موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
حكم تمثيل الأحاديث النبوية، ووضع صور توضيحية أثناء قراءة القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك قنوات تأتي ببعض الأحاديث، وتمثلها، وتأتي ببعض الآيات، وتكون الخلفية على نفس الآية، يعني: إذا كانت الآيات تتحدث عن الجنَّة، فيأتون بصور حدائق، ما حكم ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولًا:
قد اطلعنا على جملة من مقاطع مصورة فيها تمثيل لأحاديث نبوية، ويمكن تقسيم ما رأيناه إلى أقسام ثلاثة:
الأول:
مقاطع ساعدت الصورة فيها على فهم الحديث، وليس فيها محظور شرعي
ومن أمثلة ذلك مما رأيناه:
أ. عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَثَلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِى فِى النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا ...) رواه مسلم (٢٢٤٨) .
وفي المقطع المرئي: رجل أوقد نارًا، وفراشات، ودواب، اجتمعن عليها، ووقعن فيها، وهو يذبها عن النار، وهو أمر مطابق لما أخبر عنه النبي ﷺ من أمرٍ يتكرر مع كل من يوقد نارًا في صحراء، أو فضاء.
ب. عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ الرِّيشَةِ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ بِفَلَاةٍ) رواه ابن ماجه (٨٨)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
وفي المقطع المرئي: ريشة تتقلب في فلاة بفعل الرياح، وليس في هذا محظور شرعي.
ج. عن ابن عمر ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَثَلُ المُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ مَا أَخَذْتَ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ نَفَعَكَ) رواه الطبراني (١٢/٤١١) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٢٨٥) .
وفي المقطع المرئي: نخلة يؤخذ منها أجزاء منها، وتستعمل فيما ينتفع به الناس، وهو أمر مطابق يقرِّب الصورة لذهن من يستمع الحديث، ويراه واقعًا عمليًّا.
والأمثلة على هذا القسم كثيرة.
القسم الثاني:
مقاطع لم تفد الصورة كثيرًا في تقريب معنى الحديث؛ للبعد عن الصورة الحقيقية، وبين المشهد التمثيلي.
ومن أمثلة ما رأيناه في ذلك:
أ. عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ) رواه مسلم (٧٧٩) .
والمقطع المرئي وإن كان فيه صورتان متقابلتان لبيت يُذكر الله فيه، وآخر فيه غفلة عن ذلك: لكنه لم يظهر فيه الفرق بين الحياة، والموت.
ب. عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) رواه مسلم (٢٥٨٥) .
والمقطع المرئي لم يعبِّر عن حقيقة تداعي البدن لشكوى عضو منه، بل كانت الصورة لمريض لم تظهر عليه أعراض الحمى، ولا السهر، بل كان نائمًا! .
القسم الثالث:
ومن أسوء ما رأيناه، وقفَّ شعرنا من مشاهدته: هو مقطع تمثيلي لرجل ذهب يغرس فسيلة، فصوِّر وقوع يوم القيامة! فاستمر في غرسها، وفي ظنِّ القائمين على إنشاء هذا المقطع أن الأمر مطابق لحديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ) رواه أحمد (٢٠/٢٩٦) وصححه محققو المسند.
وقد سئل الشيخ العلامة عبد الرحمن البرَّاك حفظه الله، عن هذا المقطع تحديدًا، فأنكره، وبيَّن السبب، فنكتفي بذِكر ما قاله الشيخ حفظه الله:
نص السؤال:
في قناة " المجد " مقطع بعنوان (أمثال الحديث النبوي) وقد عرضوا فيه صورة رجل يحمل معه فسيلة نخل، ثم عرضوا في السماء بروقًا، وسحابًا أسود، وأصواتًا، ورعودًا، ثم ظهر على الشاشة نص حديث: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)، ثم قام الرجل بغرس النخلة، وانتهى المقطع، فما حكم هذا العمل؟
فأجاب:
"الحمد لله، من الأمور المسلَّمة أن حسن القصد لا يُسوِّغ الوسيلة، بل غاية ما يحصل: رفع الإثم، إذا لم تكن المخالفة الشرعية مشوبة بهوى، وحقائق الغيب من الماضي، والحاضر، والمستقبل لا يمكن تصورها، فضلًا عن تصويرها! ومِن ذلك: أحوال القيامة؛ كالبعث، والصراط، والميزان، وما يسبق ذلك من النفخ في الصور، وما ينشأ عنه من فزع، وصعق، وتغيرات في العالم العلوي، والسفلي، وما يصاحب ذلك من أهوال.
وما تضمنه هذا الحديث المذكور في السؤال: يفهمه كل مَن يفهم العربية، فإنه يعرف معنى النخلة، ويعرف معنى الغرس، ومعنى الرجل، وإن كان لا يتصور حقيقة الهول، فلا معنى لتوضيح الواضح! ولا يمكن تصور الهول عند قيام الساعة، وهذا الحديث إن كان صحيحًا: فمقصودة: المبالغة في الحث على غرس الشجر المثمر؛ لما فيه مِن النفع العام، والأجر المترتب على ذلك.
ومعلوم أنه إذا قامت الساعة: فلن يُستطاع غرس، ولا يُرجى، ولا يُجنى ثمر، فقد ذهب ما هنالك، وانشغل كلٌّ بنفسه.
إذا ثبت هذا: فنحب من إخواننا القائمين على "قناة المجد" وفقهم الله أن يتجنبوا تمثيل الغيبيات، ويكتفوا بذِكر النصوص، وتفسير، وشرح، ما تدعو إليه الحاجة، فجزاهم الله خيرًا على ما أرادوا، وقدموا من الخير، وعفا عما يقع من أخطاء، إنه تعالى سميع الدعاء،
ومما يلاحظ على هذا المقطع: أن عنوانه غير مطابق لمضمونه، وكأن الذي وضع العنوان اختلط عليه المثل بالتمثيل الاصطلاحي، فإن هذا الحديث ليس من " أمثال الحديث "، وإنما أضيف إليه التمثيل، وصلَّى الله وسلم على محمّد" انتهى. وفي ظننا أن أحاديث الأمثال هي أبعد ما يكون عن الوقوع في المحذور الشرعي؛ فلا حرج من تصويرها وتقديمها للمشاهد؛ لتقريب الصورة لذهنه، بخلاف غيرها من الأحاديث، فقد يوقع في شيء من المحظور، مع كونه لم يفد كثيرًا - كما سبق ـ، في تقريب المعنى لمن يسمعه ويشاهده، وإن كان الحديث في أمرٍ غيبي مما لا يمكن تصويره على الحقيقة: صار الوقوع في المحظور حتميًّا، فالابتعاد عن القسم الثالث: واجب، وعن الثاني: أسلم.
وفي جوابي السؤالين (١٤٤٨٨) و(١٠٨٣٦) بيان شروط التمثيل، فلتُنظر لمن أراد أن يمثِّل غير ما ذكرناه من أحاديث " الأمثال "؛ خشية الوقوع في الإثم.
ثانيًا:
قد قرأنا لمن يُنكر ذلك التمثيل لأحاديث الأمثال، ولم يظهر لنا صواب قوله، وبيان ذلك من وجوه:
١. أن الفعل نفسه ليس بعبادة يفعلونه من أجل التقرب إلى الله.
٢. أن الأمثال بحد ذاتها هي لتقريب الشيء مراد إيصاله للناس، فما يحصل من تمثيل لذلك المثال ليس فيه ما يُنكر، وهو مؤدٍ لدور المثال نفسه.
٣. استعمل النبي ﷺ طرقًا كثيرة من أجل إيصال معانٍ جليلة للصحابة، ومن ذلك:
أ. تقريب معنى رحمة الله تعالى بالعباد بصورة واقعية لامرأة وابنها:
فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ: (أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا) رواه البخاري (٥٦٥٣) ومسلم (٢٧٥٤) .
ب. تقريب معنى رؤية الله تعالى برؤية شيء محسوس مشاهَد.
فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ) رواه البخاري (٥٢٩) ومسلم (٦٣٣) .
٤. استعمال النبي ﷺ للرسم لتوضيح الصورة في أذهان من يراه.
ومن أمثلة ذلك:
أ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًًّا ثُمَّ قَالَ: (هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ) ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: (هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: (إِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) رواه أحمد (٧/٢٠٨) وحسَّنه المحققون.
ب- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعود ﵁ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، وَقَالَ: (هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ - أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا) رواه البخاري (٦٠٥٤) .
فهذان الحديثان فيهما أن النبي ﷺ أحيانًا كان يستعمل ما نسميه الآن "الرسم التوضيحي" لبيان معنى بعض الأحاديث.
ثالثًا:
أما جعل لوحات خلفية تعبيرية وتصويرية مع قراءة القرآن: فينبغي ترك ذلك؛ لأسباب، منها:
١. الغالب على الآيات القرآنية أنها تحوي معانٍ متعددة، وفي كل كلمة من القرآن إعجاز بلاغي، فالصورة التي ستكون مع القراءة ستعطل التأمل في الآية، وسينحصر الذهن في كلمة فيها، كصورة فاكهة، أو نهر، ويترك ما عداها.
٢. وجود صورة مع قراءة الآيات قد يأتي بغير المراد من الآية، فمثلًا: وضع صورة جبل مع قراءة قوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) طه/ ١٠٥: من شأنه أن يصرف الذهن عن المراد من التهويل بما يحدث يوم القيامة، فالجبل لا يكاد يجهله أحد، وأما النسف له: فهي الصورة التي لا يمكن لأحدٍ أن يصورها في ذهن الناس، فضلًا عن تصويرها! .
٣. وضع الصور مع القراءة لا يطابق الواقع في الآخرة، فصورة الأشجار، والفاكهة، والأنهار، وغيرها مما يشبهها: ليست هي ذاتها التي في الآخرة، وإنما الاشتراك بينهما في الأسماء، لا غير، فصار وضع تلك الصور مع القراءة لا يعبِّر عن الحقيقة.
٤. قد تشتمل الآية على معنيين متقابلين، فكيف يمكن جمع ذلك في وقت واحد أثناء قراءة الآية؟! وذلك مثل قوله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) الحجر/ ٤٩، ٥٠، مثل قوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) النساء/ ١٦٥.
وكثير من آيات القرآن الكريم تذكر المقابلة بين جزاء أهل الجنة وجزاء أهل النار، فكيف سيتم المقابلة بينهما في الصورة؟
٥. وأخيرًا: فقد أمر المسلمون عند سماع القرآن بالاستماع والإنصات، ومن شأن النظر في الصور والمشاهد أن يمنع من تفكر القلب، والتدبر بآيات الله تعالى، ومثل هذا ليس مأمورًا به من استمع لحديث النبي ﷺ.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك قنوات تأتي ببعض الأحاديث، وتمثلها، وتأتي ببعض الآيات، وتكون الخلفية على نفس الآية، يعني: إذا كانت الآيات تتحدث عن الجنَّة، فيأتون بصور حدائق، ما حكم ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولًا:
قد اطلعنا على جملة من مقاطع مصورة فيها تمثيل لأحاديث نبوية، ويمكن تقسيم ما رأيناه إلى أقسام ثلاثة:
الأول:
مقاطع ساعدت الصورة فيها على فهم الحديث، وليس فيها محظور شرعي
ومن أمثلة ذلك مما رأيناه:
أ. عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَثَلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِى فِى النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا ...) رواه مسلم (٢٢٤٨) .
وفي المقطع المرئي: رجل أوقد نارًا، وفراشات، ودواب، اجتمعن عليها، ووقعن فيها، وهو يذبها عن النار، وهو أمر مطابق لما أخبر عنه النبي ﷺ من أمرٍ يتكرر مع كل من يوقد نارًا في صحراء، أو فضاء.
ب. عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ الرِّيشَةِ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ بِفَلَاةٍ) رواه ابن ماجه (٨٨)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
وفي المقطع المرئي: ريشة تتقلب في فلاة بفعل الرياح، وليس في هذا محظور شرعي.
ج. عن ابن عمر ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَثَلُ المُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ مَا أَخَذْتَ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ نَفَعَكَ) رواه الطبراني (١٢/٤١١) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٢٨٥) .
وفي المقطع المرئي: نخلة يؤخذ منها أجزاء منها، وتستعمل فيما ينتفع به الناس، وهو أمر مطابق يقرِّب الصورة لذهن من يستمع الحديث، ويراه واقعًا عمليًّا.
والأمثلة على هذا القسم كثيرة.
القسم الثاني:
مقاطع لم تفد الصورة كثيرًا في تقريب معنى الحديث؛ للبعد عن الصورة الحقيقية، وبين المشهد التمثيلي.
ومن أمثلة ما رأيناه في ذلك:
أ. عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ) رواه مسلم (٧٧٩) .
والمقطع المرئي وإن كان فيه صورتان متقابلتان لبيت يُذكر الله فيه، وآخر فيه غفلة عن ذلك: لكنه لم يظهر فيه الفرق بين الحياة، والموت.
ب. عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) رواه مسلم (٢٥٨٥) .
والمقطع المرئي لم يعبِّر عن حقيقة تداعي البدن لشكوى عضو منه، بل كانت الصورة لمريض لم تظهر عليه أعراض الحمى، ولا السهر، بل كان نائمًا! .
القسم الثالث:
ومن أسوء ما رأيناه، وقفَّ شعرنا من مشاهدته: هو مقطع تمثيلي لرجل ذهب يغرس فسيلة، فصوِّر وقوع يوم القيامة! فاستمر في غرسها، وفي ظنِّ القائمين على إنشاء هذا المقطع أن الأمر مطابق لحديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ) رواه أحمد (٢٠/٢٩٦) وصححه محققو المسند.
وقد سئل الشيخ العلامة عبد الرحمن البرَّاك حفظه الله، عن هذا المقطع تحديدًا، فأنكره، وبيَّن السبب، فنكتفي بذِكر ما قاله الشيخ حفظه الله:
نص السؤال:
في قناة " المجد " مقطع بعنوان (أمثال الحديث النبوي) وقد عرضوا فيه صورة رجل يحمل معه فسيلة نخل، ثم عرضوا في السماء بروقًا، وسحابًا أسود، وأصواتًا، ورعودًا، ثم ظهر على الشاشة نص حديث: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)، ثم قام الرجل بغرس النخلة، وانتهى المقطع، فما حكم هذا العمل؟
فأجاب:
"الحمد لله، من الأمور المسلَّمة أن حسن القصد لا يُسوِّغ الوسيلة، بل غاية ما يحصل: رفع الإثم، إذا لم تكن المخالفة الشرعية مشوبة بهوى، وحقائق الغيب من الماضي، والحاضر، والمستقبل لا يمكن تصورها، فضلًا عن تصويرها! ومِن ذلك: أحوال القيامة؛ كالبعث، والصراط، والميزان، وما يسبق ذلك من النفخ في الصور، وما ينشأ عنه من فزع، وصعق، وتغيرات في العالم العلوي، والسفلي، وما يصاحب ذلك من أهوال.
وما تضمنه هذا الحديث المذكور في السؤال: يفهمه كل مَن يفهم العربية، فإنه يعرف معنى النخلة، ويعرف معنى الغرس، ومعنى الرجل، وإن كان لا يتصور حقيقة الهول، فلا معنى لتوضيح الواضح! ولا يمكن تصور الهول عند قيام الساعة، وهذا الحديث إن كان صحيحًا: فمقصودة: المبالغة في الحث على غرس الشجر المثمر؛ لما فيه مِن النفع العام، والأجر المترتب على ذلك.
ومعلوم أنه إذا قامت الساعة: فلن يُستطاع غرس، ولا يُرجى، ولا يُجنى ثمر، فقد ذهب ما هنالك، وانشغل كلٌّ بنفسه.
إذا ثبت هذا: فنحب من إخواننا القائمين على "قناة المجد" وفقهم الله أن يتجنبوا تمثيل الغيبيات، ويكتفوا بذِكر النصوص، وتفسير، وشرح، ما تدعو إليه الحاجة، فجزاهم الله خيرًا على ما أرادوا، وقدموا من الخير، وعفا عما يقع من أخطاء، إنه تعالى سميع الدعاء،
ومما يلاحظ على هذا المقطع: أن عنوانه غير مطابق لمضمونه، وكأن الذي وضع العنوان اختلط عليه المثل بالتمثيل الاصطلاحي، فإن هذا الحديث ليس من " أمثال الحديث "، وإنما أضيف إليه التمثيل، وصلَّى الله وسلم على محمّد" انتهى. وفي ظننا أن أحاديث الأمثال هي أبعد ما يكون عن الوقوع في المحذور الشرعي؛ فلا حرج من تصويرها وتقديمها للمشاهد؛ لتقريب الصورة لذهنه، بخلاف غيرها من الأحاديث، فقد يوقع في شيء من المحظور، مع كونه لم يفد كثيرًا - كما سبق ـ، في تقريب المعنى لمن يسمعه ويشاهده، وإن كان الحديث في أمرٍ غيبي مما لا يمكن تصويره على الحقيقة: صار الوقوع في المحظور حتميًّا، فالابتعاد عن القسم الثالث: واجب، وعن الثاني: أسلم.
وفي جوابي السؤالين (١٤٤٨٨) و(١٠٨٣٦) بيان شروط التمثيل، فلتُنظر لمن أراد أن يمثِّل غير ما ذكرناه من أحاديث " الأمثال "؛ خشية الوقوع في الإثم.
ثانيًا:
قد قرأنا لمن يُنكر ذلك التمثيل لأحاديث الأمثال، ولم يظهر لنا صواب قوله، وبيان ذلك من وجوه:
١. أن الفعل نفسه ليس بعبادة يفعلونه من أجل التقرب إلى الله.
٢. أن الأمثال بحد ذاتها هي لتقريب الشيء مراد إيصاله للناس، فما يحصل من تمثيل لذلك المثال ليس فيه ما يُنكر، وهو مؤدٍ لدور المثال نفسه.
٣. استعمل النبي ﷺ طرقًا كثيرة من أجل إيصال معانٍ جليلة للصحابة، ومن ذلك:
أ. تقريب معنى رحمة الله تعالى بالعباد بصورة واقعية لامرأة وابنها:
فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ: (أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا) رواه البخاري (٥٦٥٣) ومسلم (٢٧٥٤) .
ب. تقريب معنى رؤية الله تعالى برؤية شيء محسوس مشاهَد.
فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ) رواه البخاري (٥٢٩) ومسلم (٦٣٣) .
٤. استعمال النبي ﷺ للرسم لتوضيح الصورة في أذهان من يراه.
ومن أمثلة ذلك:
أ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًًّا ثُمَّ قَالَ: (هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ) ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: (هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: (إِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) رواه أحمد (٧/٢٠٨) وحسَّنه المحققون.
ب- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعود ﵁ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، وَقَالَ: (هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ - أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا) رواه البخاري (٦٠٥٤) .
فهذان الحديثان فيهما أن النبي ﷺ أحيانًا كان يستعمل ما نسميه الآن "الرسم التوضيحي" لبيان معنى بعض الأحاديث.
ثالثًا:
أما جعل لوحات خلفية تعبيرية وتصويرية مع قراءة القرآن: فينبغي ترك ذلك؛ لأسباب، منها:
١. الغالب على الآيات القرآنية أنها تحوي معانٍ متعددة، وفي كل كلمة من القرآن إعجاز بلاغي، فالصورة التي ستكون مع القراءة ستعطل التأمل في الآية، وسينحصر الذهن في كلمة فيها، كصورة فاكهة، أو نهر، ويترك ما عداها.
٢. وجود صورة مع قراءة الآيات قد يأتي بغير المراد من الآية، فمثلًا: وضع صورة جبل مع قراءة قوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) طه/ ١٠٥: من شأنه أن يصرف الذهن عن المراد من التهويل بما يحدث يوم القيامة، فالجبل لا يكاد يجهله أحد، وأما النسف له: فهي الصورة التي لا يمكن لأحدٍ أن يصورها في ذهن الناس، فضلًا عن تصويرها! .
٣. وضع الصور مع القراءة لا يطابق الواقع في الآخرة، فصورة الأشجار، والفاكهة، والأنهار، وغيرها مما يشبهها: ليست هي ذاتها التي في الآخرة، وإنما الاشتراك بينهما في الأسماء، لا غير، فصار وضع تلك الصور مع القراءة لا يعبِّر عن الحقيقة.
٤. قد تشتمل الآية على معنيين متقابلين، فكيف يمكن جمع ذلك في وقت واحد أثناء قراءة الآية؟! وذلك مثل قوله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) الحجر/ ٤٩، ٥٠، مثل قوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) النساء/ ١٦٥.
وكثير من آيات القرآن الكريم تذكر المقابلة بين جزاء أهل الجنة وجزاء أهل النار، فكيف سيتم المقابلة بينهما في الصورة؟
٥. وأخيرًا: فقد أمر المسلمون عند سماع القرآن بالاستماع والإنصات، ومن شأن النظر في الصور والمشاهد أن يمنع من تفكر القلب، والتدبر بآيات الله تعالى، ومثل هذا ليس مأمورًا به من استمع لحديث النبي ﷺ.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
322