موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
إطلاق لفظ الرب مقيدا على السيد
[السُّؤَالُ]
ـ[ي عن نهي النبي ﷺ عن قول: (أطعم ربك)، وقول المولى جل وعلا في سورة يوسف ﵇: (أما الآخر فيسقي ربه خمرا)، فكيف الجمع بين النصين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
وردت في هذه المسألة بعض النصوص التي ظاهرها التعارض:
فقد جاء في السنة النبوية نهي عن استعمال لفظ العبودية أو الربوبية مضافا لغير الله تعالى:
فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ. وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلاَي. وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي. وَلْيَقُلْ فَتَاي وَفَتَاتِي وَغُلاَمِي) رواه البخاري (٢٥٥٢) ومسلم (٢٢٤٩)، وزاد فيه: (ولا يقل أحدكم ربي) .
ولكن جاء في القرآن الكريم، وفي السنة الصحيحة أيضا، ما يدل على استعمال هذه الألفاظ مضافة لغير الله تعالى.
يقول الله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢، وقال سبحانه: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) يوسف/٢٣، وقال ﷿: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) يوسف/٤٢.
وقال النبي ﷺ في جوابه لجبريل ﵇ حين سأله عن أمارات الساعة: (أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا) رواه مسلم برقم (٨)، وأصله في البخاري برقم (٥٠) .
وقال ﷺ في ضالة الإبل: (فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) رواه البخاري (٩١) ومسلم (١٧٢٢)، وقال ﷺ: (لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ) رواه البخاري (١٤١٢) ومسلم (١٥٧) .
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لمولاه: (وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ) رواه البخاري (٣٠٥٩) .
ثانيا:
تعددت أجوبة العلماء على هذا التعارض:
١. فذهب بعضهم إلى أن الجواز كان في شرع من قبلنا، ولذلك استعملها النبي يوسف ﵇، أما في شرعنا فلا يجوز.
قال ابن حزم ﵀ في "المحلى" (٩/٢٥٠): " فإن احتج محتج بقول يوسف ﵊: (إنه ربى أحسن مثواي)، وقوله: (اذكرني عند ربك)، فتلك شريعة وهذه أخرى، وتلك لغة وهذه أخرى، وقد كان هذا مباحا عندنا وفي شريعتنا حتى نهى رسول الله ﷺ عن ذلك " انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٥/١١٨): " فإن قيل: لا ريب أن يوسف سمى السيد ربا في قوله: (اذكرني عند ربك)، وقوله: (ارجع إلى ربك) ونحو ذلك، وهذا كان جائزا في شرعه، كما جاز في شرعه أن يسجد له أبواه وإخوته، وكما جاز في شرعه أن يؤخذ السارق عبدا، وإن كان هذا منسوخا في شرع محمد ﷺ " انتهى.
٢. وذهب بعض أهل العلم إلى تخصيص النهي بالذي يضيف اللفظ إلى نفسه، فيقول: عبدي، وأما إذا قال: هذا عبدك: فلا بأس.
قال ابن حزم ﵀: " لا يجوز للسيد أن يقول لغلامه: هذا عبدي، ولا لمملوكته: هذه أَمَتي، لكن يقول: غلامي وفتاي ومملوكي ومملوكتي وخادمي وفتاتي.
ولا يجوز للعبد أن يقول: هذا ربي، أو مولاي، أو ربتي، ولا يقل أحد لمملوك: هذا ربك، ولا ربتك، لكن يقول: سيدي.
وجائز أن يقول المرء لآخر: هذا عبدك، وهذا عبد فلان، وأمة فلان، ومولى فلان؛ لأن النهى لم يرد إلا فيما ذكرنا فقط، وجائز أن يقول: هؤلاء عبيدك، وعبادك، وإماؤك " انتهى.
"المحلى" (٩/٢٤٩) .
٣. النهي للكراهة وليس للتحريم.
وهو توجيه أكثر الشراح والفقهاء.
٤. النهي هو عن اتخاذ ذلك عادة، وليس عن استعماله أحيانا.
قال النووي ﵀ في "شرح مسلم" (١٥/٦): " الجواب من وجهين:
أحدهما: أن الحديث الثاني لبيان الجواز، وأن النهي في الأول للأدب وكراهة التنزيه لا للتحريم.
والثاني: أن المراد النهي عن الإكثار من استعمال هذه اللفظة واتخاذها عادة شائعة، ولم ينه عن إطلاقها في نادر من الأحوال، واختار القاضي هذا الجواب " انتهى.
وقال ﵀ أيضًا: " قال العلماء: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي؛ لأن في لفظه مشاركة لله تعالى في الربوبية.
وأما حديث: (حتى يلقاها ربها) فإنما استعمل لأنها غير مكلفة، فهي كالدار والمال، ولا شك أنه لا كراهة في قول: رب الدار، ورب المال.
وأما قول يوسف ﷺ: (اذكرني عند ربك) فعنه جوابان:
أحدهما: أنه خاطبه بما يعرفه، وجاز هذا الاستعمال للضرورة، كما قال موسى ﷺ للسامري: (وانظر إلى إلهك) طه /٩٧، أي: الذي اتخذته إلها.
والجواب الثاني: أن هذا شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا لا يكون شرعا لن إذا ورد شرعنا بخلافه، وهذا لا خلاف فيه " انتهى.
"الأذكار" (ص/٣٦٣) .
وقال القرطبي ﵀:
" قال العلماء: قوله ﵇: (لا يقل أحدكم)، (وليقل): من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى، لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم، ولأنه قد جاء عنه ﵇: (أن تلد الأمة ربها) أي: مالكها وسيدها، وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ، فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن.
وقد قيل: إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين:
أحدهما: أن العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى، ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيم عليه، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى نفسه، وذلك غير جائز.
والثاني: أن المملوك يدخله من ذلك شيء في استصغاره بتلك التسمية، فيحمله ذلك على سوء الطاعة.
وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون ذلك جائزا في شرع يوسف ﵇ " انتهى.
"الجامع لأحكام القرآن" (٩/١٩٥) .
وانظر جواب السؤال رقم (١١٤٧٤٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[السُّؤَالُ]
ـ[ي عن نهي النبي ﷺ عن قول: (أطعم ربك)، وقول المولى جل وعلا في سورة يوسف ﵇: (أما الآخر فيسقي ربه خمرا)، فكيف الجمع بين النصين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
وردت في هذه المسألة بعض النصوص التي ظاهرها التعارض:
فقد جاء في السنة النبوية نهي عن استعمال لفظ العبودية أو الربوبية مضافا لغير الله تعالى:
فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ. وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلاَي. وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي. وَلْيَقُلْ فَتَاي وَفَتَاتِي وَغُلاَمِي) رواه البخاري (٢٥٥٢) ومسلم (٢٢٤٩)، وزاد فيه: (ولا يقل أحدكم ربي) .
ولكن جاء في القرآن الكريم، وفي السنة الصحيحة أيضا، ما يدل على استعمال هذه الألفاظ مضافة لغير الله تعالى.
يقول الله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢، وقال سبحانه: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) يوسف/٢٣، وقال ﷿: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) يوسف/٤٢.
وقال النبي ﷺ في جوابه لجبريل ﵇ حين سأله عن أمارات الساعة: (أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا) رواه مسلم برقم (٨)، وأصله في البخاري برقم (٥٠) .
وقال ﷺ في ضالة الإبل: (فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) رواه البخاري (٩١) ومسلم (١٧٢٢)، وقال ﷺ: (لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ) رواه البخاري (١٤١٢) ومسلم (١٥٧) .
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لمولاه: (وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ) رواه البخاري (٣٠٥٩) .
ثانيا:
تعددت أجوبة العلماء على هذا التعارض:
١. فذهب بعضهم إلى أن الجواز كان في شرع من قبلنا، ولذلك استعملها النبي يوسف ﵇، أما في شرعنا فلا يجوز.
قال ابن حزم ﵀ في "المحلى" (٩/٢٥٠): " فإن احتج محتج بقول يوسف ﵊: (إنه ربى أحسن مثواي)، وقوله: (اذكرني عند ربك)، فتلك شريعة وهذه أخرى، وتلك لغة وهذه أخرى، وقد كان هذا مباحا عندنا وفي شريعتنا حتى نهى رسول الله ﷺ عن ذلك " انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٥/١١٨): " فإن قيل: لا ريب أن يوسف سمى السيد ربا في قوله: (اذكرني عند ربك)، وقوله: (ارجع إلى ربك) ونحو ذلك، وهذا كان جائزا في شرعه، كما جاز في شرعه أن يسجد له أبواه وإخوته، وكما جاز في شرعه أن يؤخذ السارق عبدا، وإن كان هذا منسوخا في شرع محمد ﷺ " انتهى.
٢. وذهب بعض أهل العلم إلى تخصيص النهي بالذي يضيف اللفظ إلى نفسه، فيقول: عبدي، وأما إذا قال: هذا عبدك: فلا بأس.
قال ابن حزم ﵀: " لا يجوز للسيد أن يقول لغلامه: هذا عبدي، ولا لمملوكته: هذه أَمَتي، لكن يقول: غلامي وفتاي ومملوكي ومملوكتي وخادمي وفتاتي.
ولا يجوز للعبد أن يقول: هذا ربي، أو مولاي، أو ربتي، ولا يقل أحد لمملوك: هذا ربك، ولا ربتك، لكن يقول: سيدي.
وجائز أن يقول المرء لآخر: هذا عبدك، وهذا عبد فلان، وأمة فلان، ومولى فلان؛ لأن النهى لم يرد إلا فيما ذكرنا فقط، وجائز أن يقول: هؤلاء عبيدك، وعبادك، وإماؤك " انتهى.
"المحلى" (٩/٢٤٩) .
٣. النهي للكراهة وليس للتحريم.
وهو توجيه أكثر الشراح والفقهاء.
٤. النهي هو عن اتخاذ ذلك عادة، وليس عن استعماله أحيانا.
قال النووي ﵀ في "شرح مسلم" (١٥/٦): " الجواب من وجهين:
أحدهما: أن الحديث الثاني لبيان الجواز، وأن النهي في الأول للأدب وكراهة التنزيه لا للتحريم.
والثاني: أن المراد النهي عن الإكثار من استعمال هذه اللفظة واتخاذها عادة شائعة، ولم ينه عن إطلاقها في نادر من الأحوال، واختار القاضي هذا الجواب " انتهى.
وقال ﵀ أيضًا: " قال العلماء: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي؛ لأن في لفظه مشاركة لله تعالى في الربوبية.
وأما حديث: (حتى يلقاها ربها) فإنما استعمل لأنها غير مكلفة، فهي كالدار والمال، ولا شك أنه لا كراهة في قول: رب الدار، ورب المال.
وأما قول يوسف ﷺ: (اذكرني عند ربك) فعنه جوابان:
أحدهما: أنه خاطبه بما يعرفه، وجاز هذا الاستعمال للضرورة، كما قال موسى ﷺ للسامري: (وانظر إلى إلهك) طه /٩٧، أي: الذي اتخذته إلها.
والجواب الثاني: أن هذا شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا لا يكون شرعا لن إذا ورد شرعنا بخلافه، وهذا لا خلاف فيه " انتهى.
"الأذكار" (ص/٣٦٣) .
وقال القرطبي ﵀:
" قال العلماء: قوله ﵇: (لا يقل أحدكم)، (وليقل): من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى، لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم، ولأنه قد جاء عنه ﵇: (أن تلد الأمة ربها) أي: مالكها وسيدها، وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ، فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن.
وقد قيل: إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين:
أحدهما: أن العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى، ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيم عليه، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى نفسه، وذلك غير جائز.
والثاني: أن المملوك يدخله من ذلك شيء في استصغاره بتلك التسمية، فيحمله ذلك على سوء الطاعة.
وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون ذلك جائزا في شرع يوسف ﵇ " انتهى.
"الجامع لأحكام القرآن" (٩/١٩٥) .
وانظر جواب السؤال رقم (١١٤٧٤٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
343