موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
كيف تمثَّل الشيطان للكفار في غزوة بدر وهو مصفَّد وهي في رمضان؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من المعروف أن الشيطان كان حاضرًا معركة "بدر"، وهذه الغزوة كانت في رمضان، لماذا لم يكن الشيطان مصفَّدًا في ذلك الوقت؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولًا:
اشتهر في كتب التفسير والسيرة أن الشيطان كان حاضرًا معركة "بدر"، وأنه تشكَّل على صورة "سراقة بن مالك"، ويُذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الأنفال/٤٨.
ولكن ذلك لم يثبت بإسنادٍ صحيح إلى النبي ﷺ، بل روي ذلك عن ابن عباس ﵄، وفي إسناده نظر؛ فهو من رواية علي بن أبي طلحة عنه.
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ إِبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَعَهُ رَأَيْتُهُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلْمُشْرِكِينَ: لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ، فَلَمَّا اصْطَفَّ النَّاسُ، أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ، فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ إِلَى إِبْلِيسَ، فَلَمَّا رَآهُ، وَكَانَتْ يَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، انْتَزَعَ إِبْلِيسُ يَدَهُ، فَوَلَّى مُدْبِرًا هُوَ وَشِيعَتُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا سُرَاقَةُ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ؟ قَالَ: (إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وَذَلِكَ حِينَ رَأَى الْمَلاَئِكَةَ.
رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/٧) .
وقد روى الطبراني في "المعجم الكبير" (٥/٤٧) عن رفاعة بن رافع الأنصاري نحو رواية ابن عباس، وإسناده ضعيف؛ فيه "عبد العزيز بن عمران"، وهو ضعيف، وقد ضعفه الهيثمي بسببه في "مجمع الزوائد" (٦/٨٢) .
ولعله مما يقوِّي معنى ما في الأثرين: حديثٌ مرسل، رواه مالك في "الموطأ" (٩٤٤) عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا رُئِيَ إِبْلِيسُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَذَلِكَ مِمَّا يَرَى مِنْ تَنْزِيلِ الرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ عَنِ الذُّنُوبِ، إِلاَّ مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلاَئِكَةَ.
وقوله: (يزع الملائكة) أي: يرتبهم، ويسويهم، ويصفهم للحرب.
فهذه القصة - لتعدد طرق ورودها - يحتمل أن تكون صحيحة مقبولة.
وأما الجواب عن الإشكال الذي ذكره السائل، فمن وجوه، منها:
١. أن المتشكل بصورة " سراقة " هو شيطان من الشياطين، وأما المصفَّد فهم المردة منهم.
روى النسائي (٢١٠٨) عن عتبة بن فرقد ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (في رَمَضَانَ تُفْتَحُ فيه أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فيه أَبْوَابُ النَّارِ وَيُصَفَّدُ فِيهِ كُلُّ شَيْطَانٍ مَرِيد) وصححه الألباني في "صحيح النسائي".
وروى ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/١٨٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إِذَا كَانَ أَوُّل لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَان صُفِّدَتْ الشَّيَاطِين مَرَدُةُ الجِنِّ)، وبوَّب عليه الإمام ابن خزيمة بقوله: "باب ذكر البيان أن النبي ﷺ إنما أراد بقوله: (وصفدت الشياطين) مردة الجن منهم، لا جميع الشياطين؛ إذ اسم الشياطين قد يقع على بعضهم ".
٢. أنه لا يمكن الجزم بأن ما قاله ﷺ من تصفيد الشياطين أنه كان في أول تشريع الصوم، وقد شرع صوم رمضان في السنة الأولى من الهجرة، وكانت غزوة بدر في السنة الثانية، فقد يكون ذلك بعد غزوة بدر.
٣. أن تصفيد الشياطين: إنما هو في حق المؤمنين الصائمين، دون الكفار.
قال أبو العباس القرطبي ﵀:
إنما تُغلُّ عن الصائمين الصوْم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه.
"شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك" (٣/١٣٧) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
والمصفَّد من الشياطين قد يؤذي، لكن هذا أقل وأضعف مما يكون فى غير رمضان، فهو بحسب كمال الصوم ونقصه، فمن كان صومه كاملًا: دفعَ الشيطانَ دفعًا لا يدفعه دفع الصوم الناقص.
"مجموع الفتاوى" (٢٥/٢٤٦) .
فتبين من هذا أنه لا إشكال في مجيء الشيطان للمشركين قبيل بدء القتال في غزوة بدر.
وانظر لمزيد الفائدة جوابي السؤالين: (٣٩٧٣٦) و(١٢٦٥٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[السُّؤَالُ]
ـ[من المعروف أن الشيطان كان حاضرًا معركة "بدر"، وهذه الغزوة كانت في رمضان، لماذا لم يكن الشيطان مصفَّدًا في ذلك الوقت؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولًا:
اشتهر في كتب التفسير والسيرة أن الشيطان كان حاضرًا معركة "بدر"، وأنه تشكَّل على صورة "سراقة بن مالك"، ويُذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الأنفال/٤٨.
ولكن ذلك لم يثبت بإسنادٍ صحيح إلى النبي ﷺ، بل روي ذلك عن ابن عباس ﵄، وفي إسناده نظر؛ فهو من رواية علي بن أبي طلحة عنه.
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ إِبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَعَهُ رَأَيْتُهُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلْمُشْرِكِينَ: لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ، فَلَمَّا اصْطَفَّ النَّاسُ، أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ، فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ إِلَى إِبْلِيسَ، فَلَمَّا رَآهُ، وَكَانَتْ يَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، انْتَزَعَ إِبْلِيسُ يَدَهُ، فَوَلَّى مُدْبِرًا هُوَ وَشِيعَتُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا سُرَاقَةُ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ؟ قَالَ: (إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وَذَلِكَ حِينَ رَأَى الْمَلاَئِكَةَ.
رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/٧) .
وقد روى الطبراني في "المعجم الكبير" (٥/٤٧) عن رفاعة بن رافع الأنصاري نحو رواية ابن عباس، وإسناده ضعيف؛ فيه "عبد العزيز بن عمران"، وهو ضعيف، وقد ضعفه الهيثمي بسببه في "مجمع الزوائد" (٦/٨٢) .
ولعله مما يقوِّي معنى ما في الأثرين: حديثٌ مرسل، رواه مالك في "الموطأ" (٩٤٤) عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا رُئِيَ إِبْلِيسُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَذَلِكَ مِمَّا يَرَى مِنْ تَنْزِيلِ الرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ عَنِ الذُّنُوبِ، إِلاَّ مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلاَئِكَةَ.
وقوله: (يزع الملائكة) أي: يرتبهم، ويسويهم، ويصفهم للحرب.
فهذه القصة - لتعدد طرق ورودها - يحتمل أن تكون صحيحة مقبولة.
وأما الجواب عن الإشكال الذي ذكره السائل، فمن وجوه، منها:
١. أن المتشكل بصورة " سراقة " هو شيطان من الشياطين، وأما المصفَّد فهم المردة منهم.
روى النسائي (٢١٠٨) عن عتبة بن فرقد ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (في رَمَضَانَ تُفْتَحُ فيه أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فيه أَبْوَابُ النَّارِ وَيُصَفَّدُ فِيهِ كُلُّ شَيْطَانٍ مَرِيد) وصححه الألباني في "صحيح النسائي".
وروى ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/١٨٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إِذَا كَانَ أَوُّل لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَان صُفِّدَتْ الشَّيَاطِين مَرَدُةُ الجِنِّ)، وبوَّب عليه الإمام ابن خزيمة بقوله: "باب ذكر البيان أن النبي ﷺ إنما أراد بقوله: (وصفدت الشياطين) مردة الجن منهم، لا جميع الشياطين؛ إذ اسم الشياطين قد يقع على بعضهم ".
٢. أنه لا يمكن الجزم بأن ما قاله ﷺ من تصفيد الشياطين أنه كان في أول تشريع الصوم، وقد شرع صوم رمضان في السنة الأولى من الهجرة، وكانت غزوة بدر في السنة الثانية، فقد يكون ذلك بعد غزوة بدر.
٣. أن تصفيد الشياطين: إنما هو في حق المؤمنين الصائمين، دون الكفار.
قال أبو العباس القرطبي ﵀:
إنما تُغلُّ عن الصائمين الصوْم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه.
"شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك" (٣/١٣٧) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
والمصفَّد من الشياطين قد يؤذي، لكن هذا أقل وأضعف مما يكون فى غير رمضان، فهو بحسب كمال الصوم ونقصه، فمن كان صومه كاملًا: دفعَ الشيطانَ دفعًا لا يدفعه دفع الصوم الناقص.
"مجموع الفتاوى" (٢٥/٢٤٦) .
فتبين من هذا أنه لا إشكال في مجيء الشيطان للمشركين قبيل بدء القتال في غزوة بدر.
وانظر لمزيد الفائدة جوابي السؤالين: (٣٩٧٣٦) و(١٢٦٥٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
2775