه، فإنّ عصامَ بن يوسف (روى أنّ هبةَ المشاعِ فاسدة، والفاسدةُ تفيدُ الملكَ بالقبض، وبه أخذَ بعضُ المشايخ، وظاهرُ الروايةِ أنّها لا تفيده، حتى لا ينفذَ تصرّفه فيه. كذا في «الفتاوى الخيريّة» (¬1)، و «الحامدية» (¬2)، وغيرها.
لا رِدَّتُه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولم تثبت [1] الإباحة؛ لأنه لَمّا بطلَ الهبةُ بطلَ ما في ضمنِه من الإباحة، ثمَّ إن أباحوا واحداً بعينِهِ ينتقضُ تيمُّمُهُ عندهما لا عنده؛ لأنَّهُ لمَّا لم يملكُوهُ لا يصحُّ إباحتهم.
(لا رِدَّتُه) [2] حتى إذا تيمَّمَ المسلمُ ثم ارتدّ، نعوذُ باللهِ تعالى منه، ثمَّ أسلمَ تصحُّ صلاتُهُ بذلك التَّيمُّم.
===
[1] قوله: ولم يثبت؛ دفعُ دخلٍ مقدَّرٍ تقريرُ الدخل: أنّ الهبةَ تفيدُ أمرين: الملكُ، وإباحة الانتفاع، وبطلانُ ثبوت الملك بسبب كون الهبةِ هبة مشاع لا يستلزمُ بطلانَ الإباحة؛ لكونها تصحّ في مشاع، فينبغي في الصورةِ المذكورةِ أن تبقى الإباحةُ وينتقضُ التيمّم.
وتحريرُ الدفعِ: أنّ الإباحةَ في هذه الصورةِ لم تكن على سبيلِ الاستقلال، بل كانت في ضمنِ الهبة، فلمَّا بطلت الهبةُ لم يثبت ما يتبعها أيضاً، لما تقرَّر في موضعه أنّ الشيء إذا بطلَ بطلَ ما في ضمنه، وأنَّ المبني على الفاسدِ فاسد.
[2] قوله: لا رِدَّته؛ بكسرِ الراء المهملة، وتشديد الدال المهملة؛ أي لا ينقضُ التيمّم ارتدادُ المتيمّم، فإذا تيمَّم المسلمُ ثمَّ ارتدَّ ثمَّ أسلمَ ولم يوجد شيءٌ من النواقض السابقة يبقى تيمّمه، فيصحّ أداءُ الصلاةِ به.
وفيه خلافُ زفر (، فإنّه يقولُ ببطلانِهِ باعتراضِ الردِّة معلِّلاً بأنّ الكفرَ ينافي التيمّم: لأنّه شرعَ مطهراً على خلافِ القياس، فينافيه الكفر كسائرِ العبادات؛ لعدمِ أهليَّة الكافرِ لها.
والجواب عنه: إنّ الباقي بعد التيمّم ليس نفس التيمّم ليرتفعَ بورودِ الكفر، بل الباقي هو وصفُ كونِهِ طاهراً، واعتراضُ الكفرِ عليه لا ينافيه: كاعتراضِ الكفر على الوضوء حيث لا تبطلُ الطهارةُ الحاصلة.
فإن قلت: قد دلَّت الآياتُ والأحاديث على أنّ الردَّةَ تحبطُ العمل، فكيف يبقى تيمّم المرتدّ ووضوؤه.
قلت: الردةُ إنّما تحبطُ ثوابَ الأعمال لا حكماً آخرَ ثابتاً بها: كوصف الطهارة.
وندبَ لراجيه أن يؤخِّر صلاتَهُ إلى آخر الوقت ويجبُ طلبُهُ قدرَ غَلْوة، لو ظنَّهُ قريباً وإلا فلا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وندبَ [1] لراجيه) أي لراجي (¬3) الماء، (أن يؤخِّر صلاتَهُ إلى آخرِ الوقت)، فلو صلَّى بالتَّيمُّمِ في أوَّلِ الوقت، ثمَّ وجدَ الماءَ والوقتُ باقٍ لا يعيدُ الصَّلاة [2].
(ويجبُ طلبُهُ قدرَ غَلْوة لو ظنَّهُ [3] قريباً وإلا فلا)، الغَلْوةُ (¬4): مقدارُ ثلاثمئةِ ذراعٍ إلى أربعمئة.
===
[1] قوله: وندب؛ أي يستحبّ لمن كان يرجو إدراكَ الماءِ والقدرةَ عليه إن أخّر صلاته من أوّل الوقتِ أن يؤخِّرها لإحرازِ أكملِ الطهارتين، وليس ذلك بواجبٍ لثبوتِ العجز في الحال، وتخيير المصلِّي شرعاً في أدائه أوّل الوقت أو أوسطه أو آخره.
[2] قوله: لا يعيد الصلاة؛ لما أخرجه أبو داود والحاكمُ عن أبي سعيدٍ الخدريّ (قال: «خرجَ رجلان في سفرٍ فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمَّما فصلَّيا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعادَ أحدُهما ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله (وذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأ لك صلاتك، وقال للذي أعاد: لك الأجرُ مرَّتين» (¬5).
[3] قوله: لو ظنَّه ... الخ؛ تفصيله على ما في «البحر» (¬6) وغيره: إنّ فاقدَ الماء إن كان في العمرانات فالطلبُ واجبٌ اتِّفاقاً؛ لأنَّ غلبةَ وجودَ الماء في العمرانات دليلٌ ظاهرٌ على وجوده، فلا بدَّ من الطلبِ ليظهرَ عدمَه، فيتحقَّق عجزه.
وإن كان في الصحراءِ فإن لم يظنَّه قريباً لا يجبُ عليه الطلب، بل يستحبّ إذا كان على طمعٍ من وجود الماء، وإن ظنَّه قريباً يجب عليه الطلب؛ لكونِ الظنّ معتبراً شرعاً، فلو لم يطلب وصلَّى بالتيمَّم ثم طلبه فلم يجده وجبت عليه الإعادةُ عندهما، خلافاً لأبي يوسف (، ذكره في «السراج الوهَّاج».
¬__________
(¬1) «الفتاوى الخيرية لنفع البرية» (1: 112)، وفيها أيضاً: ومع إفادتها للملك عند هذا البعض أجمع الكل على أن للواهب استردادها من الموهوب له، ولو كان ذا رحم محرم من الواهب.
(¬2) «تنقيح الفتاوى الحامدية» (2: 85).
(¬3) المراد بالرجاء غلبة الظن، فإن كان لا يرجوه لا يؤخر الصلاة عن أول الوقت؛ لأن فائدة الانتظار احتمال وجدان الماء، فيؤديها بأكمل الطهارتين. ينظر: «البحر» (1: 163 - 164).
(¬4) الغَلْوة: الغاية، مقدار رمية. ينظر: «الصحاح» (2: 208).
(¬5) في «المستدرك» (1: 286)، وصححه، و «سنن الدارمي» (1: 207)، و «سنن البيهقي الكبير» (1: 231)، و «سنن أبي داود» (1: 93)، و «المجتبى» (1: 213)، وغيرها.
(¬6) «البحر الرائق» (1: 169).
المجلد
العرض
20%
تسللي / 2520