اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

موقع الإسلام سؤال وجواب

الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
لم لا تكون المساجد فيها اختلاط النساء بالرجال مثل الطواف؟!

[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا لا يجوز للنساء الصلاة مع الرجال فى المسجد بينما يعبد الله فى مكة كل من الرجال والنساء جنبا إلى جنب؟ .]ـ

[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولًا:
هذا الإشكال مبني على خطأ في معرفة حكم الشرع في اختلاط الرجال والنساء في الطواف، فالأخ السائل يعتقد أن الشريعة تبيح اختلاط الرجال بالنساء " جنبًا إلى جنب " في الطواف! وهو يستشكل عدم وجود هذا في الصلاة، ومعنى كلامه أنه يريد صفوف النساء والرجال متداخلة، فيتراص الرجال والنساء في صفوف الصلاة الكعب بالكعب، والمنكب بالمنكب! وهذا لا يمكن تصور وجوده في الشريعة المحكمة التي تغلق أبواب الفتنة، وتسد على الشيطان طرقه في الغواية.
وحتى يزول أصل الخلل لا بدَّ من توضيح مسألة طواف النساء والرجال حكمًا وواقعًا.
أما حكمًا: فهو أن يكون طواف النساء خلف الرجال وحدهن، أو في الليل حيث لا يكون أحد في الطواف من الرجال.
وأما الواقع: فهو مخالف للشرع، وما نراه من اختلاط الرجال بالنساء بالصورة الموجودة اليوم مرفوض في الشرع، ولا يزال العلماء ينكرونه، ويحاولون إصلاحه، ولصعوبة الأمر فإن كثيرًا من المحاولات لم تنجح، بسبب جهل الناس وعدم تعاونهم، وبسبب الازدحام الشديد، وعدم القدرة على ضبط الناس في الطواف.
وقد حاول بعض الحكام الأمويين الفصل التام بين الرجال والنساء في الطواف، واستدل عليه بالفعل الموجود في زمن النبي ﷺ، وبيَّن أهل العلم أنه لا يلزم من الإذن لهن بالطواف مع الرجال أن يكون اختلاط ومماسة! ومما يدل على هذا الذي ذكرناه:
١. ما رواه البخاري (١٥٣٩) عن ابْن جُرَيْجٍ قال: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَال قَال: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَال؟ قُلتُ: أَبَعْدَ الحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ قَال: إِي لعَمْرِي لقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الحِجَابِ، قُلتُ: كَيْفَ يُخَالطْنَ الرِّجَال؟ قَال: لمْ يَكُنَّ يُخَالطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَال لا تُخَالطُهُمْ، فَقَالتِ امْرَأَةٌ: انْطَلقِي نَسْتَلمْ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ – أي: الحجر الأسود - قَالتِ: انْطَلقِي عَنْكِ وَأَبَتْ، يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِالليْل فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَال، وَلكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلنَ البَيْتَ قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلنَ وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ.
حَجرة من الرجال: بعيدة عنهم.
قال الحافظ ابن حجر – ﵀ -:
وظاهر هذا أن ابن هشام أول من منع ذلك، لكن روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء، قال فرأى رجلا معهن فضربه بالدِّرة، وهذا إن صح لم يعارض الأول؛ لأن ابن هشام منعهن أن يطفن حين يطوف الرجال مطلقًا، فلهذا أنكر عليه عطاء، واحتج بصنيع عائشة، وصنيعها شبيه بهذا المنقول عن عمر.
قال الفاكهي: ويُذكر عن ابن عيينة أن أول من فرَّق بين الرجال والنساء في الطواف: خالد بن عبد الله القسري. ا. هـ.
وهذا إن ثبت فلعله منَعَ ذلك وقتًا، ثم تركه؛ فإنه كان أمير مكة في زمن عبد الملك بن مروان، وذلك قبل ابن هشام بمدة طويلة.
" فتح الباري " (٣ / ٤٨٠) .
فهذا إنكارٌ لواقع الطواف الذي تختلط فيه النساء بالرجال، ولم يكن ليرضَ أحدٌ بذلك من الولاة فضلًا عن العلماء.
قال ابن جُماعة - ﵀ -:
ومن أكبر المنكرات: ما يفعله جهلة العوام في الطواف من مزاحمة الرجال بأزواجهم سافرات عن وجههن، وربما كان ذلك في الليل، وبأيديهم الشموع متقدة ... .
إلى أن قال:
" نسأل الله أن يلهم ولي الأمر إزالة المنكرات ".
وقال ابن حجر الهيتمي - بعد أن نقل كلامه -:
فتأمله تجده صريحًا في وجوب المنع حتى من الطواف عند ارتكابهن دواعي الفتنة.
" الفتاوى الفقهية " (١ / ٢٠١، ٢٠٢) .
وقد علَّق الشيخ ابن عثيمين – ﵀ - على هذا الحديث من صحيح البخاري بقوله:
طواف النساء مع الرجال لا بأس به، ولا يمكن منعه خصوصًا في أوقاتنا هذه؛ لأن كل امرأة مع محرمها، ولو مُنع النساء من الاختلاط مع الرجال: لضاعت النساء، وحصل من الشر أكثر، ولكن لو جُعلن كما تفعل عائشة حَجرة، يعني: بعيدات عن الرجال: لكان هذا طيبًا، وكانوا هنا يفعلونه في الأيام التي ليس فيها زحام شديد، يجعلون النساء على الجانب، وهو عمل طيب، وأما أن تُمنع النساء ويقال لهن: لا تطفن إلا في الليل مثلًا: فهذا صعب، وفي وقتنا هذا الأمر أصعب، لو قلنا: الرجال وحدهم والنساء وحدهن: لحصل فتنة كبيرة، كل إنسان يستطيع أن يصيد المرأة بدون من يعارضه، ولكن على الإنسان أن يتقي الله ﷿ ويتجنب زحام النساء بقدر المستطاع، وعلى المرأة أيضًا أن تنتبه لأولئك الفجار الذين يتصيدون النساء في المطاف - والعياذ بالله - وتجد الرجل يلتصق بها من أول الطواف إلى آخر الطواف - نسأل الله العافية - وكم ضُبط من قضية.
انتهى من " شرح صحيح البخاري " كتاب الحج، بَاب طَوَافِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَال، الشريط السابع، الوجه الثاني.
٢. عَنْ أُمِّ سَلمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالتْ شَكَوْتُ إِلى رَسُول اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَال طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلي إِلى جَنْبِ البَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ.
رواه البخاري (٤٥٢) ومسلم (١٢٧٦) .
قال الحافظ ابن حجر – ﵀ -:
أمَرها أن تطوف من وراء الناس ليكون أستر لها، ولا تقطع صفوفهم أيضًا، ولا يتأذون بدابتها.
" فتح الباري " (٣ / ٤٨١) .
وقال الشيخ سليمان الباجي المالكي – ﵀ -:
وأما طواف النساء من وراء الرجال فهو للحديث الذي ذكرناه (طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَة) ولم يكن لأجل البعير ... وأما المرأة فإن مِن سنَّتها أن تطوف وراء الرجال ; لأنها عبادة لها تعلق بالبيت، فكان مِن سنَّة النِّساء أن يكنَّ وراء الرجال، كالصلاة.
" المنتقى شرح الموطأ " (٢ / ٢٩٥) .
وقال علماء اللجنة الدائمة - ردًّا على من قال بجواز الاختلاط قياسًا على الاختلاط في الطواف -:
أما قياس ذلك على الطواف بالبيت الحرام: فهو قياس مع الفارق؛ فإن النساء كن يطفن في عهد النبي ﷺ مِن وراء الرجال متسترات، لا يداخلنهم ولا يختلطن بهم.. .
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ١٦٤، ١٦٥) .
ثانيًا:
أما صلاة النساء مع الرجال في المسجد: فإن لها ضوابط وأحكامًا تؤدي كلها إلى حفظ الأعراض، وتساهم في بناء المجتمعات على معالي الأخلاق، ومن هذه الضوابط والأحكام:
١. أن يكون للنساء باب للدخول منه إلى المسجد غير باب الرجال.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ) قَالَ نَافِعٌ: فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ.
رواه أبو داود (٤٦٢) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وفي " عون المعبود " (٢ / ٩٢):
(لو تركنا هذا الباب): أي باب المسجد الذي أشار النبي ﷺ.
(للنساء): لكان خيرًا، وأحسن؛ لئلا تختلط النساء بالرجال في الدخول والخروج من المسجد، والحديث فيه دليل أن النساء لا يختلطن في المساجد مع الرجال، بل يعتزلن في جانب المسجد، ويصلين هناك بالاقتداء مع الإمام، فكان عبد الله بن عمر أشد اتباعا للسنة، فلم يدخل من الباب الذي جعل للنساء حتى مات. انتهى
٢. جعل النساء في صفوف خاصة خلف الرجال، حتى لو كانت امرأة واحدة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ قُومُوا فَلِأُصَلِّ لَكُمْ قَالَ أَنَسٌ فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ.
رواه البخاري (٣٧٣) ومسلم (٦٥٨) .
قال النووي – ﵀ -:
وفيه: أن المرأة تقف خلف الرجال، وأنها إذا لم يكن معها امرأة أخرى: تقف وحدها متأخرة.
" شرح مسلم " (٥ / ١٦٣) .
٣. الترغيب في الصفوف الخلفية للنساء والترغيب في الصفوف الأولى للرجال.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا) .
رواه مسلم (٤٤٠) .
قال النووي – ﵀ -:
وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن من مخالطة الرجال، ورؤيتهم، وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس ذلك.
" شرح مسلم " (٤ / ١٥٩، ١٦٠) .
٤. جعل صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، ولو كان المسجد الحرام.
عن أم سلمة عن النبي ﷺ أنه قال: (خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ) .
رواه أحمد (٢٦٠٠٢) وحسَّنه الشيخ الألباني في " صحيح الترغيب " (٣٤١) .
٥. انتظار الرجال بعد الصلاة قليلًا، وإسراع خروج النساء قليلًا.
عن أُمّ سَلَمَة زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ.
رواه البخاري (٨٢٨) .
وعن أم سلمة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ ".
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ (وهو الزهري): فَأُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ الْقَوْمِ.
رواه البخاري (٨٠٢) .
قال بدر الدين العيني – ﵀ -:
فيه: خروج النساء إلى المساجد، وسبقهن بالانصراف، والاختلاط بهن مظنة الفساد، ويمكث الإمام في مصلاه والحالة هذه.
" عمدة القاري " (٦ / ١٢٢) .
قال السندي – ﵀ – في بيان سبب مكثه ﷺ بعد السلام -:
أي: ليتبعه الرجال في ذلك، حتى تنصرف النساء إلى البيوت، فلا يحصل اجتماع الطائفتين في الطريق.
" حاشية سنن ابن ماجه " (حديث ٩٣٢) .
٦. الحفاظ على الحجاب والستر في القدوم للمسجد والانصراف منه.
عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ (أي: متسترات بثوب يغطي جسدهن كله) .
رواه البخاري (٥٥٣) ومسلم (٦٤٥) .
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
فإنَّ النساء كنَّ يطفن في عهد النبي ﷺ من وراء الرجال متسترات، لا يداخلنهم، ولا يختلطن بهم، وكذا حالهن مع الرجال في مصلى العيد، فإنهن كنَّ يخرجن متسترات، ويجلسن خلف الرجال في المصلى، وقد كان النبي ﷺ إذا خطب الرجال خطبة العيد انصرف إلى النساء، فذكَّرهن ووعظهن، فلم يكن اختلاط بين الرجال والنساء، وكذا الحال في حضورهن الصلوات في المساجد، كنَّ يخرجن متلفعات بمروطهن، ويصلين خلف الرجال، لا تخالط صفوفهن صفوف الرجال.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ١٦٤، ١٦٥) .
ونرجو أن نكون بذلك قد أزلنا الخلل الذي يستدل به بعض الناس على جواز اختلاط الرجال بالنساء الاختلاط المستهتر، ظنًا منهم أن الشرع يبيح ذلك الاختلاط في الطواف فهذا الواقع مخالف للشرع، نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين.
والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
4175
المجلد
العرض
70%
الصفحة
4175
(تسللي: 6153)