موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
صلاة الاستخارة
[السُّؤَالُ]
ـ[أود معرفة المزيد عن صلاة الاستخارة. ماذا أتلو، وأدعو، كم عدد الركعات، وما هو الأجر من ذلك. وهل صلاة المذهب الحنبلي والشافعي والحنفي بنفس الطريقة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
صلاة الاستخارة سنة شرعها النبي ﷺ لمن أراد أن يعمل عملًا ولكنه مترددٌ فيه، وسيكون الحديث عن صلاة الاستخارة من خلال ثمان نقاط:
١ـ تعريفها. ٢ـ حكمها. ٣ـ الحكمة من مشروعيتها. ٤ـ سببها.
٥ـ متى تبدأ الاستخارة. ٦ـالاستشارة قبل الاستخارة. ٧ـ ماذا يقرأ في الاستخارة؟ .
٨ـ متى يكون الدعاء؟ .
المطلب الأول: تعريفها.
الاسْتِخَارَةُ لُغَةً: طَلَبُ الْخِيَرَةِ فِي الشَّيْءِ. يُقَالُ: اسْتَخِرْ اللَّهَ يَخِرْ لَك. وَاصْطِلَاحًا: طَلَبُ الاخْتِيَارِ. أَيْ طَلَبُ صَرْفِ الْهِمَّةِ لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ اللَّهِ وَالأَوْلَى، بِالصَّلاةِ، أَوْ الدُّعَاءِ الْوَارِدِ فِي الِاسْتِخَارَةِ.
المطلب الثاني: حكمها.
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الاسْتِخَارَةَ سُنَّةٌ، وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ ارْضِنِي بِهِ. وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ (١١٦٦) وَفِي بَعْضِهَا ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ.
المطلب الثالث: الحكمة من مشروعيتها.
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الاسْتِخَارَةِ، هِيَ التَّسْلِيمُ لأَمْرِ اللَّهِ، وَالْخُرُوجُ مِنْ الْحَوْلِ وَالطَّوْلِ، وَالالْتِجَاءُ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ. لِلْجَمْعِ بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَيَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى قَرْعِ بَابِ الْمَلِكِ (﷾)، وَلا شَيْءَ أَنْجَعُ لِذَلِكَ مِنْ الصَّلاةِ وَالدُّعَاءِ ; لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالافْتِقَارِ إلَيْهِ قَالا وَحَالا، ثم بعد الاستخارة يقوم إلى ما ينشرح له صدره.
المطلب الرابع: سببها.
سَبَبُهَا (مَا يَجْرِي فِيهِ الاسْتِخَارَةُ): اتَّفَقَتْ الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِخَارَةَ تَكُونُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَدْرِي الْعَبْدُ وَجْهَ الصَّوَابِ فِيهَا، أَمَّا مَا هُوَ مَعْرُوفٌ خَيْرَهُ أَوْ شَرَّهُ كَالْعِبَادَاتِ وَصَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ وَالْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ فَلا حَاجَةَ إلَى الاسْتِخَارَةِ فِيهَا، إلا إذَا أَرَادَ بَيَانَ خُصُوصِ الْوَقْتِ كَالْحَجِّ مَثَلا فِي هَذِهِ السُّنَّةِ ; لِاحْتِمَالِ عَدُوٍّ أَوْ فِتْنَةٍ، وَالرُّفْقَةِ فِيهِ، أَيُرَافِقُ فُلانًا أَمْ لا؟ وَعَلَى هَذَا فَالاسْتِخَارَةُ لا مَحَلَّ لَهَا فِي الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ. وَالاسْتِخَارَةُ فِي الْمَنْدُوبِ لا تَكُونُ فِي أَصْلِهِ ; لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ، وَإِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ التَّعَارُضِ، أَيْ إذَا تَعَارَضَ عِنْدَهُ أَمْرَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِهِ أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ؟ أَمَّا الْمُبَاحُ فَيُسْتَخَارُ فِي أَصْلِهِ.
المطلب الخامس: مَتَى يَبْدَأُ الاسْتِخَارَةَ؟
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخِيرُ خَالِيَ الذِّهْنِ، غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى أَمْرٍ مُعَيَّنٍ، فَقَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ: " إذَا هَمَّ " يُشِيرُ إلَى أَنَّ الِاسْتِخَارَةَ تَكُونُ ِنْدَ أَوَّلِ مَا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ، فَيَظْهَرُ لَهُ بِبَرَكَةِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ مَا هُوَ الْخَيْرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَمَكَّنَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ، وَقَوِيَتْ فِيهِ عَزِيمَتُهُ وَإِرَادَتُهُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ إلَيْهِ مَيْلٌ وَحُبٌّ، فَيَخْشَى أَنْ يَخْفَى عَنْهُ الرَّشَادُ ; لِغَلَبَةِ مَيْلِهِ إلَى مَا عَزَمَ عَلَيْهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْهَمِّ الْعَزِيمَةَ ; لأَنَّ الْخَاطِرَ لا يَثْبُتُ فَلَا يَسْتَمِرُّ إلَّا عَلَى مَا يَقْصِدُ التَّصْمِيمَ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ. وَإِلا لَوْ اسْتَخَارَ فِي كُلِّ خَاطِرٍ لاسْتَخَارَ فِيمَا لا يَعْبَأُ بِهِ، فَتَضِيعُ عَلَيْهِ أَوْقَاتُهُ. "
المطلب السادس: الاسْتِشَارَةُ قَبْلَ الاسْتِخَارَةِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَشِيرَ قَبْلَ الاسْتِخَارَةِ مَنْ يَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ النَّصِيحَةَ وَالشَّفَقَةَ وَالْخِبْرَةَ، وَيَثِقُ بِدِينِهِ وَمَعْرِفَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وَإِذَا اسْتَشَارَ وَظَهَرَ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ، اسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيُّ: حَتَّى عِنْدَ الْمُعَارِضِ (أَيْ تَقَدُّمِ الاسْتِشَارَةِ) لأَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ إلَى قَوْلِ الْمُسْتَشَارِ أَقْوَى مِنْهَا إلَى النَّفْسِ لِغَلَبَةِ حُظُوظِهَا وَفَسَادِ خَوَاطِرِهَا. وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ نَفْسُهُ مُطْمَئِنَّةً صَادِقَةٌ إرَادَتَهَا مُتَخَلِّيَةً عَنْ حُظُوظِهَا، قَدَّمَ الاسْتِخَارَةَ.
المطلب السابع: الْقِرَاءَةُ فِي صَلاةِ الاسْتِخَارَةِ.
- فِيمَا يَقْرَأُ فِي صَلاةِ الاسْتِخَارَةِ ثَلاثَةُ آرَاءٍ:
أ - قَالَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . وَذَكَر النَّوَوِيُّ تَعْلِيلًا لِذَلِكَ فَقَالَ: نَاسَبَ الْإِتْيَانُ بِهِمَا فِي صَلَاةٍ يُرَادُ مِنْهَا إخْلَاصُ الرَّغْبَةِ وَصِدْقُ التَّفْوِيضِ وَإِظْهَارُ الْعَجْزِ، وَأَجَازُوا أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِمَا مَا وَقَعَ فِيهِ ذِكْرُ الْخِيَرَةِ مِنْ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
ب - وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنْ يَزِيدَ فِي صَلاةِ الاسْتِخَارَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبُّك يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ. مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّك يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾
ج - أَمَّا الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَلَمْ يَقُولُوا بِقِرَاءَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي صَلاةِ الِاسْتِخَارَةِ.
المطلب الثامن: مَوْطِنُ دُعَاءِ الاسْتِخَارَةِ.
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ: يَكُونُ الدُّعَاءُ عَقِبَ الصَّلاةِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا جَاءَ فِي نَصِّ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. أنظر الموسوعة الفقهية ج٣ ص٢٤١
قال شيخ الاسلام في الفتاوى الكبرى ج٢ ص٢٦٥: مَسْأَلَةٌ فِي دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ، هَلْ يَدْعُو بِهِ فِي الصَّلاةِ؟ أَمْ بَعْدَ السَّلامِ؟ الْجَوَابُ: يَجُوزُ الدُّعَاءُ فِي صَلاةِ الاسْتِخَارَةِ، وَغَيْرِهَا: قَبْلَ السَّلامِ، وَبَعْدَهُ، وَالدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلامِ أَفْضَلُ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكْثَرُ دُعَائِهِ قَبْلَ السَّلامِ، وَالْمُصَلِّي قَبْلَ السَّلامِ لَمْ يَنْصَرِفْ، فَهَذَا أَحْسَنُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ..
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[السُّؤَالُ]
ـ[أود معرفة المزيد عن صلاة الاستخارة. ماذا أتلو، وأدعو، كم عدد الركعات، وما هو الأجر من ذلك. وهل صلاة المذهب الحنبلي والشافعي والحنفي بنفس الطريقة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
صلاة الاستخارة سنة شرعها النبي ﷺ لمن أراد أن يعمل عملًا ولكنه مترددٌ فيه، وسيكون الحديث عن صلاة الاستخارة من خلال ثمان نقاط:
١ـ تعريفها. ٢ـ حكمها. ٣ـ الحكمة من مشروعيتها. ٤ـ سببها.
٥ـ متى تبدأ الاستخارة. ٦ـالاستشارة قبل الاستخارة. ٧ـ ماذا يقرأ في الاستخارة؟ .
٨ـ متى يكون الدعاء؟ .
المطلب الأول: تعريفها.
الاسْتِخَارَةُ لُغَةً: طَلَبُ الْخِيَرَةِ فِي الشَّيْءِ. يُقَالُ: اسْتَخِرْ اللَّهَ يَخِرْ لَك. وَاصْطِلَاحًا: طَلَبُ الاخْتِيَارِ. أَيْ طَلَبُ صَرْفِ الْهِمَّةِ لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ اللَّهِ وَالأَوْلَى، بِالصَّلاةِ، أَوْ الدُّعَاءِ الْوَارِدِ فِي الِاسْتِخَارَةِ.
المطلب الثاني: حكمها.
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الاسْتِخَارَةَ سُنَّةٌ، وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ ارْضِنِي بِهِ. وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ (١١٦٦) وَفِي بَعْضِهَا ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ.
المطلب الثالث: الحكمة من مشروعيتها.
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الاسْتِخَارَةِ، هِيَ التَّسْلِيمُ لأَمْرِ اللَّهِ، وَالْخُرُوجُ مِنْ الْحَوْلِ وَالطَّوْلِ، وَالالْتِجَاءُ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ. لِلْجَمْعِ بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَيَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى قَرْعِ بَابِ الْمَلِكِ (﷾)، وَلا شَيْءَ أَنْجَعُ لِذَلِكَ مِنْ الصَّلاةِ وَالدُّعَاءِ ; لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالافْتِقَارِ إلَيْهِ قَالا وَحَالا، ثم بعد الاستخارة يقوم إلى ما ينشرح له صدره.
المطلب الرابع: سببها.
سَبَبُهَا (مَا يَجْرِي فِيهِ الاسْتِخَارَةُ): اتَّفَقَتْ الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِخَارَةَ تَكُونُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَدْرِي الْعَبْدُ وَجْهَ الصَّوَابِ فِيهَا، أَمَّا مَا هُوَ مَعْرُوفٌ خَيْرَهُ أَوْ شَرَّهُ كَالْعِبَادَاتِ وَصَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ وَالْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ فَلا حَاجَةَ إلَى الاسْتِخَارَةِ فِيهَا، إلا إذَا أَرَادَ بَيَانَ خُصُوصِ الْوَقْتِ كَالْحَجِّ مَثَلا فِي هَذِهِ السُّنَّةِ ; لِاحْتِمَالِ عَدُوٍّ أَوْ فِتْنَةٍ، وَالرُّفْقَةِ فِيهِ، أَيُرَافِقُ فُلانًا أَمْ لا؟ وَعَلَى هَذَا فَالاسْتِخَارَةُ لا مَحَلَّ لَهَا فِي الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ. وَالاسْتِخَارَةُ فِي الْمَنْدُوبِ لا تَكُونُ فِي أَصْلِهِ ; لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ، وَإِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ التَّعَارُضِ، أَيْ إذَا تَعَارَضَ عِنْدَهُ أَمْرَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِهِ أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ؟ أَمَّا الْمُبَاحُ فَيُسْتَخَارُ فِي أَصْلِهِ.
المطلب الخامس: مَتَى يَبْدَأُ الاسْتِخَارَةَ؟
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخِيرُ خَالِيَ الذِّهْنِ، غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى أَمْرٍ مُعَيَّنٍ، فَقَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ: " إذَا هَمَّ " يُشِيرُ إلَى أَنَّ الِاسْتِخَارَةَ تَكُونُ ِنْدَ أَوَّلِ مَا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ، فَيَظْهَرُ لَهُ بِبَرَكَةِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ مَا هُوَ الْخَيْرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَمَكَّنَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ، وَقَوِيَتْ فِيهِ عَزِيمَتُهُ وَإِرَادَتُهُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ إلَيْهِ مَيْلٌ وَحُبٌّ، فَيَخْشَى أَنْ يَخْفَى عَنْهُ الرَّشَادُ ; لِغَلَبَةِ مَيْلِهِ إلَى مَا عَزَمَ عَلَيْهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْهَمِّ الْعَزِيمَةَ ; لأَنَّ الْخَاطِرَ لا يَثْبُتُ فَلَا يَسْتَمِرُّ إلَّا عَلَى مَا يَقْصِدُ التَّصْمِيمَ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ. وَإِلا لَوْ اسْتَخَارَ فِي كُلِّ خَاطِرٍ لاسْتَخَارَ فِيمَا لا يَعْبَأُ بِهِ، فَتَضِيعُ عَلَيْهِ أَوْقَاتُهُ. "
المطلب السادس: الاسْتِشَارَةُ قَبْلَ الاسْتِخَارَةِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَشِيرَ قَبْلَ الاسْتِخَارَةِ مَنْ يَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ النَّصِيحَةَ وَالشَّفَقَةَ وَالْخِبْرَةَ، وَيَثِقُ بِدِينِهِ وَمَعْرِفَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وَإِذَا اسْتَشَارَ وَظَهَرَ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ، اسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيُّ: حَتَّى عِنْدَ الْمُعَارِضِ (أَيْ تَقَدُّمِ الاسْتِشَارَةِ) لأَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ إلَى قَوْلِ الْمُسْتَشَارِ أَقْوَى مِنْهَا إلَى النَّفْسِ لِغَلَبَةِ حُظُوظِهَا وَفَسَادِ خَوَاطِرِهَا. وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ نَفْسُهُ مُطْمَئِنَّةً صَادِقَةٌ إرَادَتَهَا مُتَخَلِّيَةً عَنْ حُظُوظِهَا، قَدَّمَ الاسْتِخَارَةَ.
المطلب السابع: الْقِرَاءَةُ فِي صَلاةِ الاسْتِخَارَةِ.
- فِيمَا يَقْرَأُ فِي صَلاةِ الاسْتِخَارَةِ ثَلاثَةُ آرَاءٍ:
أ - قَالَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . وَذَكَر النَّوَوِيُّ تَعْلِيلًا لِذَلِكَ فَقَالَ: نَاسَبَ الْإِتْيَانُ بِهِمَا فِي صَلَاةٍ يُرَادُ مِنْهَا إخْلَاصُ الرَّغْبَةِ وَصِدْقُ التَّفْوِيضِ وَإِظْهَارُ الْعَجْزِ، وَأَجَازُوا أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِمَا مَا وَقَعَ فِيهِ ذِكْرُ الْخِيَرَةِ مِنْ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
ب - وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنْ يَزِيدَ فِي صَلاةِ الاسْتِخَارَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبُّك يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ. مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّك يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾
ج - أَمَّا الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَلَمْ يَقُولُوا بِقِرَاءَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي صَلاةِ الِاسْتِخَارَةِ.
المطلب الثامن: مَوْطِنُ دُعَاءِ الاسْتِخَارَةِ.
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ: يَكُونُ الدُّعَاءُ عَقِبَ الصَّلاةِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا جَاءَ فِي نَصِّ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. أنظر الموسوعة الفقهية ج٣ ص٢٤١
قال شيخ الاسلام في الفتاوى الكبرى ج٢ ص٢٦٥: مَسْأَلَةٌ فِي دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ، هَلْ يَدْعُو بِهِ فِي الصَّلاةِ؟ أَمْ بَعْدَ السَّلامِ؟ الْجَوَابُ: يَجُوزُ الدُّعَاءُ فِي صَلاةِ الاسْتِخَارَةِ، وَغَيْرِهَا: قَبْلَ السَّلامِ، وَبَعْدَهُ، وَالدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلامِ أَفْضَلُ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكْثَرُ دُعَائِهِ قَبْلَ السَّلامِ، وَالْمُصَلِّي قَبْلَ السَّلامِ لَمْ يَنْصَرِفْ، فَهَذَا أَحْسَنُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ..
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
2167