موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
معنى قول المحدثين: " للحديث شواهد وطرق كثيرة "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى: للحديث شواهد وطرق كثيرة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولًا:
هذا التعبير يستعمله علماء الحديث الشريف، يريدون به بيان أمر مهم في علوم الحديث، وهو وجود المتابعات والشواهد للحديث المعين، إذ من المعلوم أن أصحاب الكتب الستة والمسانيد إنما يوردون الأحاديث مسندة إلى النبي ﷺ، يعني أن الإمام البخاري مثلا يروي الحديث عن شيخه الذي أخذ عنه، وذلك الشيخ يروي الحديث عن شيخه..، وهكذا حتى تصل السلسلة إلى الصحابي الذي سمع الحديث من النبي ﷺ.
مثال ذلك:
قال الإمام البخاري ﵀ في "الجامع الصحيح"، حديث رقم: (٥٥٢):
حدثنا عبد الله بن يوسف، قال أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ) .
وهذا الإسناد – كما ترى – مهم جدا في معرفة ثبوت الحديث من عدمه، فالعلماء يبحثون في سيرة رجال الإسناد، ودرجة ضبطهم وحفظهم للحديث، فإذا وجدوا أنهم من الثقات الحفاظ حكموا على الحديث بالصحة والقبول.
ثم إذا وجدوا أن هذا الحديث عن النبي ﷺ قد رواه إمام آخر عن الصحابي نفسه، ولكن بإسناد آخر، قالوا: هذا الإسناد متابع للإسناد الأول، أو قالوا: إن للحديث طرقًا عدة.
وهذا الحديث الذي مثلنا به، رواه الإمام مسلم ﵀ من حديث ابن عمر (٦٢٦)، ولكن بإسناد مختلف عن إسناد الإمام البخاري، فقال ﵀:
حدثني هارون بن سعيد الأيلي، قال حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله عن أبيه – يعني ابن عمر –: إلى آخر الحديث.
فإسناد الحديث عند الإمام مسلم يسميه العلماء طريقا آخر، وذلك لأن الصحابي واحد في الحديثين، وهو ابن عمر ﵄، وإنما رواه عنه تلميذ آخر من تلاميذه.
أما إذا روى واحد من الأئمة هذا الحديث عن صحابي آخر غير ابن عمر، فهذا يسميه المحدثون بـ " الشاهد "، فيقولون: للحديث شواهد أخرى.
وفي المثال السابق نجد أن الإمام النسائي روى الحديث في "السنن" (٤٧٨) عن الصحابي الجليل نوفل بن معاوية ﵁.
فقال: أخبرنا سويد بن نصر، قال أنبأنا عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، قال أنبأنا جعفر بن ربيعة، أن عراك بن مالك حدثه، أن نوفل بن معاوية حدثه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) .
فحديث نوفل بن معاوية هذا يسمى " شاهدا " لحديث ابن عمر السابق، والعكس أيضا، حديث ابن عمر يسمى " شاهدا " لحديث نوفل بن معاوية، رضي الله عن الجميع.
وبهذا نفهم معنى قول العلماء: " للحديث شواهد وطرق كثيرة ".
فالشاهد: أن يروي الحديث عن صحابي آخر.
والطريق: أن يروي عن الصحابي نفسه ولكن بسند مختلف عن السند الأول.
ثانيًا:
يبقى السؤال: ماذا نستفيد من هذه الطرق والشواهد للأحاديث؟
فالجواب: يستفاد منها فوائد كثيرة، منها:
١- معرفة الأخطاء التي قد تقع من بعض الرواة، وقد قال علي بن المديني ﵀: "الباب إذا لم تُجمَع طُرُقُه لم يَتَبَيَّن خطؤه" انتهى. رواه الخطيب البغدادي في "الجامع" (٢/٢١٢) .
٢- زيادة الاطمئنان إلى صحة الحديث وثبوته، فالقلب يطمئن إلى صحة الخبر الذي جاء من طريقين أكثر من اطمئنانه للخبر الوارد من طريق واحد.
٣- قد يأتي الحديث بسند ضعيف، ولكن تتعدد طرقه وشواهده، فيرتقي بهذا إلى درجة القبول، ويكون حديثًا مقبولًا، وهذا ما يسميه العلماء: تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات، وهو باب عظيم من أبواب علوم الحديث له شروطه وضوابطه الدقيقة التي يجب الالتزام بها.
قال السخاوي ﵀:
"قال النووي ﵀ في بعض الأحاديث: وهذه وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوي بعضها بعضًا، ويصير الحديث حسنًا، ويحتج به، وسبقه البيهقي في تقوية الحديث بكثرة الطرق الضعيفة، وظاهر كلام أبي الحسن بن القطان يرشد إليه، فإنه قال: هذا القسم لا يحتج به كله، بأن يعمل به في فضائل الأعمال ويتوقف عن العمل به في الأحكام، إلا إذا كثرت طرقه، أو عضده اتصال عمل، أو موافقة شاهد صحيح، أو ظاهر القرآن، واستحسنه شيخنا - يعني ابن حجر - وأشار إلى أنَّ مذهب ابن دقيق العيد التوقف" انتهى.
"فتح المغيث" (١/٦٩) .
نرجو أن نكون قد وفقنا لبيان ما سأل عنه السائل بعبارة واضحة سهلة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى: للحديث شواهد وطرق كثيرة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولًا:
هذا التعبير يستعمله علماء الحديث الشريف، يريدون به بيان أمر مهم في علوم الحديث، وهو وجود المتابعات والشواهد للحديث المعين، إذ من المعلوم أن أصحاب الكتب الستة والمسانيد إنما يوردون الأحاديث مسندة إلى النبي ﷺ، يعني أن الإمام البخاري مثلا يروي الحديث عن شيخه الذي أخذ عنه، وذلك الشيخ يروي الحديث عن شيخه..، وهكذا حتى تصل السلسلة إلى الصحابي الذي سمع الحديث من النبي ﷺ.
مثال ذلك:
قال الإمام البخاري ﵀ في "الجامع الصحيح"، حديث رقم: (٥٥٢):
حدثنا عبد الله بن يوسف، قال أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ) .
وهذا الإسناد – كما ترى – مهم جدا في معرفة ثبوت الحديث من عدمه، فالعلماء يبحثون في سيرة رجال الإسناد، ودرجة ضبطهم وحفظهم للحديث، فإذا وجدوا أنهم من الثقات الحفاظ حكموا على الحديث بالصحة والقبول.
ثم إذا وجدوا أن هذا الحديث عن النبي ﷺ قد رواه إمام آخر عن الصحابي نفسه، ولكن بإسناد آخر، قالوا: هذا الإسناد متابع للإسناد الأول، أو قالوا: إن للحديث طرقًا عدة.
وهذا الحديث الذي مثلنا به، رواه الإمام مسلم ﵀ من حديث ابن عمر (٦٢٦)، ولكن بإسناد مختلف عن إسناد الإمام البخاري، فقال ﵀:
حدثني هارون بن سعيد الأيلي، قال حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله عن أبيه – يعني ابن عمر –: إلى آخر الحديث.
فإسناد الحديث عند الإمام مسلم يسميه العلماء طريقا آخر، وذلك لأن الصحابي واحد في الحديثين، وهو ابن عمر ﵄، وإنما رواه عنه تلميذ آخر من تلاميذه.
أما إذا روى واحد من الأئمة هذا الحديث عن صحابي آخر غير ابن عمر، فهذا يسميه المحدثون بـ " الشاهد "، فيقولون: للحديث شواهد أخرى.
وفي المثال السابق نجد أن الإمام النسائي روى الحديث في "السنن" (٤٧٨) عن الصحابي الجليل نوفل بن معاوية ﵁.
فقال: أخبرنا سويد بن نصر، قال أنبأنا عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، قال أنبأنا جعفر بن ربيعة، أن عراك بن مالك حدثه، أن نوفل بن معاوية حدثه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) .
فحديث نوفل بن معاوية هذا يسمى " شاهدا " لحديث ابن عمر السابق، والعكس أيضا، حديث ابن عمر يسمى " شاهدا " لحديث نوفل بن معاوية، رضي الله عن الجميع.
وبهذا نفهم معنى قول العلماء: " للحديث شواهد وطرق كثيرة ".
فالشاهد: أن يروي الحديث عن صحابي آخر.
والطريق: أن يروي عن الصحابي نفسه ولكن بسند مختلف عن السند الأول.
ثانيًا:
يبقى السؤال: ماذا نستفيد من هذه الطرق والشواهد للأحاديث؟
فالجواب: يستفاد منها فوائد كثيرة، منها:
١- معرفة الأخطاء التي قد تقع من بعض الرواة، وقد قال علي بن المديني ﵀: "الباب إذا لم تُجمَع طُرُقُه لم يَتَبَيَّن خطؤه" انتهى. رواه الخطيب البغدادي في "الجامع" (٢/٢١٢) .
٢- زيادة الاطمئنان إلى صحة الحديث وثبوته، فالقلب يطمئن إلى صحة الخبر الذي جاء من طريقين أكثر من اطمئنانه للخبر الوارد من طريق واحد.
٣- قد يأتي الحديث بسند ضعيف، ولكن تتعدد طرقه وشواهده، فيرتقي بهذا إلى درجة القبول، ويكون حديثًا مقبولًا، وهذا ما يسميه العلماء: تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات، وهو باب عظيم من أبواب علوم الحديث له شروطه وضوابطه الدقيقة التي يجب الالتزام بها.
قال السخاوي ﵀:
"قال النووي ﵀ في بعض الأحاديث: وهذه وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوي بعضها بعضًا، ويصير الحديث حسنًا، ويحتج به، وسبقه البيهقي في تقوية الحديث بكثرة الطرق الضعيفة، وظاهر كلام أبي الحسن بن القطان يرشد إليه، فإنه قال: هذا القسم لا يحتج به كله، بأن يعمل به في فضائل الأعمال ويتوقف عن العمل به في الأحكام، إلا إذا كثرت طرقه، أو عضده اتصال عمل، أو موافقة شاهد صحيح، أو ظاهر القرآن، واستحسنه شيخنا - يعني ابن حجر - وأشار إلى أنَّ مذهب ابن دقيق العيد التوقف" انتهى.
"فتح المغيث" (١/٦٩) .
نرجو أن نكون قد وفقنا لبيان ما سأل عنه السائل بعبارة واضحة سهلة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
148