موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
يصلي في المسجد مع الجماعة ولكنه يكون منفردًا خلف الصف دائمًا
[السُّؤَالُ]
ـ[شخص يصلي مع الجماعة في المسجد، ولكنة يصلى بمفرده بالرغم من أنه توجد أماكن فارغة في الصفوف يستطيع أن يصلى فيها، فما حكم هذه الصلاة، علما بأنة دائما يفعل ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
صلاة الجماعة من الشعائر الظاهرة العظيمة في ديننا، وقد سبق بيان أن القول بوجوبها هو الراجح الذي تقتضيه الأدلة [راجع السؤال رقم ١٢٠] .
وأما صلاة المنفرد خلف الصف، إذا كان في الصف مكان يسعه، فقد اختف أهل العلم في صحتها. قال الإمام الترمذي ﵀: (كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَقَالُوا يُعِيدُ إِذَا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَقُ)
ثم حكاه أيضا عن حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَوَكِيعٌ.
قال: (وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُجْزِئُهُ إِذَا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ) .
والراجح في ذلك ما ذهب إليه الإمام أحمد وغيره من أهل العلم، من أنه لا يجوز للمنفرد أن يصلي خلف الصف، إذا أمكنه الدخول فيه، وأنه إذا فعل ذلك بطلت صلاته، ووجب عليه الإعادة.
وقد دل على ذلك ما رواه أبو داود (٦٨٢) والترمذي (٢٣٠) وغيرهما، أَنَّ رَجُلا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ. [صححه الألباني في الإرواء] .
قال المباركفوري ﵀: فِيهِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ الصَّلاةَ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ لا تَصِحُّ، وَأَنَّ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ. انتهى.
ودل على ذلك أيضا ما رواه أحمد (١٥٨٦٢) وابن ماجة (١٠٠٣) أن علي بن شيبان خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَصَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَحَ بِمُؤْخِرِ عَيْنَيْهِ إِلَى رَجُلٍ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ لا صَلاةَ لِمَنْ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)
قَالَ: وَرَأَى رَجُلا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَوَقَفَ حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:َ
(اسْتَقْبِلْ صَلاتَكَ؛ فَلا صَلاةَ لِرَجُلٍ فَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ) . صححه الألباني في صحيح ابن ماجة.
قال السندي ﵀ في حاشيته على ابن ماجة: ظَاهِر الْحَدِيث بُطْلان صَلاة مَنْ يَفْعَل كَذَلِكَ.
وقال الصنعاني ﵀:
فيه دلالة على بطلان صلاة من صلى خلف الصف وحده، فإن النفي ظاهر في نفي الصحة.
وقد قال ببطلانها النخعي وأحمد، وكان الشافعي يضعف هذا الحديث ويقول: لو ثبت هذا الحديث لقلت به. قال البيهقي: الاختيار أن يُتَوَقَّى ذلك لثبوت الخبر المذكور. انتهى.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى ما حكم الصلاة خلف الصف منفردًا؟
فقال ﵀: (الصلاة خلف الصف المنفرد لا تجوز ولا تصح على القول الراجح، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، وإن كان عنه رواية أخرى أنها تصح، وهو [أي: القول بصحة صلاة المنفرد خلف الصف] مذهب الأئمة الثلاثة: مالك وأبي حنيفة والشافعي.
ولكن الراجح أنها لا تصح خلف الصف منفردا، إلا إذا تعذر الوقوف في الصف؛ بحيث يكون الصف تامًا، فإنه يصلي خلف الصف منفردًا تبعًا للإمام؛ لأنه معذور، ولا واجب مع العجز كما قاله أهل العلم – ﵏.) [فتاوى الشيخ ١٥/١٩٣] .
ولكي تعلم خطوة ما يفعله هذا الذي تسأل عنه، ينبغي أن تعلم أن بعض أهل العلم قد ذهب إلى بطلان صلاة المنفرد خلف الصف مطلقا؛ يعني ولو لم يجد له مكانا في الصف. جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: (إذا دخل رجل المسجد، وقد أقيمت الصلاة وامتلأ الصف، اجتهد أن يدخل في الصف، فإن لم يتيسر ذلك فإنه يدخل مع الإمام ويكون عن يمينه، فإن لم يتمكن انتظر حتى يحضر من يصطف معه، فإن لم يتيسر أحد صلى وحده بعد انتهاء صلاة الجماعة.)
وورد نفس التفصيل السابق في جواب آخر للجنة، وفيه أنه لا يكفي في ذلك مصافة الصبيان إذا كانوا غير مميزين. قالت: (... وأما مصافة الصبيان، فإن كانوا مميزين فمصافتهم صحيحة ...، وإن كانوا غير مميزين، فحكمه حكم المنفرد خلف الصف، وصلاة المنفرد خلف الصف غير صحيحة؛ لقول النبي ﷺ: " لا صلاة لمنفرد خلف الصف ")
[انطر: فتاوى اللجنة ٨/٦-٧] .
ولا شك أن الصورة التي سألت عنها تتنافى كل التنافي مع حكمة الشرع من صلاة الجماعة، ويأباها من كان له أدنى نظر في حكم الشرع ومقاصده. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، بعد ما ذكر الحديثين اللذين استُدِلَّ بهما على عدم صحة صلاة المنفرد خلف الصف:
(.. وَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَأَسَانِيدُهُمَا مِمَّا تَقُومُ بِهِمَا الْحُجَّةُ ; بَلْ الْمُخَالِفُونَ لَهُمَا يَعْتَمِدُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ عَلَى مَا هُوَ أَضْعَفُ إسْنَادًا مِنْهُمَا، وَلَيْسَ فِيهِمَا مَا يُخَالِفُ الأُصُولَ، بَلْ مَا فِيهِمَا هُوَ مُقْتَضَى النُّصُوصِ الْمَشْهُورَةِ وَالأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ؛ فَإِنَّ صَلاةَ الْجَمَاعَةِ سُمِّيَتْ جَمَاعَةً لاجْتِمَاعِ الْمُصَلِّينَ فِي الْفِعْلِ مَكَانًا وَزَمَانًا، فَإِذَا أَخَلُّوا بِالاجْتِمَاعِ الْمَكَانِيِّ أَوْ الزَّمَانِيِّ، مِثْلَ أَنْ يَتَقَدَّمُوا أَوْ بَعْضُهُمْ عَلَى الإِمَامِ أَوْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ تَخَلُّفًا كَثِيرًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، كَانَ ذَلِكَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الأَئِمَّةِ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا مُفْتَرِقِينَ غَيْرَ مُنْتَظِمِينَ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَلْفَ هَذَا وَهَذَا خَلْفَ هَذَا، كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ، بَلْ قَدْ أُمِرُوا بِالاصْطِفَافِ، بَلْ أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِتَقْوِيمِ الصُّفُوفِ وَتَعْدِيلِهَا وَتَرَاصِّ الصُّفُوفِ وَسَدِّ الْخَلَلِ وَسَدِّ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ؛ كُلُّ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيقِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ بِحَسَبِ الإِمْكَانِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الاصْطِفَافُ وَاجِبًا لَجَازَ أَنْ يَقِفَ وَاحِدٌ خَلْفَ وَاحِدٍ وَهَلُمَّ جَرَّا؛ وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ عِلْمًا عَامًّا أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صَلاةَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا يَجُوزُ لَفَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَوْ مَرَّةً، بَلْ وَكَذَلِكَ إذَا جَعَلُوا الصَّفَّ غَيْرَ مُنْتَظِمٍ: مِثْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ هَذَا عَلَى هَذَا، وَيَتَأَخَّرَ هَذَا عَنْ هَذَا، لَكَانَ ذَلِكَ شَيْئًا قَدْ عُلِمَ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.
بَلْ إذَا صَلَّوْا قُدَّامَ الإِمَامِ كَانَ أَحْسَنَ مِنْ مِثْلِ هَذَا. فَإِذَا كَانَ الْجُمْهُورُ لا يُصَحِّحُونَ الصَّلاةَ قُدَّامَ الإِمَامِ إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَكَيْفَ تَصِحُّ الصَّلاةُ بِدُونِ الاصْطِفَافِ.
فَقِيَاسُ الأُصُولِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الاصْطِفَافِ، وَأَنَّ صَلاةَ الْمُنْفَرِدِ لا تَصِحُّ كَمَا جَاءَ بِهِ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ، وَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَلا رَيْبَ أَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ هَذِهِ السُّنَّةُ مِنْ وَجْهٍ يَثِقُ بِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ لَمْ يَسْمَعْهَا، وَقَدْ يَكُونُ ظَنَّ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ..) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٣/٣٩٣-٣٩٥] .
فاجتهد أيها الأخ الكريم في نصح أخيك الذي يفعل ذلك، وأعلمه بسنة النبي ﷺ، ونهيه عن مثل ذلك، لكن بشرط أن يكون نصحك له بالرفق واللين، وتخير الحال التي يُرْجَى فيها قبول نصحك له، والله يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[السُّؤَالُ]
ـ[شخص يصلي مع الجماعة في المسجد، ولكنة يصلى بمفرده بالرغم من أنه توجد أماكن فارغة في الصفوف يستطيع أن يصلى فيها، فما حكم هذه الصلاة، علما بأنة دائما يفعل ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
صلاة الجماعة من الشعائر الظاهرة العظيمة في ديننا، وقد سبق بيان أن القول بوجوبها هو الراجح الذي تقتضيه الأدلة [راجع السؤال رقم ١٢٠] .
وأما صلاة المنفرد خلف الصف، إذا كان في الصف مكان يسعه، فقد اختف أهل العلم في صحتها. قال الإمام الترمذي ﵀: (كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَقَالُوا يُعِيدُ إِذَا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَقُ)
ثم حكاه أيضا عن حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَوَكِيعٌ.
قال: (وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُجْزِئُهُ إِذَا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ) .
والراجح في ذلك ما ذهب إليه الإمام أحمد وغيره من أهل العلم، من أنه لا يجوز للمنفرد أن يصلي خلف الصف، إذا أمكنه الدخول فيه، وأنه إذا فعل ذلك بطلت صلاته، ووجب عليه الإعادة.
وقد دل على ذلك ما رواه أبو داود (٦٨٢) والترمذي (٢٣٠) وغيرهما، أَنَّ رَجُلا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ. [صححه الألباني في الإرواء] .
قال المباركفوري ﵀: فِيهِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ الصَّلاةَ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ لا تَصِحُّ، وَأَنَّ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ. انتهى.
ودل على ذلك أيضا ما رواه أحمد (١٥٨٦٢) وابن ماجة (١٠٠٣) أن علي بن شيبان خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَصَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَحَ بِمُؤْخِرِ عَيْنَيْهِ إِلَى رَجُلٍ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ لا صَلاةَ لِمَنْ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)
قَالَ: وَرَأَى رَجُلا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَوَقَفَ حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:َ
(اسْتَقْبِلْ صَلاتَكَ؛ فَلا صَلاةَ لِرَجُلٍ فَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ) . صححه الألباني في صحيح ابن ماجة.
قال السندي ﵀ في حاشيته على ابن ماجة: ظَاهِر الْحَدِيث بُطْلان صَلاة مَنْ يَفْعَل كَذَلِكَ.
وقال الصنعاني ﵀:
فيه دلالة على بطلان صلاة من صلى خلف الصف وحده، فإن النفي ظاهر في نفي الصحة.
وقد قال ببطلانها النخعي وأحمد، وكان الشافعي يضعف هذا الحديث ويقول: لو ثبت هذا الحديث لقلت به. قال البيهقي: الاختيار أن يُتَوَقَّى ذلك لثبوت الخبر المذكور. انتهى.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى ما حكم الصلاة خلف الصف منفردًا؟
فقال ﵀: (الصلاة خلف الصف المنفرد لا تجوز ولا تصح على القول الراجح، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، وإن كان عنه رواية أخرى أنها تصح، وهو [أي: القول بصحة صلاة المنفرد خلف الصف] مذهب الأئمة الثلاثة: مالك وأبي حنيفة والشافعي.
ولكن الراجح أنها لا تصح خلف الصف منفردا، إلا إذا تعذر الوقوف في الصف؛ بحيث يكون الصف تامًا، فإنه يصلي خلف الصف منفردًا تبعًا للإمام؛ لأنه معذور، ولا واجب مع العجز كما قاله أهل العلم – ﵏.) [فتاوى الشيخ ١٥/١٩٣] .
ولكي تعلم خطوة ما يفعله هذا الذي تسأل عنه، ينبغي أن تعلم أن بعض أهل العلم قد ذهب إلى بطلان صلاة المنفرد خلف الصف مطلقا؛ يعني ولو لم يجد له مكانا في الصف. جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: (إذا دخل رجل المسجد، وقد أقيمت الصلاة وامتلأ الصف، اجتهد أن يدخل في الصف، فإن لم يتيسر ذلك فإنه يدخل مع الإمام ويكون عن يمينه، فإن لم يتمكن انتظر حتى يحضر من يصطف معه، فإن لم يتيسر أحد صلى وحده بعد انتهاء صلاة الجماعة.)
وورد نفس التفصيل السابق في جواب آخر للجنة، وفيه أنه لا يكفي في ذلك مصافة الصبيان إذا كانوا غير مميزين. قالت: (... وأما مصافة الصبيان، فإن كانوا مميزين فمصافتهم صحيحة ...، وإن كانوا غير مميزين، فحكمه حكم المنفرد خلف الصف، وصلاة المنفرد خلف الصف غير صحيحة؛ لقول النبي ﷺ: " لا صلاة لمنفرد خلف الصف ")
[انطر: فتاوى اللجنة ٨/٦-٧] .
ولا شك أن الصورة التي سألت عنها تتنافى كل التنافي مع حكمة الشرع من صلاة الجماعة، ويأباها من كان له أدنى نظر في حكم الشرع ومقاصده. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، بعد ما ذكر الحديثين اللذين استُدِلَّ بهما على عدم صحة صلاة المنفرد خلف الصف:
(.. وَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَأَسَانِيدُهُمَا مِمَّا تَقُومُ بِهِمَا الْحُجَّةُ ; بَلْ الْمُخَالِفُونَ لَهُمَا يَعْتَمِدُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ عَلَى مَا هُوَ أَضْعَفُ إسْنَادًا مِنْهُمَا، وَلَيْسَ فِيهِمَا مَا يُخَالِفُ الأُصُولَ، بَلْ مَا فِيهِمَا هُوَ مُقْتَضَى النُّصُوصِ الْمَشْهُورَةِ وَالأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ؛ فَإِنَّ صَلاةَ الْجَمَاعَةِ سُمِّيَتْ جَمَاعَةً لاجْتِمَاعِ الْمُصَلِّينَ فِي الْفِعْلِ مَكَانًا وَزَمَانًا، فَإِذَا أَخَلُّوا بِالاجْتِمَاعِ الْمَكَانِيِّ أَوْ الزَّمَانِيِّ، مِثْلَ أَنْ يَتَقَدَّمُوا أَوْ بَعْضُهُمْ عَلَى الإِمَامِ أَوْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ تَخَلُّفًا كَثِيرًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، كَانَ ذَلِكَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الأَئِمَّةِ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا مُفْتَرِقِينَ غَيْرَ مُنْتَظِمِينَ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَلْفَ هَذَا وَهَذَا خَلْفَ هَذَا، كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ، بَلْ قَدْ أُمِرُوا بِالاصْطِفَافِ، بَلْ أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِتَقْوِيمِ الصُّفُوفِ وَتَعْدِيلِهَا وَتَرَاصِّ الصُّفُوفِ وَسَدِّ الْخَلَلِ وَسَدِّ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ؛ كُلُّ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيقِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ بِحَسَبِ الإِمْكَانِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الاصْطِفَافُ وَاجِبًا لَجَازَ أَنْ يَقِفَ وَاحِدٌ خَلْفَ وَاحِدٍ وَهَلُمَّ جَرَّا؛ وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ عِلْمًا عَامًّا أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صَلاةَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا يَجُوزُ لَفَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَوْ مَرَّةً، بَلْ وَكَذَلِكَ إذَا جَعَلُوا الصَّفَّ غَيْرَ مُنْتَظِمٍ: مِثْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ هَذَا عَلَى هَذَا، وَيَتَأَخَّرَ هَذَا عَنْ هَذَا، لَكَانَ ذَلِكَ شَيْئًا قَدْ عُلِمَ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.
بَلْ إذَا صَلَّوْا قُدَّامَ الإِمَامِ كَانَ أَحْسَنَ مِنْ مِثْلِ هَذَا. فَإِذَا كَانَ الْجُمْهُورُ لا يُصَحِّحُونَ الصَّلاةَ قُدَّامَ الإِمَامِ إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَكَيْفَ تَصِحُّ الصَّلاةُ بِدُونِ الاصْطِفَافِ.
فَقِيَاسُ الأُصُولِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الاصْطِفَافِ، وَأَنَّ صَلاةَ الْمُنْفَرِدِ لا تَصِحُّ كَمَا جَاءَ بِهِ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ، وَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَلا رَيْبَ أَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ هَذِهِ السُّنَّةُ مِنْ وَجْهٍ يَثِقُ بِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ لَمْ يَسْمَعْهَا، وَقَدْ يَكُونُ ظَنَّ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ..) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٣/٣٩٣-٣٩٥] .
فاجتهد أيها الأخ الكريم في نصح أخيك الذي يفعل ذلك، وأعلمه بسنة النبي ﷺ، ونهيه عن مثل ذلك، لكن بشرط أن يكون نصحك له بالرفق واللين، وتخير الحال التي يُرْجَى فيها قبول نصحك له، والله يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
1859