أيقونة إسلامية

عمدة الرعاية على شرح الوقاية

صلاح أبو الحاج
عمدة الرعاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج

0027ما يفسد الصلاة

.......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال بعضُ المشايخ: إذا قرأَ إمامُهُ مقدارَ ما يجوزُ به الصَّلاة، أو انتقلَ إلى آيةٍ أُخْرى ففتحَ تفسدُ صلاةُ الفاتح، وإن أخذَ الإمامُ منه تفسدُ صلاةُ الإمامِ أيضاً.
وبعضُهم قالوا: لا تفسدُ [1] في شيء من ذلك، وسمعتُ أن الفتوى على ذلك [2].
===
كان عند رجل يسمّى بيحيى، فقال المصلّي: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} (¬1)، أو كان هناك رجل مسمّى بموسى، فقال: {وما تلك بيمينك يا موسى} (¬2)،إن قصدَ به قراءة القرآن لا تفسد صلاته بالاتّفاق، وإن قصد به الخطاب تفسدُ في قولهم جميعاً». انتهى.
وليعلم أنّهم اختلفوا في أنّ الفاتح على إمامه هل ينوي التعليم أم قراءة القرآن.
فذكر بعضُهم: إنّه ينوي القراءة، وصحَّح في «الهداية» (¬3) وغيرها أن ينويَ التعليم، وحكمَ ابن الهمام في «الفتح» (¬4) على القول الأوّل بالسهو؛ لأنّه عدولٌ إلى المنهيّ عنه عن المرخَّص فيه، ورجَّح ملا الهداد الجونفوي في «حواشي الهداية» القول الأوّل.
وعلَّله بأنّ الفتحَ مفسدٌ في نفسه؛ لأنّه كلام معنى إلا أنّه عفى عنه للضرورة، فيجبُ الاحتراز عنه ما أمكن الاحتراز عنه في النيّة، وإن لم يكن في الفعل، ثم الفتح في نفسه مفسدٌ ومنهيٌّ عنه، والتلاوة في نفسها منهيّة، وليست بمفسدة فالنية ما هو منهيٌّ وليس بمفسد أولى من نيّة الفتحِ الذي هو منهيّ عنه ومفسد.
فإن قلت: الفتحُ مرخّص فيه والقراءةُ منهي عنها.
قلت: من ضرورة الرخصةِ بالفتح الرخصةُ بالتلاوة؛ لعدمِ تصوّر الفتح بدونها، فكان كلّ من التلاوةِ والفتحِ مرخَّصاً فيه». انتهى ملخَّصاً.
[1] قوله: لا تفسد؛ نعم ينبغي للإمامِ أن لا يلجئ المقتدي إلى الفتح، بل يركع إن كان قرأ قدرَ ما تجوزُ به الصلاة، أو ينتقل إلى آية أخرى، فإن أحوجَ إلى ذلك بأن وقف ساكتاً أو مكرراً ولم يركع ولم ينتقل كره، وكذا يكره للمقتدي أن يعجّل في الفتح ما لم يلجئه الإمام. كذا في «الغنية» و «فتاوى قاضي خان» (¬5).
[2] قوله: على ذلك؛ أي على عدمِ الفساد مطلقاً في الفتح على إمامه؛ لما تدلّ
وقراءتُهُ من مصحف
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(وقراءتُهُ [1] من مصحف (¬6)
===
عليه رواية أبي داود التي مرّ ذكرها.
[1] قوله: وقراءته؛ أي المصلِّي من مصحف، وهو ما كتبَ فيه القرآن، سواءً كان إماماً أو مقتدياً، ووجه كونه مفسداً: أنّ الأخذَ من المصحفِ تَلَقُّنٌ من الخارج، فتفسدُ به الصلاة، سواءً كان المصحف محمولاً أو موضوعاً، وسواءً قَلَّبَ المُصلِّي أوراقاً أو قلَّبها غيره، وهذا هو الصحيح كما في «الكافي» وغيره.
وهذا عنده، وعندهما القراءة من المصحف غير مفسدة، بل مكروهة، ومن هاهنا يُعلم أنّه لو فتحَ المقتدي إمامه آخذاً عن المصحف تفسد صلاته وصلاة الإمامِ أيضاً إن أخذَ فتحه، واستدلّ لهما بما روى أن ذكوان مولى عائشة رضي الله عنها «يؤمّ بها في رمضان وكان يقرأ من المصحف» (¬7).
وأيضاً النظر في المصحفِ عبادة، فلا يضرّ ضمّه مع القراءة فلا وجه للفساد، وإنّما يكره هذا الفعل للتشبّه بأهلِ الكتاب، فإنّهم يفعلون كذلك.
فإن قلت: لو كرهَ هذا لكره جميعُ الأفعال المشتركة بيننا وبينهم.
قلت: لا؛ إنّما يكره التشبّه في أفعالهم المخصوصة بهم، ممّا لنا منه بُدّ، ولهذا كره السدلُ في الصلاةِ ونحوه.
واستدلّ لأبي حنيفةَ - رضي الله عنه - بما روى أبو داود عن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - قال: «نهانا أمير المؤمنين أن نؤمَّ الناس في المصحف» (¬8)، فإنّ الأصلَ أنّ النهيَ يقتضي الفساد.
وأجيب عن أثرِ ذكوان - رضي الله عنه - من وجوه:
أحدهما: ما ذكرَه الزَّيْلَعِيّ في «شرح الكنز» (¬9) أنّه كان مراجعة قبل الصلاة.
وسجودُهُ على نجس، والدُّعاءُ بما يسألُ من النَّاس
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وسجودُهُ [1] على نجس، والدُّعاءُ [2] بما يسألُ من النَّاس [3])، نحو: اللَّهُمَّ زوِّجني فلانة، أو أعطني ألفَ دينار، ونحو ذلك، (وأكلُه، وشربُه [4]
===
وثانيهما: ما ذكره العَيْنِيُّ (¬10) وغيره أنّه كان يحفظُ في كلّ شفعٍ مقدارُ ما يقرأ في الركعتين، فظنّ الراوي أنّه كان يقرأ من المصحف، ويؤيّد ما ذكرنا أنّ القراءةَ عن المصحف مكروهة، ولا تظنّ بعائشةَ رضي الله عنها أنّها كانت ترضى بالمكروه وتصلِّي خلفَ مَن يصلّي بصلاةٍ مكروهة، وفي المقام أبحاث ذكرتها في رسالتي: «القول الأشرف في الفتحِ عن المصحف».
[1] قوله: وسجوده على نجس؛ أي موضعٍ نجِس، فهو بكسرِ الجيم، فإذا سجدَ على نجِس فسدت صلاته، وإن أعادَ السجودَ على طاهر، وهذا لاشتراطُ طهارةِ مكان السجدة لصحَّة الصلاةِ باتّفاق أصحابنا على المذهب المعتبر.
وهل تشترط طهارة موضع الركبتين واليدين أم لا؟ اختلف أصحابنا فيه، والمعمول الاشتراط كما في «المنية» وشرحها، و «نور الإيضاح» وغيره، وقد بسطنا الكلام في هذا المقامِ في «السعاية» في شرح «باب شروط الصلاة».
[2] قوله: والدعاء؛ قال في «السراج الوهّاج»: «الذي يشبهُ كلامَ الناسِ إنّما يفسد إذا كان قبلَ تمام فرائضها، أمّا إذا كان بعد التشهّد فلا يفسدها». انتهى.
وفي «العناية»: «حقيقة الكلام بعد التشهد غير مفسد، فكيف بما يشبه، وهذا عندهما ظاهر، وكذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنَّ ما يشبه كلام الناس صنع منه، فتتمّ صلاته به، فكان بالدعاء الذي يشبه كلام الناس خارجاً منها لا مفسداً». انتهى (¬11).
[3] قوله: بما يسأل من الناس؛ مجهول أو معروف، قال الحَلَبِيّ في «شرح المنية»: «إنّ ما هو في القرآن والحديثِ لا يفسد، وما ليس في أحدهما إن استحالَ طلبه من الخلقِ لا يفسد، وإلا يفسد لو قبل قدر التشهّد، وإلا تتم به».
[4] قوله: وأكله وشربه؛ سواء كان عامداً أو ناسيا؛ لأنّه عملٌ كثير، وحالة الصلاة مذكرة، فلا يعفى فيها النسيان، ولو ابتلع شيئاً بين أسنانه لا تفسد صلاته؛ لأنّه
¬__________
(¬1) مريم: من الآية12.
(¬2) طه:17.
(¬3) «الهداية» (1: 62).
(¬4) «فتح القدير» (1: 348).
(¬5) «فتاوى قاضي خان» (1: 137).
(¬6) لأن الأخذ من المصحف تلقَّن من الخارج فتفسد به الصلاة سواء كان المصحف محمولاً أو موضوعاً وسواء قلب المصلي أوراقه أو قلبها غيره، هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وأما عند أبي يوسف ومحمد فلا تفسد، بل تكره، وعند الشافعي لا يكره، ينظر: «الوسيط» (2: 184)، «حلية العلماء» (2: 89)، وتمام مسائل الأخذ من المصحف في «القول الأشرف في الفتح عن المصحف» (ص55).
(¬7) في «مصنف ابن أبي شيبة» (2: 420).
(¬8) في «كنز العمال» (22837) ونسبه إلى ابن أبي داود.
(¬9) «تبيين الحقائق» (1: 159).
(¬10) في «البناية» (2: 427).
(¬11) من «العناية» (1: 319).
المجلد
العرض
31%
تسللي / 2520