موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
كيف يقال بكفر تارك الصلاة والنجاشي قد روي أنه لم يكن يصلي
[السُّؤَالُ]
ـ[أجد على موقعكم أنكم تفضلون الرأي القائل بأن من يترك الصلاة فهو كافر.. ورغم هذا فهناك رواية تقول بأن النجاشي لم يكن يصلي، وقد جاء في رواية مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "مات اليوم عبد لله صالح أصحمة.. فقام فأمنا وصلى عليه" وأهل السنة يجمعون على حقيقة أن النجاشي من أهل الجنة، فكيف نوفق بين الأمرين من تركه للصلاة برأي العلماء القائل بأن من ترك الصلاة فهو الكفر بعينه ...]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
دلت الأدلة الصحيحة على أن تارك الصلاة كافر، وهذا هو المنقول عن الصحابة والتابعين وجمهور السلف، بل حكاه غير واحد إجماعا عن الصحابة ﵃، وينظر جواب السؤال رقم (٥٢٠٨) ورقم (٨٣١٦٥) .
ودل الدليل الصحيح على أن النجاشي ﵀ قد آمن بالنبي ﷺ، وآوى أصحابه ومنعهم، وصلى عليه النبي ﷺ حين بلغه موته.
فقد روى البخاري (٣٨٧٧) ومسلم (٩٥٢) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ: (مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ) .
ثانيًا:
الذي يظهر من مجموع ما صح في شأن النجاشي ﵀ أنه كان عزيزا منيعا، وأنه منع أصحاب النبي ﷺ المهاجرين عنده، وهذا ينافي ما قيل من أنه كان لا يصلي أو لا يظهر إيمانه خوفا من قومه.
فقد روى أحمد (١٧٤٢) في قصة النجاشي مع جعفر بن أبي طالب ﵁، من حديث أم سلمة ﵂، وفيه: (فَقَالَ لَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ (يعني المسيح عيسى بن مريم ﵇) الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ. قَالَتْ: فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ، فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاللَّهِ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي، وَالسُّيُومُ الْآمِنُونَ، مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ، ثُمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرًا ذَهَبًا، وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ، وَالدَّبْرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْجَبَلُ، رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِهَا [يعني عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وكانت قريش قد أرسلتهما بهدايا إلى النجاشي ليرد معهما أصحاب النبي ﷺ]، فَوَاللَّهِ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ، قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ.
قَالَتْ: فَوَاللَّهِ إِنَّا عَلَى ذَلِكَ إِذْ نَزَلَ بِهِ يَعْنِي مَنْ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَيَأْتِيَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ، قَالَتْ: وَسَارَ النَّجَاشِيُّ وَبَيْنَهُمَا عُرْضُ النِّيلِ، قَالَتْ: فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ الْقَوْمِ ثُمَّ يَأْتِيَنَا بِالْخَبَرِ؟ قَالَتْ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا، قَالَتْ: وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنًّا. قَالَتْ: فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ، قَالَتْ: وَدَعَوْنَا اللَّهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلَادِهِ، وَاسْتَوْسَقَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ) والحديث حسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند برقم (١٧٤٠)، وصححه الألباني في تعليقه على فقه السيرة، ص ١١٥
وهذا صريح في حصول التمكين للنجاشي في بلده، فما الذي يمنعه من أداء الصلاة. على أنه لو كان مغلوبا من قومه لم يسلّم القول بتركه للصلاة؛ لأن الصلاة يمكن إخفاؤها، ولم يزل المستضعفون ممن آمن من النصارى وغيرهم يحافظون على صلاتهم ويخفونها عن قومهم، والنجاشي أولى بذلك ﵀.
ومما يؤكد ما ذكرنا من قوة النجاشي ومنعته، ما أخبر به عمرو بن العاص ﵁ أن النجاشي منع الخراج الذي كان يدفعه لهرقل بعدما أسلم.
قال ابن القيم ﵀ في بيان قدوم عمرو بن العاص على ملك عمان بكتاب النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام: "فسألنى: أين كان إسلامك؟ قلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقروه واتبعوه، قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب، قلت: ما كذبت، وما نستحله في ديننا، ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بلى. قال: بأي شيء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشي يخرج له خرجا، فلما أسلم وصدق بمحمد ﷺ، قال: لا والله، لو سألني درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له يناق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا، ويدين دينا محدثا؟ قال هرقل: رجل رغب في دين فاختاره لنفسه ما أصنع به؟ والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع، قال: انظر ما تقول يا عمرو، قلت: والله صدقتك " انتهى من "زاد المعاد" (٣ / ٦٩٤) .
وينظر: عيون الأثر لابن سيد الناس (٢/ ٣٣٥) .
ثالثًا:
القول بأن النجاشي ﵀ كان لا يصلي الصلوات، حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية بصيغة التضعيف، ولم ينسبه إلى أحد، وتأوله على أن ذلك لعدم تمكنه من مخالفة قومه. قال ﵀: " وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه، فصلى عليه النبي ﷺ بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفا وصلى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات، وقال: إن أخا لكم صالحا من أهل الحبشة مات، وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يصل الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان ولا يؤدي الزكاة الشرعية، لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم " انتهى من "مجموع الفتاوى" (١٩ / ٢١٧) .
وهذا معارض لما تقدم، وعلى فرض صحته فهو محمول على ترك الصلاة لعذر، لا على تركها مطلقا.
ولا يظهر لنا صحة هذا القول، وهو قول لم يُعز لأحد من العلماء، وهو معارض لما ثبت في مسند أحمد وغيره كما تقدم، بل معارض لما نقله شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر حيث قال: " وقد ذكر عن عطاء وقتادة أن النجاشي كان يصلي إلى بيت المقدس إلى أن مات، وقد مات بعد نسخ القبلة بسنين متعددة، فلما صلى عليه النبي ﷺ بقي في أنفس الناس لأنه كان يصلي إلى غير الكعبة، حتى أنزل الله هذه الآية [يعني قوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)] . وهذا والله أعلم بأنه قد كان بلغه أن النبي ﷺ يصلي إلى بيت المقدس فصلى إليه، ولهذا لم يصل إلى المشرق الذي هو قبلة النصارى، ثم لم يبلغه خبر النسخ لبعد البلاد، فعُذر بها كما عذر أهل قباء وغيرهم، فإن القبلة لما حُولت لم يبلغ الخبر إلى من بمكة من المسلمين ومن كان بأرض الحبشة من المهاجرين مثل جعفر وأصحابه، ومن كان قد أسلم ممن هو بعيد عن المدينة إلى مدة طويلة أو قصيرة " انتهى من "شرح عمدة الفقه" (٤/ ٥٤٨) .
والحاصل: أن ما صح من الأحاديث يدل على إيمان النجاشي وصلاحه وتمكنه في قومه، وهذا يبعد معه القول بأنه كان لا يصلي، وعلى فرض عدم صلاته فيكون ذلك لعدم تمكنه أو لعدم بلوغه تفاصيل ما أمر به، فهذا عذر يمنع من التكفير، وبالجملة فقضايا الأعيان لا تُعارض بها النصوص الصحيحة الثابتة في تكفير تارك الصلاة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[السُّؤَالُ]
ـ[أجد على موقعكم أنكم تفضلون الرأي القائل بأن من يترك الصلاة فهو كافر.. ورغم هذا فهناك رواية تقول بأن النجاشي لم يكن يصلي، وقد جاء في رواية مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "مات اليوم عبد لله صالح أصحمة.. فقام فأمنا وصلى عليه" وأهل السنة يجمعون على حقيقة أن النجاشي من أهل الجنة، فكيف نوفق بين الأمرين من تركه للصلاة برأي العلماء القائل بأن من ترك الصلاة فهو الكفر بعينه ...]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
دلت الأدلة الصحيحة على أن تارك الصلاة كافر، وهذا هو المنقول عن الصحابة والتابعين وجمهور السلف، بل حكاه غير واحد إجماعا عن الصحابة ﵃، وينظر جواب السؤال رقم (٥٢٠٨) ورقم (٨٣١٦٥) .
ودل الدليل الصحيح على أن النجاشي ﵀ قد آمن بالنبي ﷺ، وآوى أصحابه ومنعهم، وصلى عليه النبي ﷺ حين بلغه موته.
فقد روى البخاري (٣٨٧٧) ومسلم (٩٥٢) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ: (مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ) .
ثانيًا:
الذي يظهر من مجموع ما صح في شأن النجاشي ﵀ أنه كان عزيزا منيعا، وأنه منع أصحاب النبي ﷺ المهاجرين عنده، وهذا ينافي ما قيل من أنه كان لا يصلي أو لا يظهر إيمانه خوفا من قومه.
فقد روى أحمد (١٧٤٢) في قصة النجاشي مع جعفر بن أبي طالب ﵁، من حديث أم سلمة ﵂، وفيه: (فَقَالَ لَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ (يعني المسيح عيسى بن مريم ﵇) الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ. قَالَتْ: فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ، فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاللَّهِ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي، وَالسُّيُومُ الْآمِنُونَ، مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ، ثُمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرًا ذَهَبًا، وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ، وَالدَّبْرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْجَبَلُ، رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِهَا [يعني عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وكانت قريش قد أرسلتهما بهدايا إلى النجاشي ليرد معهما أصحاب النبي ﷺ]، فَوَاللَّهِ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ، قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ.
قَالَتْ: فَوَاللَّهِ إِنَّا عَلَى ذَلِكَ إِذْ نَزَلَ بِهِ يَعْنِي مَنْ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَيَأْتِيَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ، قَالَتْ: وَسَارَ النَّجَاشِيُّ وَبَيْنَهُمَا عُرْضُ النِّيلِ، قَالَتْ: فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ الْقَوْمِ ثُمَّ يَأْتِيَنَا بِالْخَبَرِ؟ قَالَتْ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا، قَالَتْ: وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنًّا. قَالَتْ: فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ، قَالَتْ: وَدَعَوْنَا اللَّهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلَادِهِ، وَاسْتَوْسَقَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ) والحديث حسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند برقم (١٧٤٠)، وصححه الألباني في تعليقه على فقه السيرة، ص ١١٥
وهذا صريح في حصول التمكين للنجاشي في بلده، فما الذي يمنعه من أداء الصلاة. على أنه لو كان مغلوبا من قومه لم يسلّم القول بتركه للصلاة؛ لأن الصلاة يمكن إخفاؤها، ولم يزل المستضعفون ممن آمن من النصارى وغيرهم يحافظون على صلاتهم ويخفونها عن قومهم، والنجاشي أولى بذلك ﵀.
ومما يؤكد ما ذكرنا من قوة النجاشي ومنعته، ما أخبر به عمرو بن العاص ﵁ أن النجاشي منع الخراج الذي كان يدفعه لهرقل بعدما أسلم.
قال ابن القيم ﵀ في بيان قدوم عمرو بن العاص على ملك عمان بكتاب النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام: "فسألنى: أين كان إسلامك؟ قلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقروه واتبعوه، قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب، قلت: ما كذبت، وما نستحله في ديننا، ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بلى. قال: بأي شيء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشي يخرج له خرجا، فلما أسلم وصدق بمحمد ﷺ، قال: لا والله، لو سألني درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له يناق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا، ويدين دينا محدثا؟ قال هرقل: رجل رغب في دين فاختاره لنفسه ما أصنع به؟ والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع، قال: انظر ما تقول يا عمرو، قلت: والله صدقتك " انتهى من "زاد المعاد" (٣ / ٦٩٤) .
وينظر: عيون الأثر لابن سيد الناس (٢/ ٣٣٥) .
ثالثًا:
القول بأن النجاشي ﵀ كان لا يصلي الصلوات، حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية بصيغة التضعيف، ولم ينسبه إلى أحد، وتأوله على أن ذلك لعدم تمكنه من مخالفة قومه. قال ﵀: " وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه، فصلى عليه النبي ﷺ بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفا وصلى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات، وقال: إن أخا لكم صالحا من أهل الحبشة مات، وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يصل الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان ولا يؤدي الزكاة الشرعية، لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم " انتهى من "مجموع الفتاوى" (١٩ / ٢١٧) .
وهذا معارض لما تقدم، وعلى فرض صحته فهو محمول على ترك الصلاة لعذر، لا على تركها مطلقا.
ولا يظهر لنا صحة هذا القول، وهو قول لم يُعز لأحد من العلماء، وهو معارض لما ثبت في مسند أحمد وغيره كما تقدم، بل معارض لما نقله شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر حيث قال: " وقد ذكر عن عطاء وقتادة أن النجاشي كان يصلي إلى بيت المقدس إلى أن مات، وقد مات بعد نسخ القبلة بسنين متعددة، فلما صلى عليه النبي ﷺ بقي في أنفس الناس لأنه كان يصلي إلى غير الكعبة، حتى أنزل الله هذه الآية [يعني قوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)] . وهذا والله أعلم بأنه قد كان بلغه أن النبي ﷺ يصلي إلى بيت المقدس فصلى إليه، ولهذا لم يصل إلى المشرق الذي هو قبلة النصارى، ثم لم يبلغه خبر النسخ لبعد البلاد، فعُذر بها كما عذر أهل قباء وغيرهم، فإن القبلة لما حُولت لم يبلغ الخبر إلى من بمكة من المسلمين ومن كان بأرض الحبشة من المهاجرين مثل جعفر وأصحابه، ومن كان قد أسلم ممن هو بعيد عن المدينة إلى مدة طويلة أو قصيرة " انتهى من "شرح عمدة الفقه" (٤/ ٥٤٨) .
والحاصل: أن ما صح من الأحاديث يدل على إيمان النجاشي وصلاحه وتمكنه في قومه، وهذا يبعد معه القول بأنه كان لا يصلي، وعلى فرض عدم صلاته فيكون ذلك لعدم تمكنه أو لعدم بلوغه تفاصيل ما أمر به، فهذا عذر يمنع من التكفير، وبالجملة فقضايا الأعيان لا تُعارض بها النصوص الصحيحة الثابتة في تكفير تارك الصلاة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
1074