موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
الأدلة على تحريم التأمين التجاري
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد معرفة الأدلة التي يستفاد منها تحريم التأمين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
التأمين التجاري الذي تجريه معظم شركات التأمين هو من العقود المحرمة، سواء كان تأمينًا على الحياة أو الممتلكات...... أو غير ذلك، ويدل على حرمته مجموعة من النصوص والقواعد الشرعية، منها:
١- التأمين عقد من عقود الغرر، وعقود الغرر ممنوعة محرمة شرعًا.
روى مسلم (١٥١٣) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ (نهى عن بيع الغرر) .
والغرر في اللغة هو الخطر الذي لا يُدْرى أيكون أم لا؟ كبيع السمك في الماء والطير في الهواء، فإن ذلك قد يحصل للمشتري وقد لا يحصل.
قال الأزهري: ويدخل في بيع الغرر: البيوع المجهولة.
"معجم مقاييس اللغة" (٤/٣٨٠ – ٣٨١)، "لسان العرب" (٦/٣١٧) .
وقال الخطابي ﵀:
"أَصْل الْغَرَر هُوَ مَا طُوِيَ عَنْك وَخَفِيَ عَلَيْك بَاطِنه. . . وَكُلّ بَيْع كَانَ الْمَقْصُود مِنْهُ مَجْهُولًا غَيْر مَعْلُوم أَوْ مَعْجُوزًا عَنْهُ غَيْر مَقْدُور عَلَيْهِ فَهُوَ غَرَر. . . وَأَبْوَاب الْغَرَر كَثِيرَة، وجماعها: ما دخل في المقصود منه الجهل" انتهى.
قال النووي ﵀:
"وَأَمَّا النَّهْي عَنْ بَيْع الْغَرَر فَهُوَ أَصْل عَظِيم مِنْ أُصُول كِتَاب الْبُيُوع، وَيَدْخُل فِيهِ مَسَائِل كَثِيرَة غَيْر مُنْحَصِرَة كَبَيْعِ الْمَعْدُوم وَالْمَجْهُول. . . وَنَظَائِر ذَلِكَ، وَكُلّ هَذَا بَيْعه بَاطِل لِأَنَّهُ غَرَر مِنْ غَيْر حَاجَة.
وَقَدْ يَحْتَمِل بَعْض الْغَرَر بَيْعًا إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَة كَالْجَهْلِ بِأَسَاسِ الدَّار فَإِنَّهُ يَصِحّ الْبَيْعِ، لِأَنَّ الْأَسَاس تَابِع لِلظَّاهِرِ مِنْ الدَّار، وَلِأَنَّ الْحَاجَة تَدْعُو إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِن رُؤْيَته. . .
وَأَجْمَعُوا عَلَى بُطْلَان بَيْع الْأَجِنَّة فِي الْبُطُون وَالطَّيْر فِي الْهَوَاء. قَالَ الْعُلَمَاء: مَدَار الْبُطْلَان بِسَبَبِ الْغَرَر...." انتهى.
واتفق العلماء على أن الغرر الكثير لا يجوز، وأن القليل يجوز ويتسامح فيه، واختلفوا في أشياء من الضرر لترددها بين الكثير والقليل.
"بداية المجتهد" (٢/١٨٧)، ونحوه للنووي من شرح مسلم.
وعقد التأمين من العقود المشتملة على الغرر الكثير، ورجال القانون أنفسهم يقرون بأن عقد التأمين عقد احتمالي، وهذا هو معنى الغرر، لأن كلًا من المؤمِّن والمؤَّمن له لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع المؤمَّن له قسطًا واحدًا ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم المؤمِّن به، وقد لا تقع الكارثة مطلقًا فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئًا.
٢- عقود التأمين من القمار. والقمار هو الميسر، وقد حرمه الله تعالى بقوله: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة/٩٠.
ومعنى "القمار": أن يدفع الإنسان شيئًا من ماله على سبيل المخاطرة، فإما أن يربح أكثر منه، وإما أن يخسر المال الذي دفعه.
وانظر جواب السؤال رقم (٨٩٧٤٦) و(١٠٦٦٠١) .
وعقد التأمين عقد معلق على خطر تارة يقع، وتارة لا يقع، فهو قمار في المعنى.
لأن المؤمَّن له يخاطر بدفع مبلغ التأمين، فإما أن يأخذ أكثر منه، وإما أن يخسره، إذا لم يحصل الخطر المؤمن ضده.
فقد يدفع المؤمَّن له عشرين ويأخذ ألفًا، وقد يدفع ألفًا ويأخذ ألفًا، وقد يدفع ألفًا ولا يأخذ شيئًا إذا لم يقع الخطر المؤمَّن ضده.
أليس هذا مخاطرة ومقامرة؟!
٣- التأمين يتضمن ربا النسيئة والفضل، وذلك في حالة التعويض.
روى مسلم (١٥٨٧) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ) .
ففي هذا الحديث دليل على أنه إذا باع الذهب بالذهب وجب في البيع التساوي والتقابض.
فيبيع جرامًا بجرام من غير زيادة. ويجب التقابض في المجلس، فلا يجوز أن يتفرقا ولم يقبض كل منها حقه.
فإذا باع الذهب بذهب مع التفاضل فقد وقعا في ربا الفضل، وإذا لم يحصل تقابض فقد وقعا في ربا النسيئة أي التأخير. لتأخير القبض.
وإذا باع الذهب بالفضة وجب التقابض في المجلس، وجاز التفاضل في البيع.
فيبيع جرام الذهب بعشرة جرامات فضة مثلا، ولكن لا يجوز أن يتفرقا من غير أن يتم التقابض.
والأوراق النقدية تأخذ حكم الذهب والفضة في ذلك، فلا يجوز تبديل عملة بأخرى إلا إذا تم التقابض في المجلس، وإذا كانت العملة من جنس واحد، فيجب التماثل والتقابض، كما لو أبدل ذهبًا بذهب.
والتأمين مشتمل على الربا بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة.
وبيان ذلك: أن ما تدفعه شركة التأمين للمستأمن أو لورثته عند حصول الخطر المحدد في العقد، له ثلاث حالات: إما أن يكون أقل أو أكثر مما دفعه أو يكون مساويًا له.
وفي كل ذلك يكون دَفْعُ الشركةِ لصاحب الحق واقعًا بعد دفعه أقساط التأمين بفترة هي في الحقيقة مجهولة النهاية.
فحقيقة المعاملة: أنها بيع دراهم بدراهم إلى أجل.
فعند التساوي يكون فيه ربا النسيئة، وفي حالة الزيادة [أو النقص] يكون فيه ربا الفضل والنسيئة معًا، وكل منهما محرم بانفراده فيكف إذا اجتمعا.
٤- التأمين من أكل أموال الناس بالباطل
وأكل أموال الناس بالباطل حرام.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) .
والباطل هو كل طريق لم تبحه الشريعة فيدخل فيه السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا والبيوع الفاسدة. قاله أبو حيان في تفسيره لهذه الآية.
وبيان اشتمال عقد التأمين على أكل المال بالباطل: أن مبلغ التأمين المدفوع للشخص المؤمَّن له إذا كان أكثر مما دفعه كما لو حدث الخطر بعد دفع قسط واحد، فبأي حق يستحق هذا المال؟
وإذا لم يحدث الخطر، فبأي حق تستحق شركة التأمين الأقساط التي دفعها المؤمَّن له بدون مقابل صحيح.
وقد أثبتت إحدى الإحصائيات لأحد الخبراء الألمان أن نسبة ما تدفعه شركات التأمينات إلى الأشخاص من تعويضات لا يساوي إلا ٢.٩% من إجمالي الأقساط المدفوعة.
فبأي حق تستحق الشركة هذه الأموال، ومقابل ماذا؟
٥- في عقود التأمين إلزام بما لا يلزم شرعًا.
ففي عقود التأمين يتم إلزام شركة التأمين بالضمان، إذا حصل الخطر المؤمَّن ضده، فبأي حق يتم هذا الإلزام؟ فشركة التأمين لم تحدث الخطر، ولم تتسبب في حصوله، ولا حصل منها أي تعدٍ أو تقصير، فكيف تلزم بضمان ما لا يلزمها ضمانه شرعًا؟
٦- التأمين له أضرار على الأفراد والمجتمع.
وإلى جانب ما سبق فإن التأمين لا يخلو من أضرار، أهمها:
استخفاف المؤمَّن لهم بالحفاظ على أموالهم من التعرض للمصائب، بل قد يتجاوزون ذلك إلى افتعال الحوادث وتفاقمها، وفي ذلك ضرر بالغ على الأفراد، كاستخفاف بعض السائقين المؤمَّن لهم على أنفسهم وعلى سياراتهم واستهانتهم بقوانين السير وأنظمته وما ينتج عن ذلك من تعريض أفراد المجتمع للأضرار دهسًا وصدمًا.
فكل سبب من هذه الأسباب كافٍ للدلالة على تحريم التأمين التجاري، وأن عقده عقد فاسد لا تبيحه الشريعة، وأنه من أكل الأموال بالباطل. فكيف إذا اجتمعت هذه الأسباب كلها؟!
ولذلك أفتى عامة العلماء المعاصرين بتحريم جميع أنواع التأمين التجاري، فقد صدر قرار هيئة كبار العلماء في بلاد الحرمين ومجلس المجمع الفقهي في جدة، بتحريم التأمين التجاري، وكذلك أصدر مجلس المجمع الفقهي بمكة، قرارًا بتحريم التأمين التجاري بالإجماع، ولم يخالف إلا عضو واحد فقط من أعضاء المجمع.
وقد نقلنا كثيرًا من هذه القرارات والفتاوى في إجابات متنوعة في موقعنا.
وانظر بحثًا مطولًا في التأمين التجاري في "أبحاث هيئة كبار العلماء" (٤/٣٣- ٣١٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد معرفة الأدلة التي يستفاد منها تحريم التأمين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
التأمين التجاري الذي تجريه معظم شركات التأمين هو من العقود المحرمة، سواء كان تأمينًا على الحياة أو الممتلكات...... أو غير ذلك، ويدل على حرمته مجموعة من النصوص والقواعد الشرعية، منها:
١- التأمين عقد من عقود الغرر، وعقود الغرر ممنوعة محرمة شرعًا.
روى مسلم (١٥١٣) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ (نهى عن بيع الغرر) .
والغرر في اللغة هو الخطر الذي لا يُدْرى أيكون أم لا؟ كبيع السمك في الماء والطير في الهواء، فإن ذلك قد يحصل للمشتري وقد لا يحصل.
قال الأزهري: ويدخل في بيع الغرر: البيوع المجهولة.
"معجم مقاييس اللغة" (٤/٣٨٠ – ٣٨١)، "لسان العرب" (٦/٣١٧) .
وقال الخطابي ﵀:
"أَصْل الْغَرَر هُوَ مَا طُوِيَ عَنْك وَخَفِيَ عَلَيْك بَاطِنه. . . وَكُلّ بَيْع كَانَ الْمَقْصُود مِنْهُ مَجْهُولًا غَيْر مَعْلُوم أَوْ مَعْجُوزًا عَنْهُ غَيْر مَقْدُور عَلَيْهِ فَهُوَ غَرَر. . . وَأَبْوَاب الْغَرَر كَثِيرَة، وجماعها: ما دخل في المقصود منه الجهل" انتهى.
قال النووي ﵀:
"وَأَمَّا النَّهْي عَنْ بَيْع الْغَرَر فَهُوَ أَصْل عَظِيم مِنْ أُصُول كِتَاب الْبُيُوع، وَيَدْخُل فِيهِ مَسَائِل كَثِيرَة غَيْر مُنْحَصِرَة كَبَيْعِ الْمَعْدُوم وَالْمَجْهُول. . . وَنَظَائِر ذَلِكَ، وَكُلّ هَذَا بَيْعه بَاطِل لِأَنَّهُ غَرَر مِنْ غَيْر حَاجَة.
وَقَدْ يَحْتَمِل بَعْض الْغَرَر بَيْعًا إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَة كَالْجَهْلِ بِأَسَاسِ الدَّار فَإِنَّهُ يَصِحّ الْبَيْعِ، لِأَنَّ الْأَسَاس تَابِع لِلظَّاهِرِ مِنْ الدَّار، وَلِأَنَّ الْحَاجَة تَدْعُو إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِن رُؤْيَته. . .
وَأَجْمَعُوا عَلَى بُطْلَان بَيْع الْأَجِنَّة فِي الْبُطُون وَالطَّيْر فِي الْهَوَاء. قَالَ الْعُلَمَاء: مَدَار الْبُطْلَان بِسَبَبِ الْغَرَر...." انتهى.
واتفق العلماء على أن الغرر الكثير لا يجوز، وأن القليل يجوز ويتسامح فيه، واختلفوا في أشياء من الضرر لترددها بين الكثير والقليل.
"بداية المجتهد" (٢/١٨٧)، ونحوه للنووي من شرح مسلم.
وعقد التأمين من العقود المشتملة على الغرر الكثير، ورجال القانون أنفسهم يقرون بأن عقد التأمين عقد احتمالي، وهذا هو معنى الغرر، لأن كلًا من المؤمِّن والمؤَّمن له لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع المؤمَّن له قسطًا واحدًا ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم المؤمِّن به، وقد لا تقع الكارثة مطلقًا فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئًا.
٢- عقود التأمين من القمار. والقمار هو الميسر، وقد حرمه الله تعالى بقوله: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة/٩٠.
ومعنى "القمار": أن يدفع الإنسان شيئًا من ماله على سبيل المخاطرة، فإما أن يربح أكثر منه، وإما أن يخسر المال الذي دفعه.
وانظر جواب السؤال رقم (٨٩٧٤٦) و(١٠٦٦٠١) .
وعقد التأمين عقد معلق على خطر تارة يقع، وتارة لا يقع، فهو قمار في المعنى.
لأن المؤمَّن له يخاطر بدفع مبلغ التأمين، فإما أن يأخذ أكثر منه، وإما أن يخسره، إذا لم يحصل الخطر المؤمن ضده.
فقد يدفع المؤمَّن له عشرين ويأخذ ألفًا، وقد يدفع ألفًا ويأخذ ألفًا، وقد يدفع ألفًا ولا يأخذ شيئًا إذا لم يقع الخطر المؤمَّن ضده.
أليس هذا مخاطرة ومقامرة؟!
٣- التأمين يتضمن ربا النسيئة والفضل، وذلك في حالة التعويض.
روى مسلم (١٥٨٧) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ) .
ففي هذا الحديث دليل على أنه إذا باع الذهب بالذهب وجب في البيع التساوي والتقابض.
فيبيع جرامًا بجرام من غير زيادة. ويجب التقابض في المجلس، فلا يجوز أن يتفرقا ولم يقبض كل منها حقه.
فإذا باع الذهب بذهب مع التفاضل فقد وقعا في ربا الفضل، وإذا لم يحصل تقابض فقد وقعا في ربا النسيئة أي التأخير. لتأخير القبض.
وإذا باع الذهب بالفضة وجب التقابض في المجلس، وجاز التفاضل في البيع.
فيبيع جرام الذهب بعشرة جرامات فضة مثلا، ولكن لا يجوز أن يتفرقا من غير أن يتم التقابض.
والأوراق النقدية تأخذ حكم الذهب والفضة في ذلك، فلا يجوز تبديل عملة بأخرى إلا إذا تم التقابض في المجلس، وإذا كانت العملة من جنس واحد، فيجب التماثل والتقابض، كما لو أبدل ذهبًا بذهب.
والتأمين مشتمل على الربا بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة.
وبيان ذلك: أن ما تدفعه شركة التأمين للمستأمن أو لورثته عند حصول الخطر المحدد في العقد، له ثلاث حالات: إما أن يكون أقل أو أكثر مما دفعه أو يكون مساويًا له.
وفي كل ذلك يكون دَفْعُ الشركةِ لصاحب الحق واقعًا بعد دفعه أقساط التأمين بفترة هي في الحقيقة مجهولة النهاية.
فحقيقة المعاملة: أنها بيع دراهم بدراهم إلى أجل.
فعند التساوي يكون فيه ربا النسيئة، وفي حالة الزيادة [أو النقص] يكون فيه ربا الفضل والنسيئة معًا، وكل منهما محرم بانفراده فيكف إذا اجتمعا.
٤- التأمين من أكل أموال الناس بالباطل
وأكل أموال الناس بالباطل حرام.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) .
والباطل هو كل طريق لم تبحه الشريعة فيدخل فيه السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا والبيوع الفاسدة. قاله أبو حيان في تفسيره لهذه الآية.
وبيان اشتمال عقد التأمين على أكل المال بالباطل: أن مبلغ التأمين المدفوع للشخص المؤمَّن له إذا كان أكثر مما دفعه كما لو حدث الخطر بعد دفع قسط واحد، فبأي حق يستحق هذا المال؟
وإذا لم يحدث الخطر، فبأي حق تستحق شركة التأمين الأقساط التي دفعها المؤمَّن له بدون مقابل صحيح.
وقد أثبتت إحدى الإحصائيات لأحد الخبراء الألمان أن نسبة ما تدفعه شركات التأمينات إلى الأشخاص من تعويضات لا يساوي إلا ٢.٩% من إجمالي الأقساط المدفوعة.
فبأي حق تستحق الشركة هذه الأموال، ومقابل ماذا؟
٥- في عقود التأمين إلزام بما لا يلزم شرعًا.
ففي عقود التأمين يتم إلزام شركة التأمين بالضمان، إذا حصل الخطر المؤمَّن ضده، فبأي حق يتم هذا الإلزام؟ فشركة التأمين لم تحدث الخطر، ولم تتسبب في حصوله، ولا حصل منها أي تعدٍ أو تقصير، فكيف تلزم بضمان ما لا يلزمها ضمانه شرعًا؟
٦- التأمين له أضرار على الأفراد والمجتمع.
وإلى جانب ما سبق فإن التأمين لا يخلو من أضرار، أهمها:
استخفاف المؤمَّن لهم بالحفاظ على أموالهم من التعرض للمصائب، بل قد يتجاوزون ذلك إلى افتعال الحوادث وتفاقمها، وفي ذلك ضرر بالغ على الأفراد، كاستخفاف بعض السائقين المؤمَّن لهم على أنفسهم وعلى سياراتهم واستهانتهم بقوانين السير وأنظمته وما ينتج عن ذلك من تعريض أفراد المجتمع للأضرار دهسًا وصدمًا.
فكل سبب من هذه الأسباب كافٍ للدلالة على تحريم التأمين التجاري، وأن عقده عقد فاسد لا تبيحه الشريعة، وأنه من أكل الأموال بالباطل. فكيف إذا اجتمعت هذه الأسباب كلها؟!
ولذلك أفتى عامة العلماء المعاصرين بتحريم جميع أنواع التأمين التجاري، فقد صدر قرار هيئة كبار العلماء في بلاد الحرمين ومجلس المجمع الفقهي في جدة، بتحريم التأمين التجاري، وكذلك أصدر مجلس المجمع الفقهي بمكة، قرارًا بتحريم التأمين التجاري بالإجماع، ولم يخالف إلا عضو واحد فقط من أعضاء المجمع.
وقد نقلنا كثيرًا من هذه القرارات والفتاوى في إجابات متنوعة في موقعنا.
وانظر بحثًا مطولًا في التأمين التجاري في "أبحاث هيئة كبار العلماء" (٤/٣٣- ٣١٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
6262