موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
هل الإسبال وحلق اللحية وصبغها بالأسود من الكبائر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الإسبال من الكبائر؟ وهل قص اللحية وصبغها بالأسود من الكبائر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الإسبال هو مجاوزة الثوب للكعبين، وهو نوعان:
الأول: ما كان مع الخيلاء، وهذا من كبائر الذنوب؛ لقوله ﷺ: (لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرًا) رواه البخاري (٥٧٨٨)، ومسلم (٢٠٨٧) . ولما روى الترمذي (١٧٣١) والنسائي (٥٣٣٦) وأبو داود (٤١١٧) وابن ماجه (٣٥٨٠) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: (يُرْخِينَ شِبْرًا) فَقَالَتْ: (إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ) قَالَ: (فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لا يَزِدْنَ عَلَيْهِ) . صححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي".
قال ابن حجر المكي في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (١/٢٥٩): " الكبيرة التاسعة بعد المائة: طول الإزار أو الثوب أو الكم خيلاء " انتهى.
والثاني: ما كان بدون خيلاء، وهو محرم كذلك؛ لقوله ﷺ: (ما أسفل الكعبين من الإزار في النار) رواه البخاري (٥٧٨٧) .
وهذا إثمه دون الأول، وإذا لم يكن بذاته كبيرة من الكبائر، فإنه كبيرة مع الإصرار، وهذه قاعدة عامة، وهي أن الصغيرة تصبح كبيرة بالإصرار والمداومة عليها.
قال النووي رحمه لله "في شرح مسلم": " قَالَ الْعُلَمَاء ﵏: وَالإِصْرَار عَلَى الصَّغِيرَة يَجْعَلهَا كَبِيرَة. وَرُوِيَ عَنْ عُمَر وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا ﵃: لا كَبِيرَة مَعَ اِسْتِغْفَارٍ، وَلا صَغِيرَة مَعَ إِصْرَار. مَعْنَاهُ: أَنَّ الْكَبِيرَة تُمْحَى بِالاسْتِغْفَارِ، وَالصَّغِيرَة تَصِير كَبِيرَة بِالإِصْرَارِ " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "النوع الثاني من الإسبال: أن يكون لغير الخيلاء، فهذا حرام، ويخشى أن يكون من الكبائر، لأن النبي ﷺ توعد فيه بالنار، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) " انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٢/٢٥٥) .
وينظر في أدلة تحريم الإسبال جواب السؤال رقم ٧٦٢.
ثانيا:
حلق اللحية محرم، وكذلك تقصيرها وصبغها بالسواد، للأدلة الدالة على وجوب الإعفاء، والنهي عن الصبغ بالسواد، وينظر جواب السؤال رقم ١١٨٩ ورقم ٨٢٧٢٠ ورقم ٨٢٦٧١
والإصرار على ذلك كبيرة من كبائر الذنوب.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٥/١٣٩):" حلق اللحية حرام، لما رواه أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (خالفوا المشركين وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب) ولما رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس)، والإصرار على حلقها من الكبائر فيجب نصح حالقها والإنكار عليه ... " انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يعتبر حلق اللحية من الكبائر؟ وهل يوجد حديث عن الرسول ﷺ يبين فيه العقاب الشديد لمن حلق لحيته؟
فأجاب: " حلق اللحية من الكبائر باعتبار إصرار الحالقين، يعني أن الذين يحلقون لحاهم يصرون على ذلك، ويستمرون عليه، ويجاهرون بمخالفة السنة، فمن أجل ذلك صار حلق اللحى كبيرة من حيث الإصرار عليه، أما الأحاديث الواردة في ذلك فقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها من الفطرة، أي أن إعفاء اللحى من الفطرة، وبناء على ذلك يكون مَنْ حلقها مخالفًا لما فُطِرَ الناس عليه. ثانيًا: أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن حلق اللحية من هدي المجوس والمشركين، ونحن مأمورون بمخالفة المجوس والمشركين، بل وكل كافر لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مَنْ تشبه بقومٍ فهو منهم) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم": سنده جيد وأقل أحواله يقتضي التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم. ثالثًا: أن النبي ﵊ أمر بإعفاء اللحية وقال: (اعفوا اللحى) وفي لفظٍ: (وفروا) وفي لفظٍ: (أرخوا) وقال: (خالفوا المشركين، خالفوا المجوس) والأصل عند أكثر العلماء أن أوامر الله ورسوله للوجوب حتى يوجد ما يصرفها عن ذلك. رابعًا: أن إعفاء اللحية هدي النبي ﵊ وهدي الرسل السابقين، والقارئ يقرأ قول الله تعالى عن هارون حين قال لأخيه موسى: (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي) والعالم بسنة الرسول ﷺ قد بلغه أنه (﵊ كث اللحية عظيم اللحية) ولو خُيِّر لعاقل بين هدي الأنبياء والمرسلين وهدي المشركين فماذا يختار؟ إذا كان عاقلًا فسيختار هدي الأنبياء والمرسلين، ويبتعد عن هدي المجوس والمشركين، لهذا ننصح إخواننا المسلمين أن يتقوا الله، أقول: اتقوا الله، امتثلوا أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في إعفاء اللحية، فإن الله قال: (فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيءٌ من الزيغ فيهلك. فالمسألة عظيمة فنحن نخاطب جميع إخواننا المسلمين أن يتقوا الله ﷿، وأن يتمسكوا بهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى يؤجروا على ذلك، ويحصل لهم مع طيب المظهر باللحية التي جمَّل الله بها وجه الرجل الطيب المبطن، وطيب القلب، لأن الإنسان كلما ازداد تمسكًا بدين الله ازداد قلبه طيبًا، ولنستمع إلى قول الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) ما قال فلنكثرن ماله فلنرفهنه، قال: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) حتى لو كان فقيرًا قلبه مطمئن، راضيًا بقضاء الله وقدره، فحياته طيبة، نسأل الله تعالى أن يطيب قلوبنا بذكره والإيمان به، وأن يهدي جميع المسلمين لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " انتهى من "فتاوى نور على الدرب".
وعدّ بعض العلماء صبغ اللحية بالسواد من الكبائر، وإن لم يكن إصرار؛ لما ورد في ذلك من الوعيد.
قال ابن حجر المكي في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (١/٢٦١): " الكبيرة الحادية عشرة بعد المائة: خضب نحو اللحية بالسواد لغير غرضٍ نحو جهاد. أخرج أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد، وزعمُ ضعفه ليس في محله، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة) . تنبيه: عدّ هذا من الكبائر هو ظاهر ما في هذا الحديث الصحيح من هذا الوعيد الشديد وإن لم أر من عده منها " انتهى.
والواجب على العبد أن يحذر المعصية مهما كان شأنها، فإن الصغائر تجتمع على المرء حتى تهلكه، كما قال ﷺ: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْه) . رواه أحمد (٢٢٣٠٢) من حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁. وقال الحافظ: إسناده حسن.
وروى أحمد (٣٨٠٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلا: كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، فَأَجَّجُوا نَارًا، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا) . حسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٨٧) .
وروى ابن ماجه (٤٢٤٣) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَا عَائِشَةُ، إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ لَهَا مِنْ اللَّهِ طَالِبًا) . صححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
قال الغزالي ﵀: " تواتر الصغائر عظيم التأثير في سواد القلب، وهو كتواتر قطرات
الماء على الحجر، فإنه يحدث فيه حفرة لا محالة، مع لين الماء وصلابة الحجر" انتهى.
ولقد أحسن من قال:
لا تحقرنَّ صغيرةً إنَّ الجبالَ من الحصى.
وفقنا الله وإياك للعلم النافع والعمل الصالح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الإسبال من الكبائر؟ وهل قص اللحية وصبغها بالأسود من الكبائر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الإسبال هو مجاوزة الثوب للكعبين، وهو نوعان:
الأول: ما كان مع الخيلاء، وهذا من كبائر الذنوب؛ لقوله ﷺ: (لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرًا) رواه البخاري (٥٧٨٨)، ومسلم (٢٠٨٧) . ولما روى الترمذي (١٧٣١) والنسائي (٥٣٣٦) وأبو داود (٤١١٧) وابن ماجه (٣٥٨٠) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: (يُرْخِينَ شِبْرًا) فَقَالَتْ: (إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ) قَالَ: (فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لا يَزِدْنَ عَلَيْهِ) . صححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي".
قال ابن حجر المكي في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (١/٢٥٩): " الكبيرة التاسعة بعد المائة: طول الإزار أو الثوب أو الكم خيلاء " انتهى.
والثاني: ما كان بدون خيلاء، وهو محرم كذلك؛ لقوله ﷺ: (ما أسفل الكعبين من الإزار في النار) رواه البخاري (٥٧٨٧) .
وهذا إثمه دون الأول، وإذا لم يكن بذاته كبيرة من الكبائر، فإنه كبيرة مع الإصرار، وهذه قاعدة عامة، وهي أن الصغيرة تصبح كبيرة بالإصرار والمداومة عليها.
قال النووي رحمه لله "في شرح مسلم": " قَالَ الْعُلَمَاء ﵏: وَالإِصْرَار عَلَى الصَّغِيرَة يَجْعَلهَا كَبِيرَة. وَرُوِيَ عَنْ عُمَر وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا ﵃: لا كَبِيرَة مَعَ اِسْتِغْفَارٍ، وَلا صَغِيرَة مَعَ إِصْرَار. مَعْنَاهُ: أَنَّ الْكَبِيرَة تُمْحَى بِالاسْتِغْفَارِ، وَالصَّغِيرَة تَصِير كَبِيرَة بِالإِصْرَارِ " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "النوع الثاني من الإسبال: أن يكون لغير الخيلاء، فهذا حرام، ويخشى أن يكون من الكبائر، لأن النبي ﷺ توعد فيه بالنار، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) " انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٢/٢٥٥) .
وينظر في أدلة تحريم الإسبال جواب السؤال رقم ٧٦٢.
ثانيا:
حلق اللحية محرم، وكذلك تقصيرها وصبغها بالسواد، للأدلة الدالة على وجوب الإعفاء، والنهي عن الصبغ بالسواد، وينظر جواب السؤال رقم ١١٨٩ ورقم ٨٢٧٢٠ ورقم ٨٢٦٧١
والإصرار على ذلك كبيرة من كبائر الذنوب.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٥/١٣٩):" حلق اللحية حرام، لما رواه أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (خالفوا المشركين وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب) ولما رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس)، والإصرار على حلقها من الكبائر فيجب نصح حالقها والإنكار عليه ... " انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يعتبر حلق اللحية من الكبائر؟ وهل يوجد حديث عن الرسول ﷺ يبين فيه العقاب الشديد لمن حلق لحيته؟
فأجاب: " حلق اللحية من الكبائر باعتبار إصرار الحالقين، يعني أن الذين يحلقون لحاهم يصرون على ذلك، ويستمرون عليه، ويجاهرون بمخالفة السنة، فمن أجل ذلك صار حلق اللحى كبيرة من حيث الإصرار عليه، أما الأحاديث الواردة في ذلك فقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها من الفطرة، أي أن إعفاء اللحى من الفطرة، وبناء على ذلك يكون مَنْ حلقها مخالفًا لما فُطِرَ الناس عليه. ثانيًا: أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن حلق اللحية من هدي المجوس والمشركين، ونحن مأمورون بمخالفة المجوس والمشركين، بل وكل كافر لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مَنْ تشبه بقومٍ فهو منهم) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم": سنده جيد وأقل أحواله يقتضي التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم. ثالثًا: أن النبي ﵊ أمر بإعفاء اللحية وقال: (اعفوا اللحى) وفي لفظٍ: (وفروا) وفي لفظٍ: (أرخوا) وقال: (خالفوا المشركين، خالفوا المجوس) والأصل عند أكثر العلماء أن أوامر الله ورسوله للوجوب حتى يوجد ما يصرفها عن ذلك. رابعًا: أن إعفاء اللحية هدي النبي ﵊ وهدي الرسل السابقين، والقارئ يقرأ قول الله تعالى عن هارون حين قال لأخيه موسى: (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي) والعالم بسنة الرسول ﷺ قد بلغه أنه (﵊ كث اللحية عظيم اللحية) ولو خُيِّر لعاقل بين هدي الأنبياء والمرسلين وهدي المشركين فماذا يختار؟ إذا كان عاقلًا فسيختار هدي الأنبياء والمرسلين، ويبتعد عن هدي المجوس والمشركين، لهذا ننصح إخواننا المسلمين أن يتقوا الله، أقول: اتقوا الله، امتثلوا أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في إعفاء اللحية، فإن الله قال: (فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيءٌ من الزيغ فيهلك. فالمسألة عظيمة فنحن نخاطب جميع إخواننا المسلمين أن يتقوا الله ﷿، وأن يتمسكوا بهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى يؤجروا على ذلك، ويحصل لهم مع طيب المظهر باللحية التي جمَّل الله بها وجه الرجل الطيب المبطن، وطيب القلب، لأن الإنسان كلما ازداد تمسكًا بدين الله ازداد قلبه طيبًا، ولنستمع إلى قول الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) ما قال فلنكثرن ماله فلنرفهنه، قال: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) حتى لو كان فقيرًا قلبه مطمئن، راضيًا بقضاء الله وقدره، فحياته طيبة، نسأل الله تعالى أن يطيب قلوبنا بذكره والإيمان به، وأن يهدي جميع المسلمين لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " انتهى من "فتاوى نور على الدرب".
وعدّ بعض العلماء صبغ اللحية بالسواد من الكبائر، وإن لم يكن إصرار؛ لما ورد في ذلك من الوعيد.
قال ابن حجر المكي في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (١/٢٦١): " الكبيرة الحادية عشرة بعد المائة: خضب نحو اللحية بالسواد لغير غرضٍ نحو جهاد. أخرج أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد، وزعمُ ضعفه ليس في محله، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة) . تنبيه: عدّ هذا من الكبائر هو ظاهر ما في هذا الحديث الصحيح من هذا الوعيد الشديد وإن لم أر من عده منها " انتهى.
والواجب على العبد أن يحذر المعصية مهما كان شأنها، فإن الصغائر تجتمع على المرء حتى تهلكه، كما قال ﷺ: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْه) . رواه أحمد (٢٢٣٠٢) من حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁. وقال الحافظ: إسناده حسن.
وروى أحمد (٣٨٠٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلا: كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، فَأَجَّجُوا نَارًا، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا) . حسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٨٧) .
وروى ابن ماجه (٤٢٤٣) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَا عَائِشَةُ، إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ لَهَا مِنْ اللَّهِ طَالِبًا) . صححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
قال الغزالي ﵀: " تواتر الصغائر عظيم التأثير في سواد القلب، وهو كتواتر قطرات
الماء على الحجر، فإنه يحدث فيه حفرة لا محالة، مع لين الماء وصلابة الحجر" انتهى.
ولقد أحسن من قال:
لا تحقرنَّ صغيرةً إنَّ الجبالَ من الحصى.
وفقنا الله وإياك للعلم النافع والعمل الصالح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
485