موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
حكم شراء برامج الحاسوب المنسوخة
[السُّؤَالُ]
ـ[عندنا في الجزائر البرامج التي تستعمل في جهاز الكمبيوتر نشتريها من الباعة، ونعلم أن هذه النسخ التي نشتريها ليست أصلية، ونعلم أن بيعها أو شراءها غير جائز؛ لأنها محفوظة الحقوق، وللعلم لا تصلنا النسخ الأصلية حتى نشتريها، وغير متوفرة، فهل عدم توفرها يجيز لنا شراء النسخ غير الأصلية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولًا:
هذه المسألة هي جزء من مسألة كبيرة تسمى بـ " الملكية الفكرية "، وهي من المسائل التي طال الحديث حولها شرعيًّا، بل وحتى دوليًّا؛ نظرًا للأهمية التي تترتب عليها، فهي تشمل الملكية الصناعية التي تحفظ حقوق براءات الاختراع والاكتشافات والأسماء الصناعية، كما تشمل الملكية الأدبية والفنية التي تشمل حقوق التأليف والتصنيف.
والحقيقة أن مثل هذه المسائل النوازل تحتاج إلى دراسة شاملة لجميع الجوانب المتعلقة بها، سواء كانت تشريعية أو تأصيلية أو اقتصادية أو غير ذلك، فالأمر تتجاذبه أطراف مختلفة مؤثرة في الحكم، فكان لا بد من الوقوف على هذه المؤثرات.
ونحن ننقل هنا فتاوى بعض الهيئات الشرعية المتخصصة في بحث هذه الأمور النوازل:
١. قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة.
" الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أمَّا بعد:
فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته التاسعة، المنعقدة بمبنى " رابطة العالم الإسلامي " في مكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ١٢ رجب ١٤٠٦هـ إلى يوم السبت ١٩ رجب ١٤٠٦هـ، قد نظر في موضوع حقوق التأليف لمؤلفي الكتب والبحوث والرسائل العلمية: هل هي حقوق ثابتة مملوكة لأصحابها، وهل يجوز شرعًا الاعتياض عنها، والتعاقد مع الناشرين عليها، وهل يجوز لأحدٍ غير المؤلف أن ينشر كتبه وبحوثه ويبيعها دون إذنه، على أنَّها مباحة لكلِّ أحدٍ، أو لا يجوز؟
وعرض على المجلس التقارير والدراسات التي هيأها في هذا الشأن بعض أعضاء المجلس، وناقش المجلس أيضًا رأي بعض الباحثين المعاصرين، من أنَّ المؤلِّف ليس له حقٌّ مالي مشروع فيما يؤلِّفه أو ينشره من كتب علمية، بحجَّة أنَّ العلم لا يجوز شرعًا حجره عن الناس، بل يجب على العلماء بذله، ومن كتم علمًا ألْجَمَهُ الله تعالى يوم القيامة بلجام من نارٍ، فلكلِّ من وصل إلى يده بطريق مشروع نسخة من كتابٍ لأحد المؤلفين، أن ينسخه كتابةً، وأن ينشره ويتاجر بتمويل نشره، وبيع نسخه كما يشاء، وليس للمؤلف حقُّ منعه.
ونظر المجلس في الرأي المقابل، وما نشر فيه عن حقوق الابتكار، وما يسمى الملكية الأدبية والملكية الصناعية، من أنَّ كل مؤلِّف لكتاب أو بحث أو عمل فنيٍّ أو مخترعٍ لآلة نافعة له الحق وحده في استثمار مؤلَّفه أو اختراعه، نشرًا وإنتاجًا وبيعًا، وأن يتنازل عنه لمن شاء بعوض أو غيره، وبالشروط التي يوافق عليها، وليس لأحدٍ أن ينشر الكتاب المؤلَّف أو البحث المكتوب بدون إذن صاحبه، ولا أن يُقَلِّد الاختراع ويتاجر به دون رضى مخترعه.
وانتهى المجلس بعد المناقشة المستفيضة إلى القرار التالي:
أولًا: إنَّ الكتب والبحوث قبل ابتكار طرق النشر بالمطابع التي تخرج منه الآلاف المؤلَّفة من النسخ، حين لم يكن في الماضي وسيلة لنشر الكتاب إلاَّ الاستنساخ باليد، وقد يقضي الناسخ سنوات في استنساخ كتابٍ كبير ليخرج منه نسخة واحدة، كان الناسخ إذ ذاك يخدم العالم المؤلِّف حينما ينسخ بقلمه نسخة أو عدَّة نسخ لولاها لبقي الكتاب على نسخة المؤلِّف الأصلية معرَّضًا للضياع الأبدي إذا تلفت النسخة الأصلية، فلم يكن نسخ الكتاب عدوانًا على المؤلِّف، واستثمارًا من الناسخ لجهود غيره وعلمه، بل بالعكس، كان خدمة له، وشهرة لعلمه، وجهوده.
ثانيًا: أمَّا بعد ظهور المطابع فقد أصبح الأمر معكوسًا تمامًا، فقد يقضي المؤلِّف معظم عمره في تأليف كتاب نافعٍ، وينشره ليبيعه، فيأخذ شخصٌ آخر نسخة منه فينشرها بالوسائل الحديثة طبعًا وتصويرًا، ويبيعه مزاحمًا مؤلِّفَهُ ومنافسًا له، أو يوزِّعه مجانًا ليكسب بتوزيعه شهرة، فيضيع تعب المؤلِّف وجهوده، ومثل ذلك يقال في المخترع.
وهذا مما يثبط همم ذوي العلم والذكاء في التأليف والاختراع، حيث يرون أنَّ جهودهم سينهبها سواهم متى ظهرت ونزلت الميدان، ويتاجر بها منافسًا لهم من لم يبذل شيئًا مما بذلوه هم في التأليف أو الابتكار.
فقد تغيَّر الوضع بتغيُّر الزمن وظهور المستجدات فيه، مما له التأثير الأساسي بين ما كان وما صار، مما يوجب نظرًا جديدًا يحفظ لكل ذي جهد جهده وحقَّه.
فيجب أن يعتبر للمؤلِّف والمُخْتَرِعِ حقٌّ فيما ألَّف أو ابتكر، وهذا الحقُّ هو ملك له شرعًا، لا يجوز لأحدٍ أن يسطو عليه دون إذنه، وذلك بشرط أن يكون الكتاب أو البحث ليس فيه دعوة إلى منكر شرعًا، أو بدعة أو أيِّ ضلالة تنافي شريعة الإسلام، وإلاَّ فإنَّه حينئذٍ يجب إتلافه، ولا يجوز نشره.
وكذلك ليس للناشر الذي يتَّفق معه المؤلِّف ولا لغيره تعديل شيءٍ في مضمون الكتاب، أو تغيير شيءٍ دون موافقة المؤلِّف، وهذا الحقُّ يورَث عن صاحبه، ويتقيَّد بما تقيِّده به المعاهدات الدولية والنظم والأعراف التي لا تخالف الشريعة، والتي تنظِّم هذا الحق وتحدِّده بعد وفاة صاحبه تنظيمًا وجمعًا بين حقِّه الخاصِّ والحقِّ العامِّ؛ لأنَّ كل مؤلِّف أو مخترعٍ يستعين بأفكار ونتاج من سبقوه، ولو في المعلومات العامة، والوسائل القائمة قبله.
أمَّا المؤلِّف أو المخترع الذي يكون مستأجرًا من إحدى دور النشر ليؤلِّف لها كتابًا، أو من إحدى المؤسسات ليخترع لها شيئًا لغاية ما: فإنَّ ما ينتجه يكون من حقِّ الجهة المستأجرة له، ويتبع في حقِّه الشروط المتَّفق عليها بينهما، مما تقبله قواعد التعاقد.
والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه " انتهى.
نقلا عن " فقه النوازل " للدكتور محمد بن حسين الجيزاني (٣ / ١٢٧ – ١٢٩) .
٢. قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
جاء في " قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي " (٩٤) ما يلي:
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت، من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩هـ (الموافق ١٠ إلى ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨م، بعد اطلاعه على البحوث المقدَّمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (الحقوق المعنوية)، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، قرَّر ما يلي:
أولًا: الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف والاختراع أو الابتكار هي حقوق خاصَّةٌ لأصحابها، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتموُّل الناس لها، وهذه الحقوق يعتدُّ بها شرعًا، فلا يجوز الاعتداء عليها.
ثانيًا: يجوز التصرُّف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية، ونقل أيٍّ منها بعوض ماليٍّ إذا انتفى الغرر والتدليس والغش، باعتبار أنَّ ذلك أصبح حقًَّا ماليًّا.
ثالثًا: حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعًا، ولأصحابها حقُّ التصرُّف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها، والله أعلم " انتهى.
٣. قرار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية.
سئل علماء " اللجنة الدائمة " (١٣ / ١٨٨) ما يلي:
أعمل في مجال الحاسب الآلي، ومنذ أن بدأت العمل في هذا المجال أقوم بنسخ البرامج للعمل عليها، ويتم ذلك دون أن أشتري النسخ الأصلية لهذه البرامج، علمًا بأنه توجد على هذه البرامج عبارات تحذيرية من النسخ، مؤداها: أن حقوق النسخ محفوظة، تشبه عبارة (حقوق الطبع محفوظة) الموجودة على بعض الكتب، وقد يكون صاحب البرنامج مسلمًا أو كافرًا، وسؤالي هو: هل يجوز النسخ بهذه الطريقة أم لا؟ .
فأجابوا:
" لا يجوز نسخ البرامج التي يمنع أصحابها نسخها، إلا بإذنهم؛ لقوله ﷺ: (المسلمون على شروطهم)؛ ولقوله ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)؛ وقوله ﷺ: (من سبق إلى مباح فهو أحق به)، سواء كان صاحب هذه البرامج مسلمًا أو كافرًا غير حربي؛ لأن حق الكافر غير الحربي محترم كحق المسلم، وبالله التوفيق " انتهى.
وبناء على ما سبق فلا يجوز لأحد أن ينسخ شيئًا مما حُفظت حقوق نسخه لأصحابه، كما لا يجوز شراء شيء مما نُسخ من هذه البرامج من غير إذن أصحابها، ومع سهولة وسائل الاتصال اليوم لم يعد هناك ما يصعب تحصيله وشراؤه، فالبرامج الأصلية موجودة ولا بد في الوكالات الرسمية لأصحاب تلك الشركات، كما أنها موجودة في مواقع الشركات نفسها على الإنترنت، ويمكن بكل سهولة شراؤها وتحصيلها من تلك الأماكن.
ثانيًا:
يرى بعض علمائنا المحققين حرمة هذا الأمر إذا كان بقصد التجارة، وأما من اقتنى نسخة لنفسه: فالأمر جائز، وهو قول وسط بين المانعين بالكلية، والمبيحين بالكلية.
وقد سبق في جواب السؤال رقم (٢١٩٢٧) إجابة مختصرة لهذه المسألة عن الشيخ سعد الحميِّد، فيها التفصيل التالي:
" نسخ كتاب أو قرص بغرض المتاجرة ومضارّة صاحبه الأصلي: لا يجوز، أما إذا نسخ الإنسان نسخة واحدة لنفسه: فنرجو ألا يكون بذلك بأس، وتركه أولى وأحسن " انتهى.
وهذه فتوى للشيخ ابن عثيمين موافقه لها:
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يجوز نسخ برامج الحاسب الآلي مع أن الشركات تمنع ذلك والنظام؟ وهل يعتبر ذلك احتكارًا وهي تباع بأسعار غالية، وإذا نسخت تباع بأسعار رخيصة؟ .
فأجاب:
القرآن؟ .
السائل: برامج الحاسب الآلي عمومًا.
الشيخ: القرآن؟ .
السائل: القرآن، وغير القرآن، والحديث، وبرامج أخرى كثيرة.
الشيخ: يعني: ما سجل فيه؟ .
السائل: ما سجل في الأقراص.
الشيخ: أما إذا كانت الدولة مانعة: فهذا لا يجوز؛ لأن الله أمر بطاعة ولاة الأمور، إلا في معصية الله، والامتناع من تسجيلها ليس من معصية الله، وأما من جهة الشركات: فالذي أرى أن الإنسان إذا نسخها لنفسه فقط: فلا بأس، وأما إذا نسخها للتجارة: فهذا لا يجوز؛ لأن فيه ضررًا على الآخرين، يشبه البيع على بيع المسلم؛ لأنهم إذا صاروا يبيعونه بمائة ونسختَه أنت وبعته بخمسين: هذا بيع على بيع أخيك.
السائل: وهل يجوز أن أشتريها بخمسين من أصحاب المحلات وهو منسوخ.
الشيخ: لا يجوز، إلا إذا قدم لك أنه مأذون له، وأما إذا لم يقدم: فهذا تشجيع على الإثم والعدوان.
السائل: إذا لم يؤذن له هو - جزاك الله خيرًا -؟ .
الشيخ: وإذا كنت أيضًا لا تدري، أحيانًا الإنسان لا يدري يقف على هذا المعرض ويشتري وهو لا يدري، هذا لا بأس به، الذي لا يدري ليس عليه شيء.
" لقاءات الباب المفتوح " (١٧٨ / السؤال رقم ٦) .
ولمزيد من الفائدة راجع جواب السؤال رقم (٥٢٩٠٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[السُّؤَالُ]
ـ[عندنا في الجزائر البرامج التي تستعمل في جهاز الكمبيوتر نشتريها من الباعة، ونعلم أن هذه النسخ التي نشتريها ليست أصلية، ونعلم أن بيعها أو شراءها غير جائز؛ لأنها محفوظة الحقوق، وللعلم لا تصلنا النسخ الأصلية حتى نشتريها، وغير متوفرة، فهل عدم توفرها يجيز لنا شراء النسخ غير الأصلية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولًا:
هذه المسألة هي جزء من مسألة كبيرة تسمى بـ " الملكية الفكرية "، وهي من المسائل التي طال الحديث حولها شرعيًّا، بل وحتى دوليًّا؛ نظرًا للأهمية التي تترتب عليها، فهي تشمل الملكية الصناعية التي تحفظ حقوق براءات الاختراع والاكتشافات والأسماء الصناعية، كما تشمل الملكية الأدبية والفنية التي تشمل حقوق التأليف والتصنيف.
والحقيقة أن مثل هذه المسائل النوازل تحتاج إلى دراسة شاملة لجميع الجوانب المتعلقة بها، سواء كانت تشريعية أو تأصيلية أو اقتصادية أو غير ذلك، فالأمر تتجاذبه أطراف مختلفة مؤثرة في الحكم، فكان لا بد من الوقوف على هذه المؤثرات.
ونحن ننقل هنا فتاوى بعض الهيئات الشرعية المتخصصة في بحث هذه الأمور النوازل:
١. قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة.
" الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أمَّا بعد:
فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته التاسعة، المنعقدة بمبنى " رابطة العالم الإسلامي " في مكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ١٢ رجب ١٤٠٦هـ إلى يوم السبت ١٩ رجب ١٤٠٦هـ، قد نظر في موضوع حقوق التأليف لمؤلفي الكتب والبحوث والرسائل العلمية: هل هي حقوق ثابتة مملوكة لأصحابها، وهل يجوز شرعًا الاعتياض عنها، والتعاقد مع الناشرين عليها، وهل يجوز لأحدٍ غير المؤلف أن ينشر كتبه وبحوثه ويبيعها دون إذنه، على أنَّها مباحة لكلِّ أحدٍ، أو لا يجوز؟
وعرض على المجلس التقارير والدراسات التي هيأها في هذا الشأن بعض أعضاء المجلس، وناقش المجلس أيضًا رأي بعض الباحثين المعاصرين، من أنَّ المؤلِّف ليس له حقٌّ مالي مشروع فيما يؤلِّفه أو ينشره من كتب علمية، بحجَّة أنَّ العلم لا يجوز شرعًا حجره عن الناس، بل يجب على العلماء بذله، ومن كتم علمًا ألْجَمَهُ الله تعالى يوم القيامة بلجام من نارٍ، فلكلِّ من وصل إلى يده بطريق مشروع نسخة من كتابٍ لأحد المؤلفين، أن ينسخه كتابةً، وأن ينشره ويتاجر بتمويل نشره، وبيع نسخه كما يشاء، وليس للمؤلف حقُّ منعه.
ونظر المجلس في الرأي المقابل، وما نشر فيه عن حقوق الابتكار، وما يسمى الملكية الأدبية والملكية الصناعية، من أنَّ كل مؤلِّف لكتاب أو بحث أو عمل فنيٍّ أو مخترعٍ لآلة نافعة له الحق وحده في استثمار مؤلَّفه أو اختراعه، نشرًا وإنتاجًا وبيعًا، وأن يتنازل عنه لمن شاء بعوض أو غيره، وبالشروط التي يوافق عليها، وليس لأحدٍ أن ينشر الكتاب المؤلَّف أو البحث المكتوب بدون إذن صاحبه، ولا أن يُقَلِّد الاختراع ويتاجر به دون رضى مخترعه.
وانتهى المجلس بعد المناقشة المستفيضة إلى القرار التالي:
أولًا: إنَّ الكتب والبحوث قبل ابتكار طرق النشر بالمطابع التي تخرج منه الآلاف المؤلَّفة من النسخ، حين لم يكن في الماضي وسيلة لنشر الكتاب إلاَّ الاستنساخ باليد، وقد يقضي الناسخ سنوات في استنساخ كتابٍ كبير ليخرج منه نسخة واحدة، كان الناسخ إذ ذاك يخدم العالم المؤلِّف حينما ينسخ بقلمه نسخة أو عدَّة نسخ لولاها لبقي الكتاب على نسخة المؤلِّف الأصلية معرَّضًا للضياع الأبدي إذا تلفت النسخة الأصلية، فلم يكن نسخ الكتاب عدوانًا على المؤلِّف، واستثمارًا من الناسخ لجهود غيره وعلمه، بل بالعكس، كان خدمة له، وشهرة لعلمه، وجهوده.
ثانيًا: أمَّا بعد ظهور المطابع فقد أصبح الأمر معكوسًا تمامًا، فقد يقضي المؤلِّف معظم عمره في تأليف كتاب نافعٍ، وينشره ليبيعه، فيأخذ شخصٌ آخر نسخة منه فينشرها بالوسائل الحديثة طبعًا وتصويرًا، ويبيعه مزاحمًا مؤلِّفَهُ ومنافسًا له، أو يوزِّعه مجانًا ليكسب بتوزيعه شهرة، فيضيع تعب المؤلِّف وجهوده، ومثل ذلك يقال في المخترع.
وهذا مما يثبط همم ذوي العلم والذكاء في التأليف والاختراع، حيث يرون أنَّ جهودهم سينهبها سواهم متى ظهرت ونزلت الميدان، ويتاجر بها منافسًا لهم من لم يبذل شيئًا مما بذلوه هم في التأليف أو الابتكار.
فقد تغيَّر الوضع بتغيُّر الزمن وظهور المستجدات فيه، مما له التأثير الأساسي بين ما كان وما صار، مما يوجب نظرًا جديدًا يحفظ لكل ذي جهد جهده وحقَّه.
فيجب أن يعتبر للمؤلِّف والمُخْتَرِعِ حقٌّ فيما ألَّف أو ابتكر، وهذا الحقُّ هو ملك له شرعًا، لا يجوز لأحدٍ أن يسطو عليه دون إذنه، وذلك بشرط أن يكون الكتاب أو البحث ليس فيه دعوة إلى منكر شرعًا، أو بدعة أو أيِّ ضلالة تنافي شريعة الإسلام، وإلاَّ فإنَّه حينئذٍ يجب إتلافه، ولا يجوز نشره.
وكذلك ليس للناشر الذي يتَّفق معه المؤلِّف ولا لغيره تعديل شيءٍ في مضمون الكتاب، أو تغيير شيءٍ دون موافقة المؤلِّف، وهذا الحقُّ يورَث عن صاحبه، ويتقيَّد بما تقيِّده به المعاهدات الدولية والنظم والأعراف التي لا تخالف الشريعة، والتي تنظِّم هذا الحق وتحدِّده بعد وفاة صاحبه تنظيمًا وجمعًا بين حقِّه الخاصِّ والحقِّ العامِّ؛ لأنَّ كل مؤلِّف أو مخترعٍ يستعين بأفكار ونتاج من سبقوه، ولو في المعلومات العامة، والوسائل القائمة قبله.
أمَّا المؤلِّف أو المخترع الذي يكون مستأجرًا من إحدى دور النشر ليؤلِّف لها كتابًا، أو من إحدى المؤسسات ليخترع لها شيئًا لغاية ما: فإنَّ ما ينتجه يكون من حقِّ الجهة المستأجرة له، ويتبع في حقِّه الشروط المتَّفق عليها بينهما، مما تقبله قواعد التعاقد.
والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه " انتهى.
نقلا عن " فقه النوازل " للدكتور محمد بن حسين الجيزاني (٣ / ١٢٧ – ١٢٩) .
٢. قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
جاء في " قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي " (٩٤) ما يلي:
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت، من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩هـ (الموافق ١٠ إلى ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨م، بعد اطلاعه على البحوث المقدَّمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (الحقوق المعنوية)، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، قرَّر ما يلي:
أولًا: الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف والاختراع أو الابتكار هي حقوق خاصَّةٌ لأصحابها، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتموُّل الناس لها، وهذه الحقوق يعتدُّ بها شرعًا، فلا يجوز الاعتداء عليها.
ثانيًا: يجوز التصرُّف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية، ونقل أيٍّ منها بعوض ماليٍّ إذا انتفى الغرر والتدليس والغش، باعتبار أنَّ ذلك أصبح حقًَّا ماليًّا.
ثالثًا: حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعًا، ولأصحابها حقُّ التصرُّف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها، والله أعلم " انتهى.
٣. قرار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية.
سئل علماء " اللجنة الدائمة " (١٣ / ١٨٨) ما يلي:
أعمل في مجال الحاسب الآلي، ومنذ أن بدأت العمل في هذا المجال أقوم بنسخ البرامج للعمل عليها، ويتم ذلك دون أن أشتري النسخ الأصلية لهذه البرامج، علمًا بأنه توجد على هذه البرامج عبارات تحذيرية من النسخ، مؤداها: أن حقوق النسخ محفوظة، تشبه عبارة (حقوق الطبع محفوظة) الموجودة على بعض الكتب، وقد يكون صاحب البرنامج مسلمًا أو كافرًا، وسؤالي هو: هل يجوز النسخ بهذه الطريقة أم لا؟ .
فأجابوا:
" لا يجوز نسخ البرامج التي يمنع أصحابها نسخها، إلا بإذنهم؛ لقوله ﷺ: (المسلمون على شروطهم)؛ ولقوله ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)؛ وقوله ﷺ: (من سبق إلى مباح فهو أحق به)، سواء كان صاحب هذه البرامج مسلمًا أو كافرًا غير حربي؛ لأن حق الكافر غير الحربي محترم كحق المسلم، وبالله التوفيق " انتهى.
وبناء على ما سبق فلا يجوز لأحد أن ينسخ شيئًا مما حُفظت حقوق نسخه لأصحابه، كما لا يجوز شراء شيء مما نُسخ من هذه البرامج من غير إذن أصحابها، ومع سهولة وسائل الاتصال اليوم لم يعد هناك ما يصعب تحصيله وشراؤه، فالبرامج الأصلية موجودة ولا بد في الوكالات الرسمية لأصحاب تلك الشركات، كما أنها موجودة في مواقع الشركات نفسها على الإنترنت، ويمكن بكل سهولة شراؤها وتحصيلها من تلك الأماكن.
ثانيًا:
يرى بعض علمائنا المحققين حرمة هذا الأمر إذا كان بقصد التجارة، وأما من اقتنى نسخة لنفسه: فالأمر جائز، وهو قول وسط بين المانعين بالكلية، والمبيحين بالكلية.
وقد سبق في جواب السؤال رقم (٢١٩٢٧) إجابة مختصرة لهذه المسألة عن الشيخ سعد الحميِّد، فيها التفصيل التالي:
" نسخ كتاب أو قرص بغرض المتاجرة ومضارّة صاحبه الأصلي: لا يجوز، أما إذا نسخ الإنسان نسخة واحدة لنفسه: فنرجو ألا يكون بذلك بأس، وتركه أولى وأحسن " انتهى.
وهذه فتوى للشيخ ابن عثيمين موافقه لها:
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يجوز نسخ برامج الحاسب الآلي مع أن الشركات تمنع ذلك والنظام؟ وهل يعتبر ذلك احتكارًا وهي تباع بأسعار غالية، وإذا نسخت تباع بأسعار رخيصة؟ .
فأجاب:
القرآن؟ .
السائل: برامج الحاسب الآلي عمومًا.
الشيخ: القرآن؟ .
السائل: القرآن، وغير القرآن، والحديث، وبرامج أخرى كثيرة.
الشيخ: يعني: ما سجل فيه؟ .
السائل: ما سجل في الأقراص.
الشيخ: أما إذا كانت الدولة مانعة: فهذا لا يجوز؛ لأن الله أمر بطاعة ولاة الأمور، إلا في معصية الله، والامتناع من تسجيلها ليس من معصية الله، وأما من جهة الشركات: فالذي أرى أن الإنسان إذا نسخها لنفسه فقط: فلا بأس، وأما إذا نسخها للتجارة: فهذا لا يجوز؛ لأن فيه ضررًا على الآخرين، يشبه البيع على بيع المسلم؛ لأنهم إذا صاروا يبيعونه بمائة ونسختَه أنت وبعته بخمسين: هذا بيع على بيع أخيك.
السائل: وهل يجوز أن أشتريها بخمسين من أصحاب المحلات وهو منسوخ.
الشيخ: لا يجوز، إلا إذا قدم لك أنه مأذون له، وأما إذا لم يقدم: فهذا تشجيع على الإثم والعدوان.
السائل: إذا لم يؤذن له هو - جزاك الله خيرًا -؟ .
الشيخ: وإذا كنت أيضًا لا تدري، أحيانًا الإنسان لا يدري يقف على هذا المعرض ويشتري وهو لا يدري، هذا لا بأس به، الذي لا يدري ليس عليه شيء.
" لقاءات الباب المفتوح " (١٧٨ / السؤال رقم ٦) .
ولمزيد من الفائدة راجع جواب السؤال رقم (٥٢٩٠٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
5402