موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
الذي يتمنى الشهادة: هل ينال كرامة الشهيد؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الذي يتمنى الشهادة بصدق ولم ينلها يعطى كرامات شهيد الحرب، كالتشفيع، وتزويجه ٧٢ من الحور العين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
في هذه المسألة التفصيل الآتي:
١- من كان يجاهد في سبيل الله صادقا محتسبا، ويشارك في قتال الأعداء، ويرجو مِن الله أن يكتب له الشهادة، ولكن مع ذلك لم ينلها حقيقة، فمثله يكتب الله له أجر الشهيد كاملا غير منقوص.
٢- ومن اتخذ الأسباب التي يملكها لنيل الشهادة، وسعى للمشاركة في الجهاد في سبيل الله، وسبق ذلك عزيمةٌ صادقةٌ، وسأل الله بإخلاص أن يكتب له هذه المرتبة، غير أنه حيل بينه وبين المشاركة الفعلية في الجهاد: فهذا يكتب الله له أجر الشهيد، ويعطيه مِن سعة فضله سبحانه ما يبلغ به أجر الشهداء.
٣- وأما من نوى الجهاد في سبيل الله نية مجردة عن اتخاذ الأسباب والسعي التام لنيل الشهادة، فهذا له أجر نيته فقط، وليس له أجر الشهيد الذي قُتل في المعركة.
وقد ورد في السنة ما يدل على ما ذكرناه من أن من عزم على الجهاد عزما صادقا، وطلب الشهادة، أعطي كرامتها:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ) رواه مسلم (١٩٠٨)،
وعن سهل بن حنيف ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) رواه مسلم (١٩٠٩)
وعن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(َمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَإِنَّ لَهُ أَجْرَ شَهِيدٍ)
رواه أبو داود (٢٥٤١) والترمذي (١٦٥٣) وقال حسن صحيح. وصححه ابن دقيق العيد في " الاقتراح " (ص/١٢٣) والألباني في " صحيح أبي داود ".
يقول الإمام النووي ﵀:
" معنى الرواية الأولى مفسَّرٌ من الرواية الثانية، ومعناهما جميعا أنه إذا سأل الشهادة بصدق أعطي من ثواب الشهداء وإن كان على فراشه، وفيه استحباب سؤال الشهادة واستحباب نية الخير " انتهى. " شرح مسلم " (١٣/٥٥)
وقد أخرج الحديث ابن حبان في " صحيحه " (٧/٤٦٤) وبوب عليه بقوله:
" ذكر تفضل الله جل وعلا على سائله الشهادة من قلبه بإعطائه أجر الشهيد وإن مات على فراشه " انتهى.
يقول ابن القيم ﵀:
" بل هذا النوع منقسم إلى:
١- معذور من أهل الجهاد، غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها، وإنما أقعده العجز، فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد، وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية، وهذا لأن قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام، كما دل عليه قوله ﷺ: (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قت صاحبه)
وفي الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث أبى كبشة الأنماري عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي في ماله ربه ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأحسن المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، وهما في الأجر سواءٌ، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو لا يتقى في ماله ربه، ولا يصل به رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا، فهذا بأسوأ المنازل عند الله، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، وهما في الوزر سواءٌ)
فأخبر ﷺ أن وزر الفاعل والناوي الذي ليس مقدوره إلا بقوله دون فعله سواءٌ؛ لأنه أتى بالنية ومقدورِه التام، وكذلك أجر الفاعل والناوي الذي اقترن قوله بنيته. وكذلك المقتول الذي سل السيف وأراد به قتل أخيه المسلم فقتل، نزل منزلة القاتل لنيته التامة التي اقترن بها مقدورها من السعي والحركة.
ومثل هذا قوله ﷺ: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله)، فإن بدلالته ونيته نزل منزلة الفاعل.
ومثل هذا من كان له وِردٌ يُصَلِّيه من الليل فنام، ومن نيته أن يقوم إليه فغلب عينه نوم كتب له أجر ورده، وكان نومه عليه صدقة، ومثله المريض والمسافر إذا كان له عمل يعمله فشغل عنه بالمرض والسفر كتب له مثل عمله وهو صحيح مقيم، ومثله: (من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداءِ ولو مات على فراشه) ونظائر ذلك كثيرة.
٢- والقسم الثاني: معذور ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازم عليه عزمًا تامًا، فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله، بل قد فضَّل الله المجاهدين عليه وإن كان معذورًا؛ لأنه لا نية له تلحقه بالفاعل التام كنية أصحاب القسم الأول " انتهى.
" طريق الهجرتين " (ص/٣٥٩)
فالخلاصة أن من نوى الجهاد، وسعى إليه، وبذل أسبابه، وسأل الله الشهادة بصدق، كتب الله له أجر شهيد.
ثانيا:
ومع ذلك ننبه هنا إلى أنه ليس المقصود أن الله يكتب لمن سأل الشهادة بصدق جميع ما للشهيد الذي قتل في المعركة من الأجر والكرامة؛ وإنما يكتب له قدر أجر الشهادة مجردة عن كل أجور الأعمال المقترنة بالعمل الجهادي من تعب ونصب وجراح وبذل مال ونحو ذلك، فالشهيد وسائل الشهادة بصدق يستويان في أصل الأجر وليس في نوعه ومتعلقاته.
يقول الإمام النووي ﵀:
" واعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام: أحدها: المقتول في حرب بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسَّل ولا يصلَّى عليه.
والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون، والمطعون، وصاحب الهدم، ومن قتل دون ماله، وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيدًا، فهذا يغسَّل ويصلَّى عليه وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
والثالث: من غل في الغنيمة، وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدًا، إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل، ولا يصلَّى عليه، وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة " انتهى.
" شرح مسلم " (٢/١٦٤)
ويقول الحافظ ابن حجر ﵀:
" والذي يظهر أن المذكورين - في الشهداء خمسة وغيرهم - ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما روى أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث جابر، والدارمي وأحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن جحش، وابن ماجه من حديث عمرو بن عتبة: أن النبي ﷺ، سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه.
وروى الحسن بن علي الحلواني في (كتاب المعرفة) له بسناد حسن من حديث ابن أبي طالب قال: " كل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل " انتهى.
"فتح الباري" (٦/٤٤)
ويقول المناوي ﵀:
" (وإن مات على فراشه) لأن كلا منهما نوى خيرا وفعل ما يقدر عليه، فاستويا في أصل الأجر، ولا يلزم من استوائهما فيه من هذه الجهة: استواؤهما في كيفيته وتفاصيله، إذ الأجر على العمل ونيته يزيد على مجرد النية، فمن نوى الحج ولا مال له يحج به يثاب دون ثواب من باشر أعماله، ولا ريب أن الحاصل للمقتول من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على الحاصل للناوي الميت على فراشه، وإن بلغ منزلة الشهيد، فهما وإن استويا في الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرا زائدا وقربا خاصا، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء، فعلم من التقرير أنه لا حاجة لتأويل البعض وتكلفه بتقدير مِن بَعد قوله: (بلغه الله)، فأعط ألفاظ الرسول ﷺ حقها، وأنزلها منازلها، يتبين لك المراد " انتهى.
" فيض القدير " (٦/١٨٦)
وبناء عليه فالفضل الوارد في حديث الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
(لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ)
رواه الترمذي (حديث رقم/١٦٦٣) وقال: حسن صحيح غريب. وسبق ذكرها في جواب رقم: (٨٥١١)
يظهر أن هذه الفضائل إنما تكتب لشهيد المعركة، بدليل قوله: (يغفر له في أول دفعة)، يعني من دمه، فنال هذه الخصال الستة بسبب ما أريق من دمه في سبيل الله، فلا ينال هذه الخصال غيره وإن نال أجر الشهادة الأصلي.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الذي يتمنى الشهادة بصدق ولم ينلها يعطى كرامات شهيد الحرب، كالتشفيع، وتزويجه ٧٢ من الحور العين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
في هذه المسألة التفصيل الآتي:
١- من كان يجاهد في سبيل الله صادقا محتسبا، ويشارك في قتال الأعداء، ويرجو مِن الله أن يكتب له الشهادة، ولكن مع ذلك لم ينلها حقيقة، فمثله يكتب الله له أجر الشهيد كاملا غير منقوص.
٢- ومن اتخذ الأسباب التي يملكها لنيل الشهادة، وسعى للمشاركة في الجهاد في سبيل الله، وسبق ذلك عزيمةٌ صادقةٌ، وسأل الله بإخلاص أن يكتب له هذه المرتبة، غير أنه حيل بينه وبين المشاركة الفعلية في الجهاد: فهذا يكتب الله له أجر الشهيد، ويعطيه مِن سعة فضله سبحانه ما يبلغ به أجر الشهداء.
٣- وأما من نوى الجهاد في سبيل الله نية مجردة عن اتخاذ الأسباب والسعي التام لنيل الشهادة، فهذا له أجر نيته فقط، وليس له أجر الشهيد الذي قُتل في المعركة.
وقد ورد في السنة ما يدل على ما ذكرناه من أن من عزم على الجهاد عزما صادقا، وطلب الشهادة، أعطي كرامتها:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ) رواه مسلم (١٩٠٨)،
وعن سهل بن حنيف ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) رواه مسلم (١٩٠٩)
وعن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(َمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَإِنَّ لَهُ أَجْرَ شَهِيدٍ)
رواه أبو داود (٢٥٤١) والترمذي (١٦٥٣) وقال حسن صحيح. وصححه ابن دقيق العيد في " الاقتراح " (ص/١٢٣) والألباني في " صحيح أبي داود ".
يقول الإمام النووي ﵀:
" معنى الرواية الأولى مفسَّرٌ من الرواية الثانية، ومعناهما جميعا أنه إذا سأل الشهادة بصدق أعطي من ثواب الشهداء وإن كان على فراشه، وفيه استحباب سؤال الشهادة واستحباب نية الخير " انتهى. " شرح مسلم " (١٣/٥٥)
وقد أخرج الحديث ابن حبان في " صحيحه " (٧/٤٦٤) وبوب عليه بقوله:
" ذكر تفضل الله جل وعلا على سائله الشهادة من قلبه بإعطائه أجر الشهيد وإن مات على فراشه " انتهى.
يقول ابن القيم ﵀:
" بل هذا النوع منقسم إلى:
١- معذور من أهل الجهاد، غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها، وإنما أقعده العجز، فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد، وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية، وهذا لأن قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام، كما دل عليه قوله ﷺ: (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قت صاحبه)
وفي الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث أبى كبشة الأنماري عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي في ماله ربه ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأحسن المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، وهما في الأجر سواءٌ، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو لا يتقى في ماله ربه، ولا يصل به رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا، فهذا بأسوأ المنازل عند الله، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، وهما في الوزر سواءٌ)
فأخبر ﷺ أن وزر الفاعل والناوي الذي ليس مقدوره إلا بقوله دون فعله سواءٌ؛ لأنه أتى بالنية ومقدورِه التام، وكذلك أجر الفاعل والناوي الذي اقترن قوله بنيته. وكذلك المقتول الذي سل السيف وأراد به قتل أخيه المسلم فقتل، نزل منزلة القاتل لنيته التامة التي اقترن بها مقدورها من السعي والحركة.
ومثل هذا قوله ﷺ: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله)، فإن بدلالته ونيته نزل منزلة الفاعل.
ومثل هذا من كان له وِردٌ يُصَلِّيه من الليل فنام، ومن نيته أن يقوم إليه فغلب عينه نوم كتب له أجر ورده، وكان نومه عليه صدقة، ومثله المريض والمسافر إذا كان له عمل يعمله فشغل عنه بالمرض والسفر كتب له مثل عمله وهو صحيح مقيم، ومثله: (من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداءِ ولو مات على فراشه) ونظائر ذلك كثيرة.
٢- والقسم الثاني: معذور ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازم عليه عزمًا تامًا، فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله، بل قد فضَّل الله المجاهدين عليه وإن كان معذورًا؛ لأنه لا نية له تلحقه بالفاعل التام كنية أصحاب القسم الأول " انتهى.
" طريق الهجرتين " (ص/٣٥٩)
فالخلاصة أن من نوى الجهاد، وسعى إليه، وبذل أسبابه، وسأل الله الشهادة بصدق، كتب الله له أجر شهيد.
ثانيا:
ومع ذلك ننبه هنا إلى أنه ليس المقصود أن الله يكتب لمن سأل الشهادة بصدق جميع ما للشهيد الذي قتل في المعركة من الأجر والكرامة؛ وإنما يكتب له قدر أجر الشهادة مجردة عن كل أجور الأعمال المقترنة بالعمل الجهادي من تعب ونصب وجراح وبذل مال ونحو ذلك، فالشهيد وسائل الشهادة بصدق يستويان في أصل الأجر وليس في نوعه ومتعلقاته.
يقول الإمام النووي ﵀:
" واعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام: أحدها: المقتول في حرب بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسَّل ولا يصلَّى عليه.
والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون، والمطعون، وصاحب الهدم، ومن قتل دون ماله، وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيدًا، فهذا يغسَّل ويصلَّى عليه وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
والثالث: من غل في الغنيمة، وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدًا، إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل، ولا يصلَّى عليه، وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة " انتهى.
" شرح مسلم " (٢/١٦٤)
ويقول الحافظ ابن حجر ﵀:
" والذي يظهر أن المذكورين - في الشهداء خمسة وغيرهم - ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما روى أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث جابر، والدارمي وأحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن جحش، وابن ماجه من حديث عمرو بن عتبة: أن النبي ﷺ، سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه.
وروى الحسن بن علي الحلواني في (كتاب المعرفة) له بسناد حسن من حديث ابن أبي طالب قال: " كل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل " انتهى.
"فتح الباري" (٦/٤٤)
ويقول المناوي ﵀:
" (وإن مات على فراشه) لأن كلا منهما نوى خيرا وفعل ما يقدر عليه، فاستويا في أصل الأجر، ولا يلزم من استوائهما فيه من هذه الجهة: استواؤهما في كيفيته وتفاصيله، إذ الأجر على العمل ونيته يزيد على مجرد النية، فمن نوى الحج ولا مال له يحج به يثاب دون ثواب من باشر أعماله، ولا ريب أن الحاصل للمقتول من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على الحاصل للناوي الميت على فراشه، وإن بلغ منزلة الشهيد، فهما وإن استويا في الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرا زائدا وقربا خاصا، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء، فعلم من التقرير أنه لا حاجة لتأويل البعض وتكلفه بتقدير مِن بَعد قوله: (بلغه الله)، فأعط ألفاظ الرسول ﷺ حقها، وأنزلها منازلها، يتبين لك المراد " انتهى.
" فيض القدير " (٦/١٨٦)
وبناء عليه فالفضل الوارد في حديث الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
(لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ)
رواه الترمذي (حديث رقم/١٦٦٣) وقال: حسن صحيح غريب. وسبق ذكرها في جواب رقم: (٨٥١١)
يظهر أن هذه الفضائل إنما تكتب لشهيد المعركة، بدليل قوله: (يغفر له في أول دفعة)، يعني من دمه، فنال هذه الخصال الستة بسبب ما أريق من دمه في سبيل الله، فلا ينال هذه الخصال غيره وإن نال أجر الشهادة الأصلي.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
4817